كشفت الأجهزة الأمنية المستور في واقعة اختفاء “زوجة العبور” التي شغلت الرأي العام لأيام. الحقيقة كانت أبشع من مجرد اختفاء؛ فالزوج الذي لعب دور الضحية ونشر الاستغاثات، تبين أنه هو من أنهى حياة زوجته بدم بارد.
بدأ الأمر ببلاغ رسمي ادعى فيه الزوج أن زوجته اختفت صباح السبت بالقرب من “مستوصف حي الحرية”. لكن بذكاء رجال المباحث، وتحليل تحركات الزوج، تبين أنه استأجر سيارة خصيصاً، وقتل زوجته ثم دفنها في منطقة صحراوية نائية بالدائرة الأوسطي لإخفاء جريمته.
شهادة الأخ: “كان يضحك على التيك توك وأختي تحت التراب”
لم أكن أتخيل يوماً أنني سأحكي عن أختي كضحية، ليس لقدرٍ محتوم، بل لغدرِ من ائتمنّاه على روحها.
دأ الكابوس يوم السبت، الساعة الخامسة عصراً. مكالمة من ابنة أختي الصغيرة هزت كياني: “يا تيتة.. هي ماما عندك؟”. من هنا انفتحت أبواب الجحيم. سألنا الزوج، فقال ببرود غريب: “نزلتها الصبح عند المستوصف في حي الحرية عشان كانت تعبانة، ورحت أنا أشوف شغلي في العتبة”.
أي زوج هذا الذي يترك زوجته المريضة في الشارع ويمضي؟ أي قلبٍ هذا الذي لم يراوده القلق وهي لا تجيب على هاتفها طوال النهار؟
القاتل بدمٍ بارد
بينما كنا نأكل الأرض بحثاً عنها، ونطرق أبواب أقسام الشرطة والمستشفيات والدموع لا تجف، كان هو في عالم آخر. دخلت عليه البيت، فوجدته مستلقياً على سريره، يمسك بهاتفه، ويغرق في نوبات ضحك وهو يشاهد مقاطع “التيك توك”!
نحن نموت رعباً على أختي، وهو يضحك. لم يكتفِ بذلك، بل حاول بكل بجاحة أن يوهم الضابط بأننا نحن من خطفناها! كان يتلعثم، يرتجف خلف قناع الهدوء المزيف، حتى بدأت خيوط لعبته الشيطانية تنهار.
الخيانة التي كشفها “جهاز تتبع”
ظن أنه العقل المدبر الذي لا يُقهر. اكتشفنا أنه قبل الجريمة بأيام كان يتنكر، يرتدي “كاب” ونظارة، ويغير لوحات سيارته، حتى أن ابنته لم تعرفه في البداية. استأجر سيارة من محافظة “البحيرة” لينفذ جريمته بعيداً عن أعيننا، لكنه نسي أن الله لا يغفل. السيارة كان بها جهاز تتبع (GPS)، وهو الذي فضح تحركاته المريبة في قلب الصحراء.
عندما واجهته المباحث بسجل تحركات السيارة: “ماذا كنت تفعل في هذا المكان المقطوع من الساعة 8:30 صباحاً حتى الظهر؟”، سقط القناع. قادهم إلى “الحفرة” التي حفرها بيده قبل الجريمة بيوم كامل في طريق الدائرة الأوسطي.
اعترف بكل بشاعة؛ وضع لها مخدراً في العصير، وطعنها بالسكين، ثم ضربها بحجارة ليجهز عليها تماماً وهي عاجزة، ثم دفنها في حفرة تبعد عن الطريق 300 متر.
أختي التي كانت تملأ البيت حياة، دُفنت في صمت الصحراء بيدِ من كان يُفترض أن يكون أمانها. نحن لا نطلب اليوم تعاطفاً، بل نطلب القصاص. نطلب أن يذوق هذا “الوحش” من نفس الكأس التي سقى منها أختي.
رؤية المحرر: “إمساكٌ بمعروف.. أو تسريحٌ بإحسان”
بينما نلملم شتات هذه الفاجعة التي هزت أركان مجتمعنا، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة تأمل أمام دستورٍ أخلاقي وضعه الفطرة والشرع قبل القوانين، وهو مبدأ “فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان”.
إن البيوت تُبنى على المودة والرحمة، لكنها أحياناً تواجه عواصف الخلافات التي قد تجعل الاستمرار مستحيلاً. وهنا تظهر معادن الرجال؛ فالرجولة ليست في فرض السيطرة بالعنف، ولا في تحويل شريك الحياة إلى خصمٍ يُنكل به. إن أقصى درجات الرقي الإنساني تكمن في القدرة على “الانسحاب الآمن” حين تستعصي الحلول، والحفاظ على كرامة “العشرة” حتى في لحظات الوداع.
لماذا نلجأ للهدم بينما نملك خيار البناء؟
إن العنف الأسري ليس دليلاً على القوة، بل هو اعترافٌ صريح بالعجز النفسي والفكري. إن البحث عن سبل إنجاح العلاقة يتطلب شجاعة المواجهة، ومرونة التنازل، واللجوء لوسطاء الخير أو المتخصصين النفسيين قبل أن تشتعل النيران.
رسالة لكل بيت:
إن تدمير “كيان أسري” ليس مجرد إنهاء لعلاقة بين فردين، بل هو طعنة في قلب المجتمع، وتشويه لمستقبل أطفال لا ذنب لهم. إن من يعجز عن “الإمساك بالمعروف”، عليه أن يملك مروءة “التسريح بإحسان”، ليبقى الودُّ مخزوناً في الذاكرة، أو على الأقل لتبقى الحياة حقاً مقدساً لا يجرؤ أحدٌ على انتزاعه.
ليست كل النهايات يجب أن تكون مأساوية، وليست كل الخلافات تستحق الدماء. لنتعلم أن “كلمة طيبة” أو “فراقاً جميلاً” خيرٌ من بيتٍ يتحول إلى مسرحٍ لجريمة تقشعر لها الأبدان.
رحم الله الضحية