“اقتلني يا بوي وريحني…”، قالتها بصوت مخنوق، وراها نفس متكسر كأن صدرها مش قادر يشيل اللي جواه. كانت الكلمات قليلة، بس تقيلة، طالعة من عمق وجع متراكم مش من لحظة، لكن من سنين. عينيها كانت تايهة، مش بتبص على اللي قدامها قد ما بتغرق في اللي عاشته… خوف متراكم، وذل طويل، وإرهاق وصل لآخره.
عزّام وقف قصادها فجأة، مش فاهم إيه اللي جابه للمشهد ده، ولا إزاي لقى نفسه وسط الصمت التقيل ده. عينه جت على طرف توبها الممزق، اللي بالكاد مغطيها، واتحرك مع أنفاسها المتعبة، فبان جزء مخفي… لحظة واحدة كانت كفاية تغيّر ملامحه كلها. شاف العلامة، مش مجرد جرح، لكن أثر مقصود، محفور بقسوة، كأن حد قرر يسيب بصمته على جسدها للأبد.
صابرين كانت مستخبية ورا كوم قش قديم، في أرض مهجورة مالهاش صاحب ولا حياة. التراب مغطي كل حاجة حواليها، وحتى هي بقت جزء منه. كتفها مفتوح، والجرح لسه سخن، بينزف ببطء، كأنه بيرفض يقفل. ملامحها صغيرة في السن، لكن عينيها كانت شايلة تعب سنين مش شبه عمرها.
لما لمحته، جسمها اتشد، ورد فعلها كان أسرع من تفكيرها. حاولت تزحف لورا، وهي بتضغط على جرحها بإيد، وبالإيد التانية بتشد التوب عليها، كأنها بتحاول تجمع نفسها من جديد. بصوت ضعيف لكنه مليان خوف قالت: “ابعد عني… بالله عليك ما تقرب.”
عزّام رفع إيديه بهدوء، خطوة ورا خطوة، وهو بيحاول يبين إنه مش خطر. صوته كان هادي على غير طبيعته: “اهدي… أنا مش جاي أأذيكي. الجرح ده محتاج يتنضف قبل ما يتعبك أكتر.”
ابتسمت ابتسامة غريبة، مش فيها أي راحة، وقالت: “لو عايز تساعد… ريّحني وخلاص.”
الجملة دي خلت عزّام يسكت لحظة، كأنها وصلت له أسرع من أي كلام تاني.
قرب منها بحذر، وقعد على الأرض، وبدأ ينضف الجرح بإيد ثابتة. كان مركز، لكن جواه حاجة بتتحرك… حاجة قديمة. ومع حركة بسيطة من التوب، بان الجزء اللي كان متغطي.
الكلمة كانت واضحة: “مُباعة”.
صابرين حسّت بنظرته، فسارعت تغطي المكان بسرعة، وكأنها بتحاول تمحيه، أو على الأقل تخبيه. كانت مستنية نفس النظرة اللي شافتها قبل كده من ناس كتير… لكن المرة دي كانت مختلفة.
وش عزّام قسى، مش بسببها، لكن بسبب اللي شافه. ملامحه اتشدت، وعينه بقت تقيلة، كأن الذكرى رجعت له دفعة واحدة. مكنش غضب لحظي، كان غضب متخزن بقاله وقت طويل.
بدأت صابرين تتكلم، مش بتحكي كل حاجة، لكن أجزاء صغيرة، متقطعة. عن مكان بعيد ورا الجبل، محدش بيوصل له بسهولة. عن ستات مالهمش حد، بيتم جمعهم هناك، وبيتحدد مصيرهم من غير ما يكون لهم رأي. عن راجل شايف نفسه فوق أي قانون، وبيتعامل معاهم كأنهم ملكية.
حكت عن ليلة النار، لما الدنيا اتقلبت، والصريخ غطى على كل حاجة. عن اللحظة اللي لقت فيها فرصة تهرب، وعن الجري اللي مخلصش غير لما جسمها وقف غصب عنها. كانت بتتكلم كأنها لسه عايشة اللحظة.
عزّام سمع من غير ما يقاطع، وكل كلمة كانت بتثبت حاجة جواه. وبعد ما سكتت، مد إيده لها وقال بهدوء: “خلاص… كفاية جري.”
بصت له، مش واثقة، لكن تعبانة لدرجة إنها قبلت. قامت معاه، ومشيت.
بيته كان بعيد، مستخبي بين الجبل والنخيل، مكان هادي بشكل غريب. الأيام الأولى عدّت ببطء، لكن من غير خوف. عزّام كان قليل الكلام، لكنه حاضر. يعالج جرحها، يسيب لها الأكل، ويسيبهاله في هدوء.
