البرنسيسة والباشا.. حين انكشفت الحقيقة وسقط القناع

البرنسيسة والباشا.. حين انكشفت الحقيقة وسقط القناع


البرنسيسة والباشا.. حين انكشفت الحقيقة وسقط القناع

في ليلة كانت المفروض تبقى نقطة تحول في حياة محمود، وقف وسط القاعة الملكية في فندق “الماسة”، المكان اللي دايمًا كان يحلم يدخلُه مش كضيف عادي، لكن كواحد من كبار القوم، واحد الناس تبص له بإعجاب وتحسب له حساب. القاعة كانت منورة بأنوار كريستال ضخمة، والموسيقى الهادية بتنساب في الجو، وكل شخص فيها لابس أفخم ما عنده، يتكلم بثقة وكأن الدنيا كلها ملك إيده. محمود كان واقف هناك، لابس توكسيدو فخم دفع فيه مبلغ كان زمانه شايفه خيال، ماسك كاس عصير في إيده، ووشه مرسوم عليه ابتسامة محسوبة، ابتسامة مش طالعة من قلبه، لكنها وسيلته الوحيدة عشان يبان إنه “واحد منهم”.

قبلها بساعات قليلة، كان واقف قدام المراية في بيته، بيعدّل في الكرافتة بعصبية، وعينه بتلمع بنوع من الغرور اللي كبر جواه واحدة واحدة من غير ما يحس. كانت مريم، مراته، واقفة وراه، لابسة فستان أزرق بسيط جدًا، لا فيه بهرجة ولا مبالغة، لكن كان لايق عليها بشكل هادي يليق بطبيعتها الرقيقة. بصت له وقالت بصوت خافت فيه شوية أمل: “آجي معاك يا محمود؟”. السؤال كان بسيط، لكن الرد كان قاسي بشكل كأنه صفعة. لف لها بنظرة فيها استعلاء، وقال وهو بيعدل هدومه: “تقعدي فين يا مريم؟ إنتي آخرك المطبخ ومسلسلات التركي.. الحفلة دي فيها ناس بتفهم في الفن والسياسة، وإنتي وجودك هيهز صورتي قدامهم.. خليكي في البيت واطلبي دليفري أحسن لك”.

الكلمات نزلت عليها تقيلة، كأنها حجر اتحط على صدرها. سكتت، وبصت للأرض، ما ردتش، لأن الرد في اللحظة دي كان هيكسرها أكتر. محمود خرج من البيت وهو حاسس إنه كده بيعمل الصح، إنه بيرتقي بنفسه، وإنه لازم يبعد عن أي حاجة ممكن تقلل منه في عيون الناس اللي هو شايفهم أعلى منه. لكنه ما كانش فاهم إن اللي عمله ده كان أول خطوة في سقوطه.

رجع للقاعة، وبدأ يندمج مع الموجودين، يضحك، يهزر، يدخل في نقاشات عن الاقتصاد والاستثمار، يحاول يثبت إنه فاهم، إنه يستحق يكون بينهم. وفي لحظة، وهو بيضحك مع واحد من رجال الأعمال، حصل اللي محدش كان متوقعه. فجأة، الموسيقى هديت، والقاعة كلها سكتت، وكأن الزمن وقف. كل الرؤوس اتلفت ناحية الباب، ونظرات الناس اتجمعت في نقطة واحدة. محمود، من غير ما يقصد، لف هو كمان، لكن الكاس وقع من إيده واتكسر على الأرض، صوت التكسير كان واضح، لكن ولا حد بص عليه، ولا حد اهتم.

الاهتمام كله كان ناحية الباب، حيث ظهرت ست ما ينفعش توصفها غير بكلمة واحدة: “هيبة”. فستان أخضر غامق، تصميمه ملكي، بيلف جسمها برقي، وتاج بسيط لكنه لامع فوق راسها، ومشيتها كانت ثابتة، واثقة، كأن الأرض نفسها بتمهد لها الطريق. جنبها كان ماشي راجل كبير في السن، شعره أبيض، لكن حضوره قوي، لابس بدلة تشريفة عليها أوسمة ونياشين، تدل على تاريخ طويل ومكانة ما توصلهاش بسهولة.

محمود حس إن قلبه وقف. عينه اتسمرت في وش الست دي. ملامحها… ملامحها مش غريبة عليه. نفس العيون، نفس الابتسامة، نفس الشامة الصغيرة اللي جنب بوقها. دي مريم! لكن مستحيل تكون هي. مستحيل تكون نفس الست اللي سابها من شوية في المطبخ، بالفستان البسيط. اللي قدامه دي شخصية تانية خالص، واحدة مكانها الطبيعي هنا، وسط الناس دي.

الهمس بدأ ينتشر في القاعة زي موجة، وكل كلمة كانت بتخبط في ودن محمود زي صاعقة: “دي الأميرة كارما.. بنت الأمير عثمان.. اللي كانت مختفية من سنين!”. محمود حس إن الدنيا بقت ضباب قدامه. أميرة؟ كارما؟ طب مريم؟ طب اللي في بيته دي تبقى إيه؟

وقبل ما عقله يستوعب، حصلت الصدمة التانية. من زاوية القاعة، من ورا عمود كبير، ظهرت واحدة تانية. فستان كحلي حرير، بسيط لكنه فخم، وعقد ياقوت بيلمع بشكل يخطف العين. كانت ماشية بهدوء، لكن كل خطوة فيها قوة وثقة. محمود بص كويس… المرة دي مفيش شك. دي مريم. مريم اللي يعرفها، لكن مش بنفس الشكل اللي سابه عليه. في عينيها دلوقتي حاجة جديدة، حاجة اسمها كرامة.

الأمير عثمان أول ما شافها، وقف مكانه، عينيه لمعت بالدموع، وفتح دراعاته وقال بصوت مسموع لكل الموجودين: “بنتي.. مريم.. أخيرًا رجعتي لبيتك يا حبيبتي”. الكلمة دي كانت كفيلة تقلب كل الموازين. القاعة كلها اتجهت بنظرها لمريم، اللي قربت منه بهدوء، ودموعها بتنزل، لكن مش دموع ضعف، دي دموع رجوع لحقها.

في اللحظة دي، محمود حس إنه صغير جدًا. صغير لدرجة إنه مش شايف نفسه وسط كل الناس دي. الحقيقة اتكشفت بسرعة قاسية. “كارما” كانت الأخت التوأم اللي العيلة كانت بتدور عليها سنين طويلة، بعد حادثة فرّقت بينهم وهم أطفال. ومريم… مريم اللي كان بيعاملها كأنها أقل منه، طلعت بنت عيلة ملكية، بنت ناس عندها أصل وتاريخ.

بص حواليه، لقى نفس الناس اللي كان بيحاول يبهرهم، بقوا بيبصوا لمريم بإعجاب واحترام، وبيتكلموا عنها، بينما هو بقى مجرد شخص واقف في الخلفية، محدش شايفه. حاول يقرب، يحاول يقول أي كلمة، لكن مريم ما بصتلوش حتى. وكأن وجوده بقى لا يُرى، وكأن الزمن بيرد له نفس الإحساس اللي خلاها تعيشه.

في اللحظة دي، فهم محمود الحقيقة اللي كان بيهرب منها طول عمره. القيمة مش في الفلوس ولا اللبس ولا المكان اللي بتقف فيه، القيمة في الإنسان نفسه. هو ما اتجوزش واحدة أقل منه، هو اتجوز واحدة كانت أعلى منه بكتير، لكنه ما عرفش يشوف ده، لأنه كان مشغول بنفسه وبصورته قدام الناس.

مريم مشيت مع والدها وأختها، بخطوات ثابتة، من غير ما تلتفت وراها. سابت وراها كل حاجة، حتى الذكريات اللي كانت موجعة. ومحمود فضل واقف، وسط القاعة، وسط الناس، لكنه لوحده تمامًا. صوت الكاس المكسور على الأرض كان لسه في ودنه، كأنه رمز لكل حاجة اتكسرت في حياته في اللحظة دي.

لأول مرة، حس محمود إنه خسر مش بس مكانة، لكن خسر إنسانة كانت ممكن تكون أغلى حاجة في حياته، لو كان عرف قيمتها في الوقت الصح. لكن الحقيقة القاسية إن في حاجات، لما بتضيع، ما بترجعش تاني… مهما ندمنا.

الفصل الثاني: حين حاول الباشا أن يعود

القاعة بدأت ترجع تدريجيًا لطبيعتها، الموسيقى رجعت تعزف، والناس بدأت تتحرك، لكن بالنسبة لمحمود… كل حاجة كانت واقفة. واقف مكانه، مش قادر يتحرك، مش قادر يفهم إزاي كل ده حصل في لحظات. قبل ساعة بس كان شايف نفسه فوق الكل، دلوقتي حاسس إنه ولا حاجة. الكاس المكسور على الأرض كان لسه تحت رجليه، كأنه مرآة بتعكس صورته الحقيقية… صورة راجل خسر كل حاجة بسبب غروره.

