القصر اللي اتبنى بفلوسي.. سكنت فيه الريح
كنت خارجة من الميتنج الأخير في يوم باين عليه من أوله إنه مش ناوي يعدّي بسهولة. النوع اللي بيبدأ بتليفونات ملخبطة، ومواعيد بتتزحلق من إيدك، وطلبات مستعجلة من ناس شايفينك دايمًا قادرة تستحمل أكتر. قعدت في مكتبي ساعات طويلة، أتنقل بين ملفات وصفقات، أراجع أرقام، وأعدّل خطط، وأحاول أبان قدام الكل إني مسيطرة… حتى لو من جوايا كنت بتهالك.
الساعة كانت قربت على التمانية، والمكتب بدأ يفضى واحدة واحدة، لدرجة إن صوت الكيبورد بقى مسموع بزيادة. حسيت فجأة إني تقيلة، مش بس جسمي… لا، حتى دماغي. النوع من التعب اللي بيخليك تبص على الحاجة ومش فاهم هي بتقول إيه. ساعتها بس افتكرت إني طول اليوم ما كلمتوش.
مسكت الموبايل وبعتله رسالة عادية جدًا، من النوع اللي بيتبعت من غير تفكير: “طمني عليك يا حبيبي، أسوان عاملة إيه؟ الجو حر؟ وحشتني.”
كنت فاكرة إن الرسالة دي هتعدي زي كل مرة… رد بسيط، كلمة حلوة، أي حاجة تخلّي اليوم يقفل بهدوء.
عدت دقايق… مفيش رد.
قلت عادي، يمكن مش شايف الموبايل، يمكن نايم، يمكن سايب الشاحن بعيد. حاولت ما أديش الموضوع أكبر من حجمه، لأن الحقيقة ساعات بتدخل من باب صغير جدًا لو سيبته مفتوح.
فتحت فيسبوك، مجرد عادة أكتر منها رغبة. بقلّب في التايم لاين من غير تركيز، صور، بوستات، ضحك، شكاوى… لحد ما إيدي وقفت فجأة، كأن في حد شدّها.
أول صورة ظهرت قدامي كانت لحفلة، نور كتير، ناس متجمعة، ابتسامات واسعة، وزغاريد باينة حتى من غير صوت. في النص عروسة وعريس، واقفين جنب بعض… قريبين أوي. زيادة عن الطبيعي.
خدت ثانية يمكن… يمكن أقل… عشان أستوعب.
العريس كان ياسر.
مش شبهه… هو.
والعروسة… هناء.
اللحظة دي ما كانتش صدمة واحدة. كانت كأن في موجة داخلة عليا، وراها موجة، وراها موجة. كل واحدة بتكسر حاجة جوايا. الغريب إني ما حسّتش بدموع. ولا حتى برغبة في العياط. كان في حاجة تانية بتحصل… حاجة ساكتة، بس تقيلة.
قريت الكلام اللي مكتوب فوق الصورة، بإيدي بتتحرك ببطء غريب:
“ألف مبروك يا ضنايا، ربنا رزقك بالست اللي تملى عليك البيت عيال، مش اللي فكرها كله في الفلوس والمشاريع.”
ضحكت… ضحكة صغيرة جدًا، طلعت لوحدها كده، مش مفهومة. يمكن لأن المعنى كان أكبر من رد الفعل. يمكن لأن في لحظة واحدة كل حاجة بقت واضحة بشكل جارح.
كلمت الحاجة توحيدة. كنت عارفة إنها هترد، وفعلاً ردت بسرعة، كأنها مستنياني. صوتها كان عادي… زيادة عن اللزوم في عاديته.
قالتلي نفس الجملة تقريبًا، بنفس الهدوء:
“يا بنتي ده شرع ربنا، وياسر من حقه يخلف. اقبلي وخليكي عاقلة.”
ولا كلمة زيادة طلعت مني. قفلت المكالمة بهدوء غريب، لدرجة إني أنا نفسي استغربته. في اللحظة دي، ماكنتش ضعفت… بالعكس. في حاجة جوايا كانت بتتظبط. زي ترس اتحرك في مكانه الصح.
ياسر كان فاكر إني هافضل زي ما أنا. مستنية، متحملة، بتبرر.
نسي حاجة مهمة… إني أنا اللي كنت شايلة كل ده. مش بس مادياً… لا، حتى شكلاً.
القصر اللي هو كان بيحلم يعيش فيه… كان باسمي.
الحسابات… باسمي.
الشغل… باسمي.
حتى صورته قدام الناس… جزء كبير منها كان واقف على ظهري أنا.
رجعت البيت في نفس الليلة، وكنت ماشية فيه كأني بزوره لأول مرة. كل ركن كان ليه ذكرى، بس الغريب إن الذكريات دي فجأة بقت بعيدة. كأنها تخص حد تاني.
ماخدتش وقت طويل في التفكير. يمكن لأن القرار كان موجود من قبلها بكتير، بس مستني لحظة يبان فيها.
تاني يوم الصبح، كلمت سمسار أعرفه من زمان. راجل بيفهم، وما بيسألش كتير.
قلتله: “أنا عايزة أبيع القصر. بسرعة.”
سكت شوية، وبعدين قال: “قد إيه بسرعة؟”
قلتله: “بكرة.”
ما ناقشنيش. يمكن لأنه فهم من نبرة صوتي إن مفيش تفاوض.
في نفس اليوم، قفلت الحسابات المشتركة. خطوة ورا التانية. بهدوء. من غير دراما.
مش لأن الموضوع سهل… لكن لأن الحسم ساعات بيبقى أهدى من التردد.
بدأت أنقل حاجتي. كل قطعة كنت بلمسها، كنت بسأل نفسي سؤال واحد:
“دي بتاعتي فعلًا؟ ولا كنت بستخدمها عشان أرضي حد تاني؟”
البيت فضي تدريجيًا. مش بس من الأثاث… من الإحساس. بقى مجرد مكان.
عدّى أسبوع.
وأنا كنت ماشية في حياتي كأن حاجة كبيرة خلصت، مش كأن حاجة اتكسرت.
في نفس الوقت، هم رجعوا.
نزلوا من التاكسي، الشنط في إيديهم، وضحك خفيف لسه متعلق في وشوشهم. ياسر طلع المفتاح بثقة، زي كل مرة… يمكن أكتر.
بس المرة دي، المفتاح ما دارش.
اللي حصل بعدها كان بسيط جدًا… بس كفيل إنه يغيّر كل حاجة.
حارس جديد، كلام مباشر، ومعلومة واحدة:
البيت ما بقاش بيتهم.
ما كنتش محتاجة أشوف رد فعلهم. كنت متخيلة كويس.
مش صدمة بس… فقدان توازن كامل.
في نفس اللحظة تقريبًا، كنت أنا واقفة في المطار. مش هربانة… ولا حتى زعلانة.
كنت حاسة بحاجة قريبة من الراحة.
مش سعادة… بس خفة.
بصيت حواليا، ناس مسافرة، ناس راجعة، كل واحد شايل حكايته.
وأنا كنت شايلة قرار واحد بس:
إن اللي جاي هيبقى ليا أنا.
مش انتقام… ولا حتى إثبات حاجة.
بس توازن.
لأن في الآخر، مش كل حاجة بتتبني تفضل واقفة.
في حاجات لازم تقع… عشان تعرف إنت واقف على إيه بجد.
القصر اللي اتبنى بفلوسي…
سكنت فيه الريح.
وأنا؟
أخيرًا، سكنت نفسي.
القصر اللي اتبنى بفلوسي.. وسكنته الريح ثم سكنت نفسي.
أول ليلة ليا برّه مصر ما كانتش زي اللي في دماغي قبل كده. كنت فاكرة السفر هيبقى نوع من الهروب… أو حتى احتفال بانتصار صغير. لكن الحقيقة كانت أبسط وأهدى من كده بكتير. قعدت في أوضتي في الفندق، شنطتي لسه مقفولة، وبصيت حواليّا كأني مستنية إحساس معين ييجي… بس ما جاش.
ما كانش في فرحة واضحة، ولا حتى حزن. كان في فراغ خفيف، زي لما صوت عالي جدًا يوقف فجأة، وتلاقي ودانك لسه مستنية الدوشة ترجع. يمكن دي أول مرة من سنين أحس إني مش مطلوبة من حد، ولا في حاجة مستنية مني رد فوري.
صحيت تاني يوم بدري، مش علشان عندي شغل، لكن علشان النوم نفسه ما بقاش تقيل زي الأول. نزلت أتمشى من غير خطة، من غير جدول، ودي كانت حاجة غريبة عليّا. أنا اللي كنت بحسب الساعة بالدقيقة، بقيت بمشي من غير ما أبص في الساعة أصلاً.
ومع الهدوء ده، ابتدى يظهر سؤال كنت بهرب منه:
“هو أنا كنت عايشة لمين؟”
مش بس ياسر… لا. لنفسي أنا كمان، بس النسخة اللي كنت فاكرة إنها الصح. النسخة اللي شايفة إن التضحية هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على أي حاجة. النسخة اللي بتدي قبل ما تتسأل هي محتاجة إيه أصلاً.
في اليوم التالت، قررت أفتح اللابتوب. مش علشان أشتغل، لكن علشان أبص على شغلي من برّه. لأول مرة، شفت كل حاجة كأني مش أنا اللي عاملاها. شركات، حسابات، تعاقدات… شبكة كبيرة جدًا، بس مربوطة كلها بيا أنا بس.
وده كان خطر. مش من ناحية الفلوس… من ناحية المعنى.
بدأت أرتب أولويات جديدة. مش كل حاجة لازم تكبر. في حاجات لازم تتقفل، وحاجات تتباع، وحاجات تتساب. القرار ما كانش سهل، لكن كان واضح.
وفي وسط كل ده… جالي أول اتصال من رقم غريب.
بصيت عليه شوية قبل ما أرد. كنت عارفة بنسبة كبيرة هو مين، بس كنت محتاجة أتأكد إني أنا اللي هقرر أرد ولا لأ… مش بدافع العادة.
رديت.
صوته كان متغير. مش ضعيف… لكن مش واثق زي زمان. سأل سؤال بسيط جدًا:
“إنتي كويسة؟”
السؤال نفسه كان غريب. مش علشان هو اللي قاله… لكن علشان توقيته.
رديت بهدوء: “آه.”
سكت شوية، وبعدين حاول يدخل في كلام كتير… تبرير، شرح، لوم خفيف عليّا حتى.
الغريب إني ما اتعصبتش. ولا حتى حاولت أجادله. كنت سامعة… بس مش متأثرة.
لما خلص، قلت جملة واحدة:
“إنت اخترت طريق… وأنا كملت في طريقي.”
وسكت.
هو كان مستني رد أطول، يمكن خناقة، يمكن فرصة. لكن الحقيقة إن مفيش حاجة تتقال. في قرارات لما بتتتاخد، بتقفل الباب من غير صوت.
قفلت المكالمة، وحسيت إن في حاجة صغيرة جدًا جوايا اتحررت. مش منه هو… من الفكرة كلها.
بعدها بكام يوم، رجعت أتحرك تاني. بس المرة دي بشكل مختلف. ما بقتش بجري ورا كل فرصة. بقيت باختار. ببطء. بحساب. والأهم… براحة.
رجعت مصر بعد فترة، بس ما رجعتش لنفس المكان. غيرت البيت، غيرت الروتين، وحتى الناس اللي حواليا. مش لأن الماضي كان غلط كله… لكن لأنه خلاص خلص دوره.
في يوم عادي جدًا، كنت قاعدة في كافيه صغير، بشتغل على حاجة جديدة، مشروع صغير مش هدفه يكبر بسرعة… هدفه بس يبقى حقيقي.
ساعتها فهمت حاجة كنت محتاجة وقت عشان أشوفها:
مش كل خسارة معناها نهاية.
وفي خسارات… بتكون الطريقة الوحيدة عشان تبدأ صح.
القصر راح…
والناس اتغيرت…
لكن اللي فضل… أنا.
والمرة دي، أنا كانت كفاية.