السكوت كان مريح… لكن فيه حاجة ناقصة. كأن في حاجة مستنية تحصل.
بعد تلات أيام، في نص الليل، صحيت صابرين على صوت خافت. صوت معدن بيتحك، مش عالي، لكنه واضح في سكون الليل. قامت بهدوء، ومشيت ناحية الباب، وقلبها بيدق أسرع من خطواتها.
بصت من فتحة صغيرة… وشافته.
عزّام كان واقف في الضلمة، قدامه شنطة قديمة. فتحها، وطلع منها بندقية، شكلها متجهز من بدري. جنبها ورقة، باين عليها القِدم، لكن الختم اللي عليها كان واضح… نفس المكان اللي هربت منه.
في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تتجمع في دماغها. وجوده، طريقته، سكوته… مكنش صدفة.
هو كان مستني اللحظة دي.
طلع صورة من جيبه، بص لها شوية، وملامحه اتغيرت. الصورة كانت لست شبهها بشكل ملفت. نفس الملامح تقريبًا، نفس التعب في العين. مسح دمعة بسرعة، وقال بصوت واطي: “الحق جه وقته.”
وقبل ما اللحظة تكمل، صوت الحوافر قطع كل حاجة. خيل كتير بتقرب، وصوت رجالة بيصرخوا من بعيد: “يا عزّام! اللي عندك ترجّعه… وإلا هنولع المكان!”
صابرين رجعت خطوة، الخوف رجع، لكن المرة دي ماكنش لوحده. كان معاه إحساس تاني… حاجة أقرب للقوة.
عزّام بص لها، ابتسم ابتسامة ثابتة، مش فيها تهور، لكن فيها قرار. مد لها خنجر، وحطه في إيدها: “لو حد قرب… متستنيش.”
وبص لها نظرة أخيرة وقال: “في حساب لازم يتصفّى النهارده.”
خرج، وساب الباب مفتوح نص فتحة… وساب وراه ليل تقيل، وأحداث لسه هتبدأ.
وصابرين… لأول مرة، ما كانتش بس بتهرب.
الليل كان تقيل بطريقة غريبة، كأن الهوا نفسه واقف مستني اللي هيحصل. صابرين فضلت واقفة مكانها ثواني بعد ما عزّام خرج، إيدها ماسكة الخنجر، لكن قلبها هو اللي كان بيرتعش مش إيدها. كانت أول مرة تمسك حاجة بالشكل ده… أول مرة تحس إن في إيدها قرار، مش مجرد هروب.
صوت الحوافر قرب أكتر، وبقى واضح جدًا. الأرض تحت رجليها اهتزت خفيف، وصوت الرجالة بقى أقرب، أعلى، وأقسى. لمحت نار مشتعلة من بعيد، مش نار كبيرة، لكن كفاية تبين إن اللي جايين مش ناويين خير.
قربت من الباب، ووقفت وراه، بتبص من الفتحة الصغيرة. شافتهم… حوالي خمسة أو ستة، راكبين خيل، ووشوشهم باينة فيها قسوة مش جديدة عليهم. واحد منهم كان قدام، صوته أعلى من الباقي، هو اللي كان بيصرخ.
“آخر مرة بنقولها يا عزّام! سلّم اللي عندك!”
عزّام وقف قدامهم، ثابت، لا اتحرك ولا رد بسرعة. كان واقف كأنه مستني اللحظة دي من سنين، مش خايف منها. البندقية كانت في إيده، لكن نازلة، مش مرفوعة.
قال بهدوء: “ارجعوا من مطرح ما جيتوا… اللي بتدوروا عليه مش هيرجع.”
الراجل اللي قدام ضحك ضحكة ناشفة: “واضح إنك نسيت نفسك… ولا نسيت إحنا مين؟”
سكت عزّام لحظة، وبعدين قال: “فاكر كويس… عشان كده واقف هنا.”
الكلام خلّى الجو يتشد أكتر. الرجالة ورا الراجل بدأوا يتحركوا، واحد فيهم قرب شوية، ماسك حاجة في إيده بتلمع تحت نور القمر.
جوا البيت، صابرين كانت سامعة كل كلمة. قلبها كان بيخبط جامد، لكن عقلها بدأ يهدى شوية. لأول مرة، مش بتفكر تهرب. كانت مركزة… بتفهم… بتستوعب.
وفجأة، الصوت برا اتغير.
طلقة.
الصوت دوّى في المكان، وخلى صابرين تنتفض. سكت كل حاجة بعدها لحظة، وبعدين صوت صريخ. قربت أكتر من الباب، وبصت.
واحد من الرجالة وقع من على الحصان، والباقي اتلخبطوا لحظة. عزّام كان واقف مكانه، البندقية دلوقتي مرفوعة، وعينه مركزة.
