رحلة في أغرب تصريحات وفتاوى الدكتور الراحل ضياء العوضي

رحلة في أغرب تصريحات وفتاوى الدكتور الراحل ضياء العوضي


لم يكن الدكتور ضياء العوضي مجرد طبيب تخدير وعناية مركزة عادي  بل كان ظاهرة رقمية واجتماعية تجاوزت حدود الطب لتصل إلى مناطق شائكة في الدين، الأخلاق، والسياسة الغذائية، بابتسامة هادئة وثقة مطلقة استطاع العوضي أن يجذب مئات الآلاف من المتابعين لنظامه الشهير بـ “نظام الطيبات” زاعما أنه يمتلك مفاتيح الشفاء من أمراض عجز عنها الطب الحديث، ولكن خلف هذا البريق تكمن قائمة طويلة من التصريحات التي وصفها العلم بالـ “كارثية” ووصفها المجتمع بالـ “شاذة”، فما هي حكاية الرجل الذي منع “المحشي” وأباح “النوتيلا” واعتبر الأنسولين عدواً للدسم؟

عاصفة “الطيبات” حين تصبح الشوكولاتة دواء والدجاج داء.

في قلب نظرية الدكتور ضياء العوضي تكمن فلسفة “الطيبات” وهي تقسيم للأطعمة يعتمد على ما يراه هو صالحاً “فسيولوجياً” للجسم، في هذا النظام انقلبت الهرم الغذائي العالمي رأساً على عقب.

يقول العوضي في أبرز تصريحاته إن الحلويات والمربى والحلواني وحتى “النوتيلا” هي وقود حقيقي للجسم، ولا تضر مريض السكري إذا ما تم تناولها ضمن ضوابط نظامه وفي المقابل شن هجوم ضاري على “الدجاج”.

معتبرا إياه مسبب رئيسي للالتهابات والخوف والتوتر بل ذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه “المحشي والكرنب”، بأن ورقه يشبه “البلاستيك” الذي لا يستطيع الجسم تصريفه ما يجعله مصدراً للأمراض لا الغذاء.

تعارض هذه الفرضية تماما توصيات منظمة الصحة العالمية (WHO) التي تؤكد أن السكر المضاف هو المحرك الأول لالتهابات الأوعية الدموية والسمنة، كما أن العلم يثبت أن الألياف الموجودة في الخضروات هي “المكنسة” الطبيعية للجهاز الهضمي والوقاية الأولى من سرطان القولون، بينما يعتبر الدجاج (بدون الجلد) مصدر أساسي  للبروتين الحيوي الذي يفتقر إليه نظام العوضي بشكل حاد

الطب في قفص الاتهام هل السكري ومقاومة الأنسولين “أكذوبة”؟

أخطر ما قدمه الدكتور ضياء العوضي كان تصادمه المباشر مع أساسيات الطب التجريبي، فقد صرح في أكثر من لقاء وفيديو أن “مقاومة الأنسولين” ما هي إلا أكذوبة علمية تروج لها شركات الأدوية.

والأدهى من ذلك كان دعوته لمرضى السكري بمن فيهم الأطفال المصابون بالنوع الأول بضرورة التخلي عن حقن الأنسولين والأدوية والاعتماد فقط على “نظام الطيبات”.

هذا التصريح تحديداً كان القشة التي قصمت ظهر البعير حيث واجه انتقادات حادة من كبار أطباء الغدد الصماء حول العالم، ومنهم الدكتور أسامة حمدي من جامعة هارفارد الذي حذر من أن مثل هذه النصائح قد تؤدي إلى “وفاة محققة” للمرضى.

ولكن تؤكد الجمعية الأمريكية للسكري (ADA) أن مريض النوع الأول يواجه الموت المحقق (الحماض الكيتوني السكري) في حال توقف عن الأنسولين لأنه هرمون حياة لا ينتجه جسمه، أما مقاومة الأنسولين فهي حقيقة بيولوجية موثقة باختبارات دم دقيقة مثل (HOMA-IR) والادعاء بعلاجها عبر تناول “الحلويات” هو مغالطة علمية تؤدي إلى تفاقم الحالة وتدمير خلايا البنكرياس المتبقية.

اللبن السائل “سمّ قاتل” حرب العوضي ضد الكالسيوم

من بين أغرب تصريحاته التغذوية كانت فتواه الطبية بأن “اللبن السائل سم للبالغين” واستند العوضي في ذلك إلى فكرة أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشرب اللبن بعد الفطام، زاعما أن الحليب يسبب تكوين “المخاط” في الجسم وهو أصل كل البلايا من التهابات الجيوب الأنفية وصولاً إلى سرطان القولون.

وعلى الرغم من أن العلم يقر بحساسية اللاكتوز لدى البعض إلا أن تعميم العوضي بوصف اللبن “بالسم” جعل الهيئات الطبية في حالة ذهول، خاصة وأنه كان يروج في المقابل لـ “السمن البلدي” كمنظف للشرايين ومقوي للقلب ضاربا بعرض الحائط كل التحذيرات من الدهون المشبعة.

ولكنه تفيد تقارير معهد الطب الأمريكي ومدرسة هارفارد للصحة العامة بأن الحليب مصدر رئيسي للكالسيوم وفيتامين (د) الضروريين لمنع هشاشة العظام عند البالغين وفكرة ارتباطه بالمخاط هي “خرافة طبية” فندتها الدراسات السريرية، أما وصف أوراق الخضار بالبلاستيك فهو يتجاهل حقيقة “السيليلوز” وهو مادة يحتاجها الجسم ليس ليهضمها، بل لتمثل “كتلة” تحرك الفضلات وتغذي البكتيريا النافعة (البروبيوتيك) في الأمعاء.

لغز “الدجاج” لماذا كان يرى العوضي في “الفراخ” سبب للجبن؟

“من يأكل الدجاج لا يمكن أن يكون شجاع” قد يبدو هذا التصريح كجزء من أسطورة شعبية، لكنه كان جزء أصيل من خطاب الدكتور ضياء العوضي كان يربط بين نوع الغذاء والحالة النفسية والأخلاقية للشعوب.

زعم العوضي أن الدجاج المتوفر حاليا محقون بالهرمونات ويسبب “الخوف والجبن” لمن يتناوله كما ربطه بأمراض الكلى والضعف الجنسي، هذه الفلسفة الغريبة في ربط “البروتين” بـ “الخلق” جعلت الكثيرين يتساءلون عن المصادر العلمية التي يستقي منها أفكاره، والتي كانت غالبا ما تفتقر إلى دراسات موثقة وتعتمد على “المنطق الشخصي”.

ولا توجد دراسة واحدة في علم الأعصاب أو علم النفس الحيوي تربط بين استهلاك بروتين الطيور وبين الخصائص السلوكية كالشجاعة الهرمونات (في حال وجودها نتيجة سوء التربية) لها تأثيرات فسيولوجية بحتة على البلوغ أو التوازن الهرموني الجسدي، لكن ربط “الشجاعة” بنوع اللحم هو خلط بين الأساطير الشعبية والطب حيث يظل الدجاج المسلوق أو المشوي عالميا من أفضل المصادر لبناء الكتلة العضلية وتجديد خلايا المخ.

من التغذية إلى “الضرب” تصريحات اجتماعية أثارت الغضب

لم تتوقف غرابة أطوار العوضي عند حدود المطبخ والعيادة بل امتدت لتشمل العلاقات الزوجية، في تسريبات وفيديوهات منسوبة إليه تحدث العوضي عن القوامة بشكل أثار حفيظة المنظمات النسائية والحقوقية.

ينسب إليه قوله إن “أفضل طريقة لمعاملة الزوجة المخطئة هي الضرب”، مبرر ذلك بنظرة ذكورية مغلفة بإطار ديني خاص به هذه التصريحات وضعت الرجل في خانة “المتشددين اجتماعيا”،وأظهرت جانبا من شخصيته يرى في السلطة الأبوية الحازمة أساس لاستقرار الأسرة تماما كما يرى في نظامه الغذائي الصارم أساساً للصحة.

وقد أصدر الأزهـر الشـريف بيان واضح أكد فيه أن ضرب الزوجة ليس “مباح” في الأصل وأن النبي ﷺ لم يضرب امرأة قط، مشددا على أن مقاصد الشريعة هي المودة والرحمة، ومن الناحية النفسية تؤكد الدراسات أن العنف الأسري هو السبب الأول لتمزق الأسر واضطرابات الشخصية لدى الأطفال ولا يمكن تصنيفه كـ “وسيلة علاجية” في أي نظام اجتماعي سوي.

صدام مع “النقابة” عندما يتحول الطبيب إلى “متهم”

بسبب هذه التراكمات من التصريحات “الخارقة للإجماع الطبي” لم تقف نقابة الأطباء في مصر صامتة، فقد تمت إحالته للتحقيق بتهمة نشر معلومات طبية مضللة تضر بالصحة العامة وتخالف القواعد العلمية المستقرة.

كان العوضي يواجه هذه الاتهامات بهدوء غريب مدعيا أنه يتعرض لمؤامرة من “مافيا الأدوية” والطب الكلاسيكي الذي لا يريد للناس الشفاء الحقيقي، هذا الخطاب الضحوي زاد من شعبيته لدى البسطاء الذين يميلون لصدق “نظرية المؤامرة”.

و تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن التدخين يقتل أكثر من 8 ملايين شخص سنويا وهو المسبب رقم 1 لسرطان الرئة وأمراض القلب التاجية، إن محاولة التخفيف من آثار التبغ أو ربطه بـ “التنفس الطبيعي” هو تضليل علمي كارثي ينسف عقود من الأبحاث الطبية والتشريحية التي أثبتت دمار الحويصلات الهوائية نتيجة استنشاق النيكوتين والقطران.

رحيل الطبيب وبقاء الجدل ماذا ترك ضياء العوضي خلفه؟

بوفاة الدكتور ضياء العوضي طويت صفحة من حياته لكن “نظام الطيبات” لا يزال يحصد مريدين وضحايا في آن واحد، يرى فيه أنصاره “المسيح المخلص” من آلام المرض والديون الدوائية بينما يراه المتخصصون نموذج لـ “الطب الشعبي المقنع” الذي يتاجر بآمال اليائسين.

إن أغرب ادعاءات ضياء العوضي تظل تذكرة حية لخطورة “المعلومة المنفردة” في عصر السوشيال ميديا، فبين “سحر المربى” و”سميّة اللبن” و”فلسفة الضرب” رسم العوضي عالم موازي عاش فيه الكثيرون، وما زالوا يتلمسون فيه طريق للشفاء بعيدا عن صرامة العلم وحقائق المختبرات.

ستظل تجربة العوضي تذكرة لضرورة التمسك بـ “الطب القائم على الدليل” فبينما كان يسوق للأكل الطبيعي والعودة للجذور، سقط في فخ إنكار حقائق فسيولوجية لا تقبل القسمة على اثنين، الشفاء الحقيقي هو ما أثبته المختبر لا ما قيل في مقطع فيديو عابر.

انضم للمجتمع

نسمة غنيم
نسمة غنيم