الجزاء من جنس العمل… حكاية “بهية” اللي خرجت مكسورة ورجعت قوية

الجزاء من جنس العمل… حكاية “بهية” اللي خرجت مكسورة ورجعت قوية


الجزاء من جنس العمل… حكاية “بهية” اللي خرجت مكسورة ورجعت قوية

في حارة شعبية هادية، كانت البيوت متلاصقة، والأصوات فيها بتتنقل من شباك لشباك، والناس عارفة تفاصيل بعض من غير ما تسأل. وسط الحارة دي، كان في بيت قديم كبير، معروف إنه بيت “الحاجة فتنة”. الاسم لوحده كان كفاية يخلي أي حد ياخد باله قبل ما يدخل… لأن فتنة ما كانتش ست عادية، كانت ست بتحب السيطرة، وبتعيش على المشاكل، وكل ما النار تهدى… هي اللي تولعها من تاني.

يوم ما دخلت “بهية” البيت ده عروسة، كانت داخلة بقلب أبيض، مليان نية طيبة وأمل إنها تبني بيت وتعيش حياة بسيطة مع جوزها “إبراهيم”. كانت بنت أصول، متربية على الاحترام والصبر، شايفة الجواز ستر وسكن، ومش في دماغها لا مشاكل ولا صراعات. لكن من أول يوم، حسّت إن في حاجة غلط… نظرات حماتها كانت تقيلة، وكأنها مش شايفاها زوجة لابنها، لكن شايفاها دخيلة على مملكتها.

الحاجة فتنة من أول لحظة قررت إن “بهية” مش هتكون ست بيت… لأ، دي هتكون خدامة بلقمتها. كانت تصحيها قبل الفجر، قبل ما النور حتى يبان في السما، وتقول لها بصوت ناشف: “قومي يا بت، البيت ده عايز يتنضف من فوق لتحت.” بهية كانت تقوم وهي تعبانة، لكن تقول لنفسها: “يمكن الأيام تعدي وتلين.” كانت تغسل الغسيل بإيدها رغم إن في غسالة، وتطبخ كميات أكل تكفي عيلة كاملة، وتفضل واقفة بالساعات، وفتنة فوق دماغها تراقب وتنتقد.

“يا بت يا بهية، الملوخية دي خفيفة زي الميه! إنتي أمك معلمتكيش غير الكسل؟” كانت الكلمات تخرج من فتنة كأنها سكاكين صغيرة. بهية كانت ترد بصوت مكسور: “والله يا خالتي عملتها زي ما طلبتي… اتقي الله فيا.” لكن فتنة كانت تضحك بسخرية: “بتجيبي سيرة ربنا على لسانك يا خطافة الرجالة؟”

وما كانش في حد يحميها… لأن إبراهيم، جوزها، رغم قلبه الطيب، كان “ودني” لدرجة مؤذية. كل يوم يرجع من شغله سواق نقل، تعبان ومهلوك، يلاقي أمه قاعدة تعيط وتشتكي: “مراتك دي هتجنني… مش بتسمع الكلام… بترد عليا!” كان يسمع كلامها من غير ما يفكر، ومن غير ما يسأل حتى بهية. يتحول في لحظة من زوج ممكن يحتوي، لراجل بيطلع غضبه كله في مرات ضعيفة مالهاش حد.

كان يمد إيده عليها، يهينها، يكسّر فيها كرامتها، وهي ساكتة… مش ضعف، لكن أمل إنها تحافظ على بيتها. كانت تقول لنفسها: “بكرة يفهم… بكرة يشوف الحقيقة.” لكن بكرة ما كانش بييجي.

وكانت “شربات” أخت إبراهيم، دايمًا موجودة، دايمًا بتنفخ في النار. بنت لسانها حاد، وقلبها مليان غيرة. كل ما تشوف بهية صابرة، تروح لأمها وتقول: “شايفة؟ دي عاملة نفسها ملاك عشان تكسب إبراهيم. لازم نوريها مقامها.” وفتنة ما كانتش محتاجة حد يشجعها… كانت مستنية فرصة.

لما بهية حملت، المفروض البيت يفرح. لكن اللي حصل كان العكس. شربات اتجننت من الغيرة، وفتنة شافت إن ده تهديد أكبر لسيطرتها. بدأت الخطة تتكوّن في صمت… خطة قاسية، لكنها بالنسبة لهم كانت مجرد “درس” لواحدة لازم تتكسر.

في يوم هادي، خدت فتنة خاتم دهب غالي، كانت دايمًا تقول عليه “شقا عمري”، وخبّته وسط هدوم بهية اللي كانت لسه غسلاها. بعد ساعات، أول ما إبراهيم دخل، بدأت المسرحية. فتنة لطمت على وشها وصرخت: “يا ناري! دهبي راح! الخاتم اتسرق!”

البيت اتقلب. فتشوا كل مكان، وكل خطوة كانت متخططة. لحد ما لقوا الخاتم وسط هدوم بهية. في اللحظة دي، عيون إبراهيم اسودت. بهية وقفت مكانها مصدومة، مش فاهمة إيه اللي بيحصل. قالت وهي بترتعش: “والله ما أعرف عنه حاجة… أحلف بمصحف ربنا!” لكن القسم ما كانش كفاية.