حاول يبلع ريقه، يتحرك، يقرب من المكان اللي كانت واقفة فيه مريم، لكن خلاص… هي اختفت. خرجت من القاعة، من حياته، من كل حاجة. لأول مرة يحس بالخوف، مش خوف من الناس، لكن خوف من نفسه، من الفراغ اللي هيتركه غيابها. فضل واقف شوية، وبعدين أخد قرار سريع… لازم يلحقها.

خرج من القاعة بسرعة، خطواته كانت متلخبطة، مش شبه خطواته الواثقة اللي دخل بيها. وصل لباب الفندق، لمح العربيات الفخمة واقفة، والأنوار بتلمع، والحرس حواليهم. لمحها… كانت واقفة جنب عربية سوداء فخمة، بتتكلم مع أبوها وأختها. قرب أكتر، قلبه بيدق بعنف، وكل كلمة كان بيحضرها في دماغه بتضيع قبل ما ينطقها.

وقف قدامها أخيرًا، صوته خرج مكسور: “مريم… استني”. الكلمة دي، اللي كانت زمان بتخليها تبتسم وترد عليه بحب، المرة دي عدّت كأنها هواء. مريم بصت له، بس مش بنفس النظرة… مفيش دفا، مفيش خوف، مفيش حتى زعل… كان في هدوء غريب، هدوء شخص أخيرًا عرف قيمته.

قال بسرعة وهو بيحاول يلمّ نفسه: “أنا… أنا ماكنتش أعرف… والله لو كنت أعرف…”. سكت، لأنه فجأة اكتشف إن مفيش تكملة للجملة دي تنفع. مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس كانت ابتسامة فيها وجع قديم انتهى خلاص، وقالت بهدوء: “لو كنت تعرف… كنت هتعمل إيه يا محمود؟ كنت هتحترمني؟ ولا كنت هتتباهى بيا قدام الناس؟”.

الكلمات دي خبطت فيه جامد. حاول يقرب خطوة، لكن الحرس وقفوا قدامه. هو نفسه حس إنه ما يستحقش يقرب. قال بصوت أضعف: “أنا غلطت… بس كنت فاكر… كنت فاكر إني كده بحمي نفسي”. مريم هزت راسها، وقالت: “لا… إنت كنت بتهين نفسك قبل ما تهينّي. اللي بيقلل من اللي جنبه… عمره ما بيعلى”.

في اللحظة دي، الأمير عثمان قرب خطوة، وبص لمحمود بنظرة هادية لكنها حاسمة، وقال: “بنتي عاشت سنين تستحمل أكتر مما تستحق… والنهاردة رجعت لمكانها الطبيعي. اللي فات انتهى”. الجملة كانت واضحة… مفيش مجال للنقاش.

محمود حس إنه بيتسحب من تحت رجليه. كل الأبواب بتتقفل قدامه. بص لمريم نظرة أخيرة، يمكن يلاقي فيها أي إحساس قديم، أي فرصة، لكن ملقاش غير نهاية. هي ما كرهتوش… لكنها ببساطة خرجت من حياته.

العربية اتحركت، ومريم جواها، وهو واقف في الشارع، لوحده، وسط الأنوار، لكن حاسس بظلام غريب جواه. لأول مرة، ماكانش فارق معاه الناس شايفاه إزاي… كان فارق معاه هو شايف نفسه إزاي.

رجع البيت بعد ساعات، فتح الباب، المكان كان هادي بشكل مؤلم. نفس المطبخ اللي كان بيقول إنه “مكانها”، كان فاضي. الكرسي اللي كانت بتقعد عليه، الكوب اللي كانت بتشرب فيه، كل حاجة كانت بتفكره بيها. قعد، وحط إيده على وشه، وبدأ يفكر… هو خسر إيه؟ خسر واحدة كانت بتقبل بيه بكل عيوبه، كانت واقفة جنبه وهو ولا حاجة، لكن هو ما عرفش يقف جنبها.

في اللحظة دي، محمود فهم إن الندم مش بس إحساس… الندم عقاب. عقاب بيعيش معاك كل يوم، يذكرك إنك كنت تقدر تختار صح… لكنك اخترت غلط. وإن في ناس لما بتمشي من حياتك، ما بترجعش… مش لأنها مش قادرة، لكن لأنها عرفت قيمتها.

رفع عينه، وبص حوالينه، البيت كان كبير… لكن فاضي. لأول مرة، الفخامة ما كانش لها معنى. لأول مرة، فهم إن المكان من غير الشخص الصح… مجرد جدران.

وبره، كانت مريم بتبدأ حياة جديدة… حياة تليق بيها. مش لأنها بقت أميرة، لكن لأنها أخيرًا بقت شايفة نفسها زي ما تستحق.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان