ليلة الرهينة: عروس الألفي
“ماتلمسنيش.. أرجوك.” كانت الكلمات بتخرج من بين شفايف “ليلى” وهي لازقة ضهرها في الحيطة الرخام الساقعة، وكأنها بتحاول تندمج فيها وتختفي، فستان الفرح الأبيض اللي كان من المفروض يكون بداية حلم، بقى شاهد على لحظة رعب مكتملة، متكرمش، متبهدل، ومرمي حواليها كأنه بيصرخ بدلها، نفسُها كان متقطع، مش بس من الجري أو الخوف، لكن من إحساسها إنها اتسحبت من حياتها القديمة واترمت في عالم غريب هي مش فاهمه قوانينه ولا حدوده، قدامها واقف “ياسين الألفي”، الاسم اللي مجرد ذكره كان بيخلي رجالة كبار تخاف وتفكر ألف مرة قبل ما تقف قصاده، راجل وسيم بشكل مرعب، هدوءه أخطر من أي صوت عالي، وإيده لسه على ترباس الباب اللي قفله، كأنه ختم على مصيرها بنفسه.
كان المفروض اللحظة دي تكون نهايتها… أو بداية كابوس أطول، كانت مستنية يقرب، مستنية الوحش اللي رسمته في خيالها من كلام الناس، بس اللي حصل كان عكس كل التوقعات، ياسين فضل واقف مكانه، ساكت، عينيه السودا بتتحرك على وشها ببطء، كأنه بيقراها، مش بيشوفها بس، سحب نفس هادي، قلع جاكت البدلة وحطه على الكرسي، وبعدها رجع خطوة لورا، فتح الباب تاني، وقال بصوت ثابت فيه هيبة مش محتاجة تهديد: “الأوضة دي بتاعتك… المفتاح من جوه… استعمليه وقت ما تحبي… تصبحي على خير”، وخرج وسابها لوحدها، سابها وهي مش فاهمة… هو سابها ليه؟ هو ده اختبار؟ ولا بداية لعبة أكبر؟
قبل ساعات بس، كانت ليلى في عربية مصفحة بتبعد عن بيتها في السيدة زينب، كل شارع بيعدي كان بيشد منها جزء من روحها، كانت بصاله لأبوها “الحاج سليم”، الراجل اللي طول عمره كان أمانها، بس النهاردة كان غريب، عينيه ما بتبصش في عينيها، كأنه بيهرب منها، وكأنها مش بنته، كانت مستنية كلمة… أي كلمة، تطمنها، تكذب اللي بيحصل، لكنه قال جملة واحدة بس: “أنقذت البيت من الخراب”، الجملة اللي وقعت عليها زي السكينة، ردت عليه بصوت مكسور: “لا… أنت أنقذت نفسك… وبعتني”، وساعتها بس فهمت إن كل حاجة انتهت، وإنها مش رايحة تتجوز… هي رايحة تتسلم.
القصر اللي وصلت له ما كانش مجرد بيت، كان حصن، بوابات ضخمة، حراسة، صمت تقيل يخنق، دخلت وهي حاسة إنها بتدخل سجن مش حياة، كتب الكتاب تم في دقايق، مفيش زغاريد، مفيش فرح، شهود لابسين أسود كأنهم في عزاء، وياسين واقف جنبها، هادي، ثابت، لما الشيخ طلب الدبلة، مد إيده، كفه مفتوح، مستنيها، حطت إيدها المرتعشة في إيده، قفل صوابعه عليها بحزم غريب، مش عنيف… بس مسيطر، الحزم ده خلى رعشتها تهدى لحظة، مش لأنها اطمّنت… لكن لأنها حست إنها دخلت تحت سيطرة جديدة خلاص.
الصبح جه تقيل، ليلى صحيت على الأرض، الفستان لسه عليها، والسرير زي ما هو، ما حدش قرب له، قامت ببطء، جسمها مكسور، غيرت هدومها، وبدأت تتحرك في القصر بحذر، كل خطوة كانت محسوبة، كأنها ماشية في أرض ملغومة، لحد ما لقت باب مكتب ياسين موارب، وقبل ما تخبط، صوته جه من جوه: “ادخلي يا ليلى”، قلبها دق بعنف، دخلت، لقتُه قاعد ورا مكتب خشب ضخم، قميصه الأبيض متني لحد كوعه، ماسك سيجار، شكله هادي… زيادة عن اللزوم.
سألها من غير ما يبصلها: “عرفتي تنامي؟”، لكنها ما ردتش، عينيها كانت متعلقة بملف مفتوح قدامه، صور… أبوها… وهو بيمضي أوراق… شكلها مش قانوني، قلبها وقع، ياسين رفع عينه عليها وقال: “أنتي فاكرة إني اتجوزتك عشان فلوس؟ أبوكي سرقني… وكان المفروض يضيع… أنا اتجوزتك عشان معاه حاجة أخطر… فلاشة… فيها تسجيلات توديني وتودي ناس أكبر مني في داهية… وأنتي هنا رهينة… لحد ما الفلاشة ترجع”.
الكلمة خبطتها… “رهينة”، مش زوجة… مش إنسانة… مجرد ضمان، قبل ما تستوعب، تليفونه رن، بص فيه وابتسم ابتسامة مرة: “أبوكي بيقول مبروك… وهرب بره مصر”، الدنيا اسودت في عينيها، الأرض بقت بتلف، بس قبل ما تقع، صوت الجرس قطع كل حاجة، جرس القصر بيدق بعنف، مش عادي، إنذار… خطر.
ياسين اتحرك بسرعة، سحب طبنجة من درج المكتب، وخباها ورا ضهره، بص لها بنظرة حادة: “اطلعي فوق… دلوقتي”، صوتُه ما فيهوش نقاش، ليلى جريت، لكن فضولها وخوفها شدوها توقف في نص السلم، تبص، الباب اتفتح، ودخل “خالد”… أخو ياسين، هدومه متبهدلة، وشه فيه جرح بينزف، وصوته متقطع: “ياسين… الموضوع أكبر مما كنا فاكرين”.
ياسين قرب منه بسرعة: “اتكلم”، خالد بص لفوق، شاف ليلى، وقال بصوت عالي: “أبوها ما هربش… كان تمويه… هو كان شغال مخبر علينا من سنين… والفلاشة مش معاه… الفلاشة مع البنت”، الصمت نزل تقيل، ليلى حست جسمها كله اتجمد، خالد كمل: “الفلاشة متخيطة جوه بطانة فستان الفرح”.
في اللحظة دي، الزمن وقف، ليلى حطت إيدها على خصرها، لمست حاجة… جسم معدني صغير، مخبي بإتقان، كل حاجة اتكشفت فجأة… أبوها ما أنقذهاش… هو ورّطها، استخدمها، خلاها تمشي بالقنبلة من غير ما تعرف، ياسين رفع عينه عليها ببطء، النظرة دي ما كانتش زي الأول… كانت أخطر، مفيهاش هدوء، مفيهاش سيطرة… فيها غضب، وبدأ يطلع السلم خطوة خطوة.
“طلعي الفلاشة يا ليلى…” صوته كان واطي، لكن مرعب، “يا إما الفستان ده… هيبقى كفن لينا كلنا”، رجليها ما كانتش شايلها، عقلها بيصرخ، تهرب؟ تسلمهاله؟ تثق فيه؟ ولا تصدق إن كلهم بيستخدموها؟ فجأة… النور قطع.
القصر كله غرق في ضلمة تقيلة، صرخات الحرس من بره، صوت سرينات الشرطة قرب، الدنيا قلبت حرب في ثانية، صوت رصاصة واحدة دوّى في المكان، حاد، سريع، وبعدها… سكون، سكون يخوف أكتر من الصوت نفسه، ليلى كانت واقفة في نص السلم، قلبها بيدق بجنون، مش عارفة مين ضرب… ومين وقع.
في الظلام، سمعت صوت خطوات… قريبة، بطيئة، حد بيقرب منها، نفسها اتحبس، مش قادرة تتحرك، وفجأة… إيد شدت دراعها، بقوة، كانت مستنية النهاية… بس الصوت اللي جه كان مفاجأة: “اجري”، كان صوت ياسين، مش غاضب… مش مرعب… لكن مستعجل، كأنه بيحاول ينقذها، جريوا في ممرات القصر، الرصاص برا بيزيد، البوليس دخل، الحرس بيضرب، الدنيا فوضى.
وقفها عند باب خلفي، بص في عينيها لأول مرة بشكل مختلف، وقال: “لو الفلاشة دي وقعت في إيد حد غيري… كلنا هنضيع”، ليلى كانت بتترعش، مش فاهمة… ده بيهددها؟ ولا بيحميها؟ لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تفسير… هي بقت في النص… بين عالمين… وكل واحد عايزها.
في اللحظة دي، فهمت ليلى إن قصتها ما بدأتش ليلة الفرح… قصتها بدأت من زمان… من لحظة أبوها قرر يلعب لعبة أكبر منه، وإنها مش عروس… ولا رهينة بس… دي بقت مفتاح، مفتاح ممكن يهد كل حاجة… أو ينقذها… بس بثمن.
الفصل الثاني: بين الرصاصة والحقيقة
ليلى كانت بتجري ومش شايفة قدامها، أنفاسها بتتخبط في صدرها كأنها بتخبط باب مقفول ومش عايز يتفتح، صوت الرصاص وراها بيقرب، وصوت صريخ الرجالة في القصر بقى زي موجة عالية بتخبط في ودانها من كل اتجاه، إيد ياسين كانت ماسكة دراعها بقوة، مش سحب عنيف… لكن مسكة حد مش عايز يسيب، كأنه بيجري بيها من الموت مش ليه، كان فيه حاجة غريبة في اللحظة دي، حاجة خلتها رغم خوفها… تثق فيه ولو للحظة واحدة، يمكن لأنه الوحيد اللي كان بيتحرك بثبات وسط الفوضى دي.
وصلوا لباب حديد تقيل في آخر ممر ضيق، ياسين فتحه بسرعة، ودخلها الأول، المكان كان شبه جراج مهجور، ريحة الزيت والتراب مالية الجو، ضلمة خفيفة بس كفاية تبين العربية السودا اللي واقفة في الركن، قفل الباب وراه، وسند ضهره عليه، خد نفس عميق، كأنه لأول مرة بيهدي من بداية الليلة، ليلى كانت واقفة قدامه، بتبصله، بتحاول تفهم… هو عايز إيه منها؟ ينقذها؟ ولا لسه بيستخدمها؟
“طلعي الفلاشة”، قالها بصوت أهدى من قبل، بس فيه توتر واضح، ليلى رجعت خطوة لورا، حضنت نفسها، وقالت بصوت مكسور: “أنا مش فاهمة… كل واحد فيكم بيقول حاجة… أنا ضايعة”، ياسين قرب خطوة، بس وقف، حافظ المسافة، وقال: “أنا مش ملاك يا ليلى… بس مش أنا اللي حطيتك في اللعبة دي”، الكلمات دي خبطتها، لأنه لأول مرة… حد بيعترف.
سكت لحظة، وبعدين كمل: “أبوكي ما كانش ضحية… كان لاعب كبير… اشتغل مع الكل… معايا، ومع غيري، ومع الحكومة كمان… الفلاشة دي فيها كل حاجة… كل الصفقات… كل الأسماء… لو خرجت للغلط… البلد كلها هتولع”، ليلى كانت بتسمع، بس عقلها مش قادر يستوعب، أبوها؟ الراجل البسيط اللي كانت شايفاه طول عمرها؟ طلع كل ده؟
دموعها نزلت من غير ما تحس، وقالت: “طب وأنا؟ أنا مالي بكل ده؟”، ياسين رد بسرعة: “أنتي الورقة الأخيرة… هو خبّى الفلاشة فيكِ لأنه عارف إن محدش هيشك فيك”، سكت، وبص في عينيها وقال ببطء: “بس أنا شاكك… إن هو ما كانش ناوي يرجع ياخدها”، الجملة دي خلت قلبها يقع… يعني إيه؟ يعني أبوها… سابها؟
قبل ما ترد، صوت باب الجراج اتخبط بعنف من بره، حد بيحاول يدخل، ياسين لف بسرعة، شال سلاحه، وقال بصوت واطي: “مافيش وقت… القرار دلوقتي”، ليلى كانت واقفة، بين خوفها، وبين الحقيقة اللي اتكشفت فجأة، إيدها راحت للفستان، للمكان اللي فيه الفلاشة، حستها… تقيلة، مش مجرد قطعة معدن… دي مصير.
“لو سلمتهالك… إيه اللي هيحصل؟”، سألت وهي بتبصله، ياسين رد من غير تفكير: “هتعيشي”، رد بسيط… لكنه مش مطمّن، ليلى هزت راسها وقالت: “ولو ما سلمتهاش؟”، سكت لحظة… وبعدين قال: “محدش فينا هيطلع من هنا سليم”، الحقيقة كانت واضحة… مفيش اختيار صح.
الباب اتفتح فجأة، ودخل خالد، ومعاه رجالة، وشه متوتر، وعينه على ليلى مباشرة، “خلصنا وقتنا يا ياسين”، قالها بسرعة، وبص للفستان، كأنه شايف الفلاشة بعينه، الجو اتحول في لحظة… بقى صراع مفتوح.
ليلى كانت واقفة بينهم، الاتنين عايزين نفس الحاجة، بس كل واحد بطريقته، قلبها بيدق، دماغها بتصرخ، وفجأة… خدت قرار، قرار ما كانتش متوقعة تاخده، شالت الفلاشة بسرعة، وقبل ما أي حد يتحرك… رمتها على الأرض، وداسَت عليها بكعبها بكل قوتها.
الصوت كان صغير… بس تأثيره كان انفجار، سكون ضرب المكان، ياسين بص لها بصدمة، خالد صرخ: “إنتي عملتي إيه؟!”، ليلى كانت بتنهج، عينيها مليانة دموع… بس صوتها كان ثابت لأول مرة: “أنا مش رهينة… ومش ورقة… أنا إنسانة… ومش هكون سبب في خراب حد”.
في اللحظة دي، صوت الشرطة قرب أكتر، الكشافات دخلت الجراج، والواقع رجع يفرض نفسه، اللعبة انتهت… أو يمكن لسه بتبدأ، بس حاجة واحدة كانت واضحة… ليلى ما بقتش نفس البنت اللي دخلت القصر.