إبراهيم ما سمعش، ما فكّرش، ما حاولش حتى يدور على الحقيقة. مد إيده عليها بعنف… ضربة ورا ضربة، وكأن كل غضبه متخزن ومستني اللحظة دي. بهية وقعت على الأرض، وهي حامل… والألم كان أكبر من مجرد وجع جسدي. في لحظة، فقدت الجنين… وفقدت معاه آخر أمل في إن البيت ده يكون بيتها.

وقف إبراهيم فوقها وقال بجملة قطعت كل حاجة: “إنتي طالق… اطلعي بره بيتي باللي عليكي يا حرامية.”

خرجت بهية من البيت وهي مش شايفة قدامها. دموعها نازلة، قلبها مكسور، وجسمها موجوع. ما كانش معاها حاجة… غير نفسها. لكن يمكن لأول مرة، كانت حرة من ظلم ما كانش ليه آخر.

مرت الأيام، وبقت شهور، وبعدين سنين. في الأول كانت الحياة صعبة، قاسية، مليانة تعب. اشتغلت في مشغل خياطة، بإيدها اللي كانت بتتعب في بيت فتنة من غير مقابل، بدأت تبني نفسها من جديد. كل غرزة كانت خطوة لقدام، كل تعب كان بيصنع منها واحدة أقوى.

مع الوقت، كبرت. فتحت محل صغير، وبعدين محل أكبر. سمعتها بقت كويسة، وشغلها بقى معروف. الناس بقت تحترمها، مش بس عشان شغلها، لكن عشان شخصيتها. وفي يوم، دخل حياتها راجل مختلف… راجل شاف فيها القيمة اللي غيره ما شافهاش، وقرر يشيلها من على الأرض شيل. اتجوزته، وعاشت معاه حياة هادية، مبنية على الاحترام مش الخوف.

أما في بيت فتنة… فالدنيا ما سابتش حاجة زي ما كانت. إبراهيم عمل حادثة بعربية النقل، وخسر رجليه. بقى قاعد على كرسي متحرك، محتاج مساعدة في كل حاجة. الفلوس اللي جمعها، راحت على العمليات والعلاج، والراحة اللي كان فاكر إنه هيفضل فيها، اختفت.

شربات، اللي كانت بتتمنّى تعيش أحسن حياة، اتجوزت واحد خدها من بيتها… لكنه ما كانش أحسن من اللي قبله. ساب لها عيالها، وسرق دهبها، ورماها ترجع لأمها وهي مكسورة. بقت عبء بدل ما كانت شايفة نفسها ملكة.

أما الحاجة فتنة… فالسن ما بيرحمش. جالها شلل رعاش، ومرض في الكبد. بقت محتاجة خدمة طول اليوم، لكن مفيش حد يخدمها بحب. بنتها بتتأفف منها، وتقول: “يا أما أنا مش فاضيالك… كفاية اللي أنا فيه.” والبيت اللي كان مليان صوتها، بقى مليان أنينها.

وفي يوم، إبراهيم كان قاعد قدام باب البيت على الكرسي المتحرك، باصص للشارع بنظرة مكسورة. فجأة، وقفت عربية فخمة. الناس في الحارة بصّت… واستغربت. الباب اتفتح، ونزلت منها ست شيك… قوية… واثقة. كانت “بهية”.

دخلت البيت بخطوات ثابتة. فتنة أول ما شافتها، حاولت تتغطى… مش من البرد، لكن من الكسفة. بهية وقفت قدامها، وبصّت لها نظرة طويلة… نظرة فيها كل اللي فات، بس من غير كراهية. طلعت ظرف فلوس وحطته على السرير، وقالت بهدوء: “فاكرة الخاتم اللي كنتي بتقولي إني سرقته؟ أنا جاية أديكي تمنه عشر مرات… مش عشانك، لكن عشان ربنا أمرني أرحم اللي ظلمني.”

إبراهيم بدأ يعيط، وقال بصوت مكسور: “سامحيني يا بهية… أمي هي اللي دبرت كل حاجة… واعترفت لي.”

بهية بصّت له، لكن من غير دفء. قالت: “السماح عند ربنا يا إبراهيم… وأنا جاية أشكرك. لأنك لما طلقتني… أنقذتني من حياة كنت هموت فيها وأنا عايشة.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت: “اللي إنتوا فيه دلوقتي… هو أصعب عقاب. مش أنا اللي عملته… ده نتيجة أفعالكم.”

لفّت وخرجت، بنفس الثبات اللي دخلت بيه. سابتهم في صمت تقيل… صمت مليان ندم. فتنة بدأت تبكي وتشهق: “يا ريتني كنت مت قبل ما أشوف اليوم ده…”

لكن الأيام ما بترجعش… والدنيا دايمًا بتلف. واللي بيزرع وجع… بيحصده يوم، حتى لو بعد سنين. لأن الحقيقة اللي ما بتتغيرش… إن الجزاء دايمًا بيكون من جنس العمل.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان