اليوم ده أنا عمري ما هنساه… مش عشان كان مميز، لكن عشان كسر حاجة جوايا أنا كنت فاكرها ثابتة. فاكر إني ماشي في الشارع عادي جدًا، بس جوايا إحساس غريب بالراحة، يمكن عشان لأول مرة من فترة طويلة أقرر أسيب الشغل بدري. كنت شايل في إيدي بوكيه ورد أبيض، وقفت قدامه كتير قبل ما أشتريه، كنت بتخيل شكل مريم وهي بتستلمه، يمكن تضحك، يمكن تقول لي “إيه المفاجأة دي؟”، وفي إيدي التانية كيس صغير فيه هدوم بيبي، أول حاجة أشتريها لبنتي اللي لسه ماجتش، وكنت فرحان بشكل بسيط كده… مش فرحة كبيرة، بس مريحة.
مريم كانت في الشهر السابع، وبقالها فترة تعبها زاد، بس عمرها ما قالت. كانت دايمًا تقول “أنا كويسة”، حتى وهي مش كويسة. كانت من النوع اللي يخبي تعبه، يمكن عشان متعودتش تلاقي حد يسمعها. مفيش أهل ترجع لهم، مفيش حد تسند عليه، غيري أنا… وده كان دايمًا محسسني بمسؤولية أكبر، وخلاني أقرر أجيب حد يساعدها في البيت.
جبت “عزة”… واحدة صاحبي قال لي عليها، قال إنها كويسة ومجربة، وأنا صدقته بسهولة. مريم ما كانتش مقتنعة، بس وافقت عشان ترضيني، وأنا افتكرت ساعتها إني كده بعمل الصح.
وأنا طالع على السلم، كنت مستعجل أوصل، مش عارف ليه، بس كنت حاسس إني عايز أشوفها بسرعة. تخيلت الباب وهو بيتفتح، ونظرتها وهي مستغربة إني جيت بدري، يمكن تفرح، يمكن تستغرب، بس أكيد هتكون لحظة حلوة.
بس أول ما وصلت قدام الباب… وقفت شوية. مفيش سبب واضح، بس حسيت بحاجة مش مريحة. فتحت بالمفتاح ودخلت بهدوء.
البيت كان ساكت… بس مش سكون عادي. السكون اللي يخليك تاخد بالك من أي صوت صغير. حتى التلفزيون كان شغال بصوت واطي جدًا. وفي ريحة غريبة في المكان… مش وحشة، بس مش طبيعية.
مشيت لجوه، وكل خطوة كانت تقيلة، لحد ما دخلت الصالة… وساعتها كل حاجة وقفت.
مريم كانت على الأرض.
راكعة على الرخام، هدومها مبلولة، شعرها واقع على وشها، وإيدها ماسكة بطنها، والتانية بتمسح الأرض بسرعة وعنف غريب، مش شكل واحدة بتنضف، شكل واحدة بتجري من حاجة، أو بتحاول تخلص من حاجة جواها.
كانت بتعيط… بس صوتها واطي جدًا، بالكاد مسموع. بتقول كلمات متقطعة: “أنا آسفة… والله آسفة… هكمل… بس متزعليش…”
وقفت مكاني، مش فاهم أنا شايف إيه.
بصيت حواليّا… لقيت عزة قاعدة على الكنبة، ماسكة الريموت، مركزة في التلفزيون كأن مفيش حاجة بتحصل. المشهد كله بالنسبة لها عادي.
وفي الركن… أمي وأختي قاعدين. ساكتين. مش بيتكلموا. مش بيتحركوا. وجودهم نفسه كان غريب، كأنهم مش عارفين يعملوا إيه… أو يمكن مش عايزين.
عزة بصت لمريم وقالت بنبرة باردة: “خلصي كويس… إنتي لسه ما عملتيش حاجة.”
مريم ردت بسرعة، وهي مرعوبة: “حاضر… والله هخلص…”
ساعتها حسيت بحاجة تقيلة جوا صدري، إحساس مش بس غضب… إحساس إني اتأخرت، إني كنت غايب عن حاجة المفروض كنت شايفها.
عزة كملت كلامها، وهي بتضحك ضحكة خفيفة: “فاكرة يعني لو جوزك شافك كده هيصدقك؟”
مريم سكتت، بس مسكت بطنها جامد… وده كان كفاية يخليني ما أستحملش أكتر.
طلعت مني الكلمة من غير تفكير: “إيه اللي بيحصل هنا؟”
الصوت كان أعلى من ما توقعت. الكل سكت.
عزة بصت لي بسرعة، واتغيرت ملامحها. أمي قامت وقفت، وأختي نزلت عينها في الأرض.
بس أنا ما كنتش باصص غير لمريم.
رفعت وشها لي ببطء… وأنا كنت مستني أشوف راحة، أو حتى دموع ارتياح… بس اللي شوفته كان خوف. خوف صريح. كأني أنا مش جاي أنقذها… كأني جاي أكمل عليها.
الإحساس ده كان أصعب من أي حاجة.
قربت منها خطوة، وقلت بهدوء: “قومي يا مريم…”
ما اتحركتش.
عزة دخلت بسرعة في الكلام: “ولا حاجة يا أستاذ… دي بس كانت بتنضف—”
بصيت لها… وسكتت.
مش عشان أنا قلت حاجة… لكن عشان النظرة نفسها كانت كفاية.
رجعت لمريم، ونزلت لمستواها، وقلت: “بصي لي…”
بصت… بس بسرعة رجعت عينيها بعيد.
الخوف اللي فيها ما كانش عادي… وده خلاني أفهم إن الموضوع أكبر من موقف.
وقفت، وبصيت لأمي: “إنتي شايفة اللي بيحصل ده؟”
ردت بصوت متردد: “إحنا… كنا فاكرين…”
وما كملتش.
بس أنا كنت خلاص فهمت… أو على الأقل بدأت أفهم إن في حاجة بتحصل وأنا مش موجود.
بصيت لعزة وقلت بهدوء واضح: “إنتي تمشي دلوقتي.”
حاولت تتكلم… بس أنا كررت: “دلوقتي.”
قامت، وهي باصة لي بنظرة غريبة… مش نظرة واحدة غلطانة، لأ، نظرة واحدة عارفة حاجة.
وخرجت.
بس رغم خروجها… الجو ما اختلفش.
قربت من مريم، وساعدتها تقوم، كانت تقيلة ومجهدة، قعدتها على الكنبة، وجبت لها مية.
إيدي كانت بتترعش… ودي أول مرة أحس إني مش مسيطر.
قلت لها: “أنا هنا… خلاص.”
بس جوايا… ما كنتش مصدق الجملة دي.
لأن الحقيقة كانت واضحة… أنا ما كنتش هنا قبل كده.
واللي حصل… ما كانش بيحصل لأول مرة.
وقتها بس بدأ السؤال الحقيقي يظهر:
مين ورا كل ده؟
وليه؟
والإجابة… أنا كنت حاسس إنها مش هتكون سهلة.
الليلة اللي حصل فيها كل حاجة ماخلصتش لما عزة خرجت من البيت… بالعكس، أنا حاسس إن ده كان أول مرة أشوف فيها شكل المشكلة، مش حلها. البيت هدي تاني، بس الهدوء ده المرة دي ما كانش راحة، كان ضغط، كأن في حاجة لسه موجودة في الهوا، مش راضية تختفي.
مريم كانت قاعدة جنبي على الكنبة، ساكتة تمامًا، إيديها متشابكة في بعض، وعينيها على الأرض. حاولت أتكلم معاها أكتر من مرة، بس كل مرة كانت ترد بكلمة أو اتنين وبس، كأن الكلام نفسه تقيل عليها. مفيش دموع، مفيش صريخ، بس كان في حاجة أخطر… صمت مش طبيعي.
أمي وأختي كانوا في المطبخ، بيتحركوا بهدوء زيادة عن اللزوم، وكأنهم بيحاولوا يتفادوا أي مواجهة. حسيت إن في حاجة مش مفهومة، حاجة مش كاملة، زي قصة بدأت من غير ما أعرف بدايتها.
قربت من أمي وقلت بهدوء: “أنا عايز أفهم… اللي حصل ده بقاله قد إيه؟”
سكتت شوية، وبعدين قالت: “مش زي ما أنت فاكر… إحنا كنا بنحاول نساعدها.”
الجملة دي ما ارتحتلهاش. حسيت إنها مش إجابة، أكتر من إنها محاولة تهرب. أختي كانت واقفة وراها، مش بتبص لي، وكأنها خايفة تشارك في الكلام.
رجعت لمريم تاني، وقعدت قدامها. قلت لها بهدوء: “قوليلي بصراحة… في حاجة بتحصل وأنا مش موجود؟”
بصت لي، وسكتت فترة طويلة، أطول من اللازم، وبعدين قالت بصوت منخفض جدًا:
“أنا كنت بعمل اللي بيتقال لي… عشان ما يحصلش مشاكل.”
الكلام وقف جوايا. ما فهمتش في الأول، بس كان في معنى واضح بيكبر تدريجيًا.
“مين اللي بيقولك تعملي كده؟” سألتها.
سكتت تاني. وبصت ناحية المطبخ.
ساعتها بدأت أربط حاجات صغيرة ما كنتش واخد بالي منها قبل كده… نظرات أمي، سكوت أختي، وطريقة عزة اللي كانت بتتكلم بيها كأنها صاحبة قرار مش مجرد شغالة.
مريم ردت بصعوبة: “مامتك… كانت بتقول إن ده عادي… وإن الست لازم تساعد نفسها.”
الجملة دي وقعت عليا تقيلة. بصيت ناحية المطبخ، وأمي ما ردتش.
سألتها: “تساعد نفسها إزاي؟ وهي حامل؟!”
ما كانش فيه رد.
بس أختي قالت فجأة، بصوت واطي: “هي كانت بتقول إنها كده هتتعود على المسؤولية… وإن ده خير ليها.”
السكوت اللي بعد الجملة دي كان مختلف. مش سكوت بيت، ده كان سكوت مواجهة.
قمت وقفت، وحسيت إن في حاجة بتتغير جوا البيت مش بس جوايا. قلت: “إنتوا كنتوا شايفينها وهي بتتضغط بالشكل ده وساكتين؟”
أمي ردت بسرعة: “إحنا ما كناش بنأذيها… كنا بنعلمها.”
الكلمة دي كانت أصعب من أي حاجة سمعتها النهاردة. “بنعلمها”.
رجعت لمريم، بصيت لها تاني، وقلت بهدوء: “إيه اللي كان بيحصل بالظبط وأنا مش موجود؟”
مريم أخدت نفس طويل، وكأنها بتجمع شجاعة مش موجودة:
“كانت بتخليني أعمل كل حاجة في البيت… حتى وأنا تعبانة… وكانت تقول إن ده طبيعي… وإنك هتزعل لو عرفت إني مش بعمل كده.”
وقفت مكاني. الإحساس كان تقيل بشكل مش طبيعي. مش بس إن في حاجة غلط حصلت… لكن إن الكل كان مشارك فيها بشكل أو بآخر.
رجعت بصيت لأمي: “إنتي قولتي كده؟”
سكتت لحظة أطول، وبعدين قالت: “كنت فاكرة إني بساعدها تبقى قوية.”
كنت عايز أتكلم، بس مفيش كلمة كانت طالعة مظبوطة. كل حاجة كانت متشابكة بطريقة غريبة.
قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على راسي. مريم كانت بتبص لي من غير ما تتكلم، كأنها مستنية رد فعل، أو حكم.
قلت لها: “ليه ما قولتيش لي؟”
ردت بصوت مكسور: “كنت خايفة… تقول إني مش قادرة… أو إني ضعيفة.”
الكلمة دي ضربتني أكتر من أي حاجة. لأنها كانت فاكرة إن سكوتها حماية لي، وأنا كنت فاكر إني بحميها.
في اللحظة دي، بدأت أشوف الصورة بشكل أوضح… مش عشان في حاجة جديدة اتقالت، لكن عشان كل حاجة قديمة بدأت تتجمع في مكان واحد.
البيت ما كانش فيه شخص واحد غلطان… كان فيه نظام كامل اتبنى غلط من غير ما حد ياخد باله.
وقبل ما أتكلم، أمي قالت بهدوء:
“إحنا كنا بنحاول نخليها تعتمد على نفسها… ما كناش نقصد حاجة وحشة.”
بس الجملة دي ما كانتش كفاية. النية ما كانتش بتغير النتيجة اللي حصلت قدامي.
مريم كانت قاعدة، بتتنفس بصعوبة، وأنا كنت لأول مرة حاسس إني مش عارف أفرق بين الغلط والصح جوه بيتي.
قمت وقفت تاني، وبصيت لكل واحد فيهم، وقلت:
“اللي حصل هنا مش تربية… ده ضغط.”
السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان مختلف… لأنه كان بداية إدراك، مش دفاع.
وفي اللحظة دي فهمت إن خروج عزة ما كانش النهاية…
كان بداية إن كل واحد في البيت ده هيتحاسب على دوره.
ومع إن مريم كانت قدامي، بس أنا حسيت لأول مرة إننا لسه في أول الطريق… طريق طويل جدًا لفهم اللي حصل فعلًا، وإصلاحه.
والأصعب من كل ده… إن اللي جاي مش هيكون أسهل.