“قولتلكم ارجعوا.”
لكن المرة دي، صوته كان مختلف… مفيهوش تحذير، فيه قرار.
الراجل اللي قدام صرخ: “هاتوها بالعافية!”
وفي لحظة، الدنيا اتحركت. اتنين نزلوا من على الخيل، وجروا ناحية البيت. واحد لف من الجنب، والتاني جاي مباشرة على الباب.
صابرين بعدت خطوة، ضهرها لزق في الحيطة. الخنجر في إيدها تقيل، لكنها شدّت عليه أكتر. نفسها بقى أبطأ
قرب خطوة، وهو واثق، كأنه داخل ياخد حاجة بتاعته مش بيواجه حد. عينه كانت مركزة عليها، وفيها نفس النظرة اللي كانت بتهرب منها طول الوقت… نظرة امتلاك.
قال وهو بيقرب أكتر: “تعبتينا معاكي… بس كله بيخلص.”
صابرين ما ردتش. كانت واقفة مكانها، لكن جواها مش زي قبل كده. الخوف لسه موجود، بس مش مسيطر. في حاجة تانية ظهرت… حاجة بتشدها لقدّام مش لورا.
الراجل مد إيده يمسكها.
وفي اللحظة دي، كل حاجة سكتت جواها.
حركة واحدة بس… سريعة، طالعة من غير تفكير طويل.
الخنجر اتحرك.
الراجل اتفاجئ، جسمه شد للحظة، وبص لها بعدم تصديق. إيده وقفت في الهوا، وكأنه مش فاهم إيه اللي حصل. خطوة ورا، وبعدها وقع.
صابرين فضلت واقفة، نفسها سريع، وعينيها مفتوحة على الآخر. إيدها بترتعش، لكن ما سابتش الخنجر. كانت أول مرة تدافع عن نفسها… بجد.
برا، صوت الاشتباك زاد. طلقات متقطعة، وصوت خيل بتتحرك بعشوائية. عزّام كان بيضغط عليهم، بيمنعهم يقربوا، لكن العدد كان ضدّه.
راجل تاني وصل عند الباب، شاف اللي حصل جوه، واتردد لحظة… اللحظة دي كانت كفاية.
صابرين ما استنتش.
اتحركت بسرعة، وقبل ما يدخل بالكامل، زقته لبرا، وخبط الباب، وقفلته بالعارضة الخشب اللي كانت وراه. صوت ضربات قوية بدأت على الباب فورًا.
“افتحي! افتحي بدل ما نكسره!”
لكن هي ما ردتش. رجعت لورا خطوتين، وبصت حواليها بسرعة. المكان بسيط، مفيش كتير يتعمل، بس في شباك صغير من الناحية التانية.
قربت منه، بصت برا… شافت عزّام.
كان واقف ورا صخرة، بيضرب، يتحرك، يختفي، ويرجع يظهر. حركته محسوبة، لكن التعب بدأ يبان عليه. واحد من الرجالة لف من وراه.
“خد بالك!” صرخت صابرين من غير ما تفكر.
عزّام لف في آخر لحظة، وضرب قبل ما التاني يلحقه. سكت لحظة، وبص ناحية البيت… سمع صوتها.
عيونهم اتقابلت من بعيد، لحظة سريعة، لكنها كانت كفاية.
فهم إنها مش بس مستخبية.
هي واقفة.
ضربات الباب زادت، الخشب بدأ يضعف. صابرين بصت عليه، وبعدين على الخنجر في إيدها. خدت نفس عميق… وبدل ما تستخبى، اتحركت.
شالت العارضة فجأة، وفتحت الباب.
الراجل اللي كان بيخبط اندفع لقدّام، متوقعها تهرب. لكنه اتفاجئ بيها قدامه.
مش خايفة.
جاهزة.
برا، عزّام لاحظ الحركة، وصوته خرج عالي: “ارجعي جوا!”
لكنها ما رجعتش.
وقفت جنبه.
قالت بصوت ثابت، رغم كل اللي حواليها: “مش هرجع تاني.”
الرجالة وقفوا لحظة، مش متوقعين المشهد. البنت اللي كانوا بيدوروا عليها، واقفة قدامهم، مش بتهرب.
الراجل اللي كان قائدهم بص لها، وابتسم ابتسامة تقيلة: “شكلنا هنبسط الليلة…”
لكن قبل ما يكمل، عزّام رفع سلاحه تاني، وقال: “الليلة خلصت.”
وصابرين… رفعت إيدها هي كمان.
ولأول مرة، ما كانتش ضحية في الحكاية.
كانت جزء من نهايتها.