ليلة الفرح.. السقوط من القمة

ليلة الفرح.. السقوط من القمة


ليلة الفرح.. السقوط من القمة

كانت مريم واقفة ورا باب الجناح الملكي في الفندق، إيدها بتترعش وهي بتعدل طرحتها، وبصتها بتتهرب من المراية كأنها مش قادرة تستوعب إنها أخيرًا وصلت للحظة اللي حلمت بيها سنين طويلة. الفستان الأبيض كان مرسوم على جسمها بحرفية تخطف الأنفاس، والضوء المنعكس عليه كان بيخليها شبه لوحة مرسومة، لكن جواها كان في حاجة أكبر من الجمال، خليط غريب من الفرحة والخوف، من الأمل والقلق، وكأن قلبها مش قادر يقرر هو داخل على بداية حياة جديدة ولا على اختبار قاسي هيغيرها للأبد. صوت دقات قلبها كان مسموع في ودنها، ومع كل نفس بتاخده كانت بتفتكر كل لحظة عدّت بيها لحد ما وصلت لليوم ده، كل مرة صدقت فيها محمود، كل وعد قاله لها وخلاها تبني عليه مستقبل كامل.

لكن اللحظة اللي المفروض كانت أسعد لحظة في حياتها، اتشق فيها الزمن فجأة، لما قبل ما تمد إيدها تمسك مقبض الباب، سمعت ضحكة جاية من جوه. ضحكة محمود. الضحكة اللي كانت دايمًا بتطمنها، لكن المرة دي كانت مختلفة، فيها خفة واستهزاء، فيها إحساس بالنصر مش بالحب. وقفت مكانها، جسمها كله اتجمد، والنفس اللي كان طالع بفرحة، اتحبس في صدرها. صوت محمود كان واضح، مشوش شوية بسبب الباب، لكنه كفاية يوصل المعنى، كفاية يكسر كل حاجة جواها.

“يا ابني مريم دي غلبانة أوي، هي فاكرة فعلاً إن واحد زيي ممكن يحبها بجد؟” قالها وهو بيضحك، والضحك كان أقسى من أي شتيمة. الكلمات دخلت قلبها زي سكينة باردة، مش بتوجع بسرعة، لكن بتسيب جرح عميق. واحد من صحابه رد عليه وهو بيهزر: “بس يا عم دي شكلها حلو، خسارة يعني”، فرد محمود من غير ما يتردد: “الحلاوة تروح، بس الفلوس تفضل… دي خزنة ماشية على الأرض”.

في اللحظة دي، الزمن وقف. مش مجاز، مريم فعلًا حسّت إن الدنيا كلها سكتت. لا صوت، لا حركة، لا إحساس. كل حاجة اتحولت لفراغ. بس الغريب إنها ما انهارتش. ما عيطتش. ما صرختش. بالعكس، حاجة تانية خالص قامت جواها… حاجة أقوى من الوجع، حاجة فيها برود غريب، كأن عقلها قرر يشتغل بدل قلبها. بإيد ثابتة، سحبت موبايلها من الجيب المخفي في الفستان، وفتحت التسجيل، وقربته من الباب. كل كلمة، كل ضحكة، كل خطة… اتسجلت.

محمود كان بيكمل كلامه وهو مش دريان إن نهايته بتتكتب في اللحظة دي: “ست شهور بالظبط… أكون خلصت كل حاجة، الحسابات جاهزة، والتوكيل اللي هتمضي عليه بعد الجواز هيخليني أتحكم في كل حاجة. وبعدها؟ أقول لها مع السلامة… وأنا كسبت اللعبة كلها”. صحابه ضحكوا، وهو ضحك معاهم، الضحكة دي كانت آخر حاجة هتفضل محفورة في دماغ مريم… ضحكة الخيانة.

مريم رجعت خطوة لورا، وبعدها مشيت… بس مش مشي الهروب، كان مشي القرار. دخلت أوضة مكتب أبوها، عزت بيه، الراجل اللي اسمه بس كفيل يفتح أبواب ويقفلها. دخلت عليه بالفستان الأبيض، من غير ما تقول ولا كلمة، وحطت الموبايل قدامه. هو ما سألش، ما استغربش، بس بص لها نظرة واحدة فهم منها إن في حاجة كبيرة حصلت. ضغط على تشغيل… وسمع.

عزت بيه ما اتحركش. ما اتكلمش. بس ملامحه اتشدت، وعينيه بقت ثابتة بشكل مخيف. لما التسجيل خلص، رفع عينه وبص لمريم وقال بهدوء: “نلغي الفرح يا بنتي؟”. السؤال كان بسيط، لكن معناه كبير. مريم سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت هادي بس فيه نار: “لأ… أنا عايزة الفرح يتم… بس يتم بطريقتي”.

ابتسامة خفيفة ظهرت على وش عزت بيه، ابتسامة فيها فخر وفيها غضب، وقال: “أبشري يا بنت أبوكي”. في اللحظة دي، مريم ما كانتش بنت مكسورة، كانت واحدة قررت تاخد حقها، بس مش بالصراخ… بالذكاء.

القاعة كانت منورة، الموسيقى شغالة، الناس بتضحك وبتصور، وكل حاجة شكلها مثالي. مريم نزلت السلم وهي ماسكة إيد محمود، وهو كان بيبصلها بنظرة انتصار، شايف فيها الجائزة اللي هيكسبها، مش الإنسانة اللي هتكون شريكة حياته. ابتسامته كانت واثقة، خطواته ثابتة، كأنه بالفعل كسب.

وصلوا للكوشة، والمأذون بدأ يكتب، والناس كلها مستنية اللحظة الحاسمة. الجو كان مليان توتر جميل، التوتر اللي بييجي قبل الفرح. لكن مفيش حد كان يعرف إن في عاصفة جاية.

المأذون رفع راسه وقال: “هل هناك أي مانع لإتمام هذا العقد؟”. السؤال ده كان تقليدي… بس المرة دي كان بداية النهاية.

عزت بيه قام من مكانه بهدوء، ومسك الميكروفون. محمود ابتسم، مفكر إنه هيقول كلمتين حلوين عن بنته. لكن فجأة… الموسيقى وقفت. والقاعة سكتت. وصوت محمود نفسه، بصوته الحقيقي، طلع في السماعات.

“دي خزنة ماشية على الأرض… مجرد كوبري… ست شهور وأخلص منها”.

الصدمة كانت مرئية على وش كل واحد في القاعة. الضحك اختفى، والهمس بدأ، وبعدين حتى الهمس سكت. الكل بقى بيبص لمحمود. هو نفسه كان واقف، مش فاهم، وبعدين بدأ يستوعب… بدأ يفهم إن ده صوته، وإن ده تسجيل، وإن ده… نهايته.

وشه اتغير، لونه اختفى، عينيه بقت بتدور في المكان كأنه بيدور على مخرج، على أي حاجة تنقذه. بص لمريم، لقاها واقفة، مبتسمة، بس ابتسامة باردة، غريبة، أول مرة يشوفها بالشكل ده.

قربت منه وقالت بصوت واطي: “التوكيل اللي كنت مستنيه… أنا اللي مضيت بيه على نهايتك”.

عزت بيه كمل في الميكروفون: “الفرح ده كان اختبار… واللي سمعناه دلوقتي هو النتيجة. العريس يتفضل يخرج… لأن بنتي تستاهل حد يحبها مش حد يستغلها”. كلماته كانت واضحة، حاسمة، مفيهاش تردد.

محمود حاول يتكلم، حاول يدافع، بس مفيش صوت طلع منه. كل حاجة كانت خلصت. خرج من القاعة وسط نظرات احتقار، نظرات كانت أقسى من أي عقاب. الناس اللي كان بيحاول يبهرهم… بقوا شايفينه على حقيقته.

مريم قلعت الطرحة، ورمتها، مش بعصبية، لكن بثقة. رجعت قعدت جنب أبوها، ورفعت راسها. الفرح ما تمش… لكن كرامتها اتحفظت.

في الليلة دي، مريم ما خسرتش… بالعكس، كسبت أهم حاجة ممكن الإنسان يكسبها: نفسه.

الفصل الثاني: بعد السقوط.. بداية الحرب

القاعة بدأت تفضى واحدة واحدة، لكن الصدمة كانت لسه معلقة في الهوا، كأنها رائحة حريق لسه ما راحتش. الناس كانت بتخرج وهي بتبص وراها، في عيونهم فضول، صدمة، وبعضهم فيه شماتة خفيفة، لكن مريم ما كانتش شايفة ولا سامعة حد. كانت قاعدة جنب أبوها، ضهرها مستقيم، ووشها هادي بشكل غريب، الهدوء اللي بييجي بعد العاصفة، مش قبلها. إيدها كانت ماسكة طرف الفستان الأبيض، بتضغط عليه جامد، وكأنها بتحاول تثبت نفسها في اللحظة دي، لحظة التحول اللي غيرت كل حاجة.

عزت بيه كان قاعد جنبها، ساكت، بس وجوده كان سند تقيل. ما قالش كلمة، لأنه عارف إن بنته مش محتاجة مواساة دلوقتي، هي محتاجة تستوعب، تفهم، تعيد ترتيب الدنيا جواها. بعد شوية، بص لها وقال بهدوء: “إنتي عملتي الصح”. مريم ما ردتش، بس هزت راسها هزة بسيطة، وكأنها بتقول لنفسها قبل ما تقول له: “أنا ما عنديش اختيار تاني”.

في نفس الوقت، بره الفندق، محمود كان واقف في الشارع، مش عارف يمشي فين. بدلته اللي كانت من شوية عنوان الهيبة، بقت تقيلة عليه، كأنها فضيحة لابساها مش بدلة. الناس اللي خرجت من الفرح كانت بتبص له، بعضهم بيهمس، وبعضهم بيضحك، وهو واقف مش قادر يتحرك. لأول مرة في حياته، يحس بالعجز بالشكل ده، مش عجز فلوس، لكن عجز كرامة.

طلع موبايله بإيد بتترعش، حاول يكلم حد، أي حد، بس محدش رد. أصحابه اللي كانوا بيضحكوا معاه من ساعة، اختفوا، كأنهم عمرهم ما كانوا موجودين. ساعتها بس بدأ يفهم، إن الناس دي ما كانتش صحابه… كانوا جمهور، بيشجع اللي كسبان، ويختفوا أول ما يخسر.

قعد على الرصيف، وبص قدامه بشرود، وكل كلمة قالها رجعت تضربه زي الصدى: “خزنة… كوبري… ست شهور”. ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة فيها ندم، بس ندم متأخر. لأنه ببساطة… كل حاجة راحت.

جوه الفندق، مريم قامت من مكانها، وبصت على القاعة اللي كانت من شوية مليانة حياة، وبقت دلوقتي فاضية. الفرح اللي كانت بتحلم بيه اتحول لذكرى، بس مش ذكرى حزينة زي ما كانت متوقعة… كانت ذكرى قوة. بصت لأبوها وقالت: “أنا عايزة أمشي”. عزت بيه وقف فورًا، ومسك إيدها، وخرجوا سوا، مش كأب وبنت بس، لكن كحليفين خرجوا من معركة.

في العربية، الطريق كان طويل، والسكوت بينهم مريح. مريم كانت باصة من الشباك، بتشوف أضواء الشارع وهي بتعدي بسرعة، وكل نور بيعدي كان كأنه لحظة من حياتها القديمة بتختفي. فجأة قالت بصوت هادي: “أنا كنت بحبه يا بابا”. الجملة خرجت بسيطة، لكن تقيلة. عزت بيه ما ردش بسرعة، وبعد شوية قال: “واللي بيحب بجد… عمره ما يخدع”.

مريم قفلت عينيها، والدموع نزلت في صمت. مش دموع ضعف، لكن دموع وداع. كانت بتودع وهم، كانت بتودع نسخة منها كانت مصدقة إن الحب ممكن ييجي من حد زي محمود. لكن الحقيقة كانت أوضح دلوقتي… أوضح من أي وقت فات.

تاني يوم الصبح، الأخبار كانت مالية السوشيال ميديا. فيديو الفرح، صوت التسجيل، واسم محمود الشافعي… كله بقى ترند. التعليقات كانت قاسية، والسخرية كانت أقسى. الشركات اللي كان شغال معاها بدأت تبعد، والتليفونات اللي كان بيرد عليها زمان، بقت دلوقتي بترن ومحدش بيرد.

محمود قاعد في شقته، الستارة مقفولة، والنور مطفي، وكأن الظلمة هي المكان الوحيد اللي يقدر يستخبى فيه. بص في المراية، لأول مرة يشوف نفسه من غير القناع… من غير الثقة الزائفة… شاف شخص خسر كل حاجة بإيده.

لكن جواه، كان في حاجة تانية بتتولد… مش ندم بس… كان في غضب. غضب من نفسه، وغضب من مريم، وغضب من اللي حصل. بص لنفسه وقال بصوت واطي: “الموضوع ما خلصش… دي لسه البداية”.

وفي نفس اللحظة، مريم كانت قاعدة في مكتب أبوها، لابسة لبس بسيط، من غير الفستان الأبيض، من غير أي مظاهر. قدامها ملفات، وأوراق، وعزت بيه بيشرح لها شغل الشركة. قال لها: “من النهارده… إنتي مش بس بنتي… إنتي شريكتي”. مريم بصت له، وفي عينيها لمعة جديدة، لمعة القوة.

رفعت راسها وقالت بثقة: “أنا جاهزة”. في اللحظة دي، مريم ما كانتش العروسة اللي اتفضح جوازها… كانت واحدة اتكسرت… وقامت أقوى.

لكن بعيد عن كل ده… كانت في معركة لسه ما بدأتش. لأن محمود… ما كانش من النوع اللي يسكت. واللي حصل في ليلة الفرح… كان مجرد شرارة.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان