رجعت بيتي بعد سنين غربة… بس اللي لقيته جوه الشقة خلاني أتمنى إني ما رجعتش!
اسمي خالد… ويمكن القصة دي تكون أغرب حاجة حصلتلي في حياتي كلها، أو يمكن تكون اللحظة اللي فهمت فيها إن الإنسان مهما حاول يهرب من ماضيه… في حاجات بتفضل مستنياه، مستنية اللحظة اللي يرجع فيها عشان تواجهه بكل قوتها. أنا سافرت بره مصر حوالي 7 سنين، كنت بجري ورا حلم بسيط جدًا… إني أعيش حياة مستقرة، أبني نفسي، وأرجع أفتح بيت وأبدأ من جديد، بس الحقيقة إن الرجوع ماكانش زي ما تخيلت أبدًا.
رجوعي كان فجأة… من غير تخطيط، من غير تجهيز نفسي حتى. حصلت مشكلة في الشغل، واضطريت أنزل إجازة طويلة، وقلت لنفسي دي فرصة أرجع أشوف بيتي القديم، الشقة اللي كنت سايبها مقفولة من سنين، ومفتاحها دايمًا معايا في جيبي كأنه آخر حاجة بتربطني بالماضي. كنت فاكر إني لما أفتح الباب… هرجع لنفسي القديمة، لنفس الإحساس اللي كنت فيه قبل ما أسافر.
وصلت العمارة بالليل… الساعة كانت داخلة على 11، والدنيا هادية بطريقة غريبة. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق بسرعة مش فاهم سببها، يمكن رهبة المكان، يمكن الذكريات، أو يمكن إحساس جوايا بيقولي إن في حاجة مش طبيعية مستنياني فوق. وقفت قدام باب الشقة… نفس الباب، نفس الخدوش، نفس التفاصيل اللي فاكرها كويس، بس الإحساس كان مختلف.
دخلت المفتاح في القفل… لفة بسيطة، والباب اتفتح بسهولة غريبة، كأنه كان مستني اللحظة دي. أول حاجة خدت بالي منها… إن مفيش ريحة تراب أو كتمة زي أي شقة مقفولة، بالعكس… كان في ريحة خفيفة كأن حد لسه كان موجود. وقفت مكاني ثواني، أحاول أقنع نفسي إن ده مجرد وهم، بس الحقيقة كانت أوضح من كده.
دخلت خطوة جوه… النور كان مطفي، لكن في لمبة خفيفة جاية من الصالة. قلبي بدأ يدق أسرع، ومخي بدأ يدي تفسيرات كتير… يمكن حد من قرايبي دخل، يمكن حد استخدم الشقة، يمكن… بس ولا تفسير كان مريح. مشيت ببطء، وكل خطوة كانت تقيلة كأن الأرض نفسها بتشدني لورا.
وأول ما دخلت الصالة… اتجمدت.
الشقة مش زي ما سبتها… مش بس متفتحة، لا… مترتبة، متغيرة، وكأن حد عايش فيها بقاله فترة. الكنبة متعدلة، الترابيزة عليها كوباية قهوة لسه فيها بخار خفيف، والتليفزيون شغال بصوت واطي جدًا. اللحظة دي كانت كفيلة تخليني أفقد إحساسي بالواقع، لأن كل حاجة قدامي بتقول إن في حد هنا… دلوقتي.
ناديت بصوت واطي: “في حد هنا؟”
مفيش رد… بس كان في إحساس إن في حد سامعني.
قربت أكتر، وبصيت حواليا، وكل تفصيلة كانت بتأكد شكوكي. باب الأوضة مفتوح نص فتحة، وفي نور طالع منه. وأنا واقف قدامه، كنت حاسس إن اللحظة دي هتغير كل حاجة، يا إما هكتشف إن الموضوع بسيط، يا إما… هعرف حاجة عمري ما كنت مستعد ليها.
دفعت الباب بإيدي ببطء… وفتحت.
واللي شوفته جوا… خلاني مش قادر أتنفس.
واحدة ست… قاعدة على سريري… وبتبصلي كأنها كانت مستنياني.
كان وشها هادي… زيادة عن الطبيعي، مش متفاجئة، مش خايفة، بالعكس… كانت مبتسمة ابتسامة خفيفة، وقالتلي جملة واحدة غيرت كل حاجة:
“اتأخرت ليه؟ أنا مستنياك من زمان.”
وقفت مكاني، مش فاهم هي مين، ولا إزاي دخلت، ولا ليه بتتكلم كأنها تعرفني. سألتها بصوت متردد: “إنتي مين؟ وبتعملي إيه هنا؟”
بصتلي بهدوء، وقالت: “أنا اللي كنت ساكنة هنا… قبلك.”
الجملة كانت غريبة، بس اللي كان أغرب… الإحساس اللي جالي بعدها. إحساس إن في حاجة أكبر من مجرد حد دخل الشقة، حاجة ليها علاقة بالماضي… بالمكان نفسه.
بدأت تحكي… بصوت هادي، كأنها بتحكي قصة مش تخصها، لكنها عايشة جواها. قالت إن الشقة دي عمرها ما كانت فاضية، وإن كل واحد بيسكن فيها… بيسيب جزء منه، وإن في ناس بترجع حتى بعد ما تمشي. وأنا كنت بسمع، وكل كلمة كانت بتخبط جوايا بطريقة غريبة.
حاولت أتمالك نفسي، وأسألها تاني، لكن قبل ما أتكلم… سمعت صوت من ورايا.
لفيت بسرعة… ولقيت باب الشقة الرئيسي بيتقفل لوحده.
اللحظة دي كانت بداية الرعب الحقيقي… لأن ساعتها فهمت إن اللي بيحصل مش طبيعي، وإن وجودي هنا… مش صدفة.
رجعت أبص عليها… لقيتها واقفة، وقريبة مني أكتر، وعينيها بقت مختلفة… نظرة فيها حاجة مرعبة، وقالت بصوت واطي:
“دلوقتي… دورك.”
ماقدرتش أتحرك… ولا أهرب… ولا حتى أصرخ. كنت حاسس إن المكان كله بيقفل عليّ، وإن الشقة اللي كنت فاكرها بيتي… بقت سجن.
اللي حصل بعد كده… مش سهل يتحكي، لأن في لحظات بتبقى أكبر من الكلام. بس اللي أقدر أقوله… إني خرجت من الشقة دي إنسان تاني، أو يمكن… جزء مني فضل هناك.
ومن يومها… عمري ما رجعت نفس الشخص.
ولحد النهاردة… المفتاح لسه معايا.
بس عمري ما قدرت أرجع أفتح الباب تاني…
لأني مش متأكد…
لو اللي جوه لسه مستني…
ولا مستني حد تاني.
الجزء الثاني: الباب اللي كان لازم ما يتفتحش
عدّت شهور… يمكن 4 أو 5، وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي حصل كان مجرد ضغط نفسي، إرهاق، أو حتى هلوسة من كتر الوحدة. كنت كل يوم بصحى وأقول لنفسي: “اللي شفته مش حقيقي… مستحيل يكون حصل.” لكن الحقيقة؟ كانت بتظهر في التفاصيل الصغيرة… في أحلامي اللي ما بطلتش، في إحساسي إني مش لوحدي حتى وأنا لوحدي، وفي المفتاح… اللي فضل معايا، تقيل في جيبي كأنه بيشدني ناحيته.
حياتي حاولت ترجع لطبيعتها… نزلت شغل، قابلت ناس، خرجت، ضحكت حتى… بس جوايا كان في حاجة اتغيرت. بقيت حساس لأي صوت، لأي حركة، لأي إحساس غريب. بقيت ببص حواليّ كتير، كأني مستني حد يظهر فجأة ويقولي نفس الجملة:
“اتأخرت ليه؟”
وأكتر حاجة كانت بتطاردني… هو السؤال اللي ماكنتش لاقي له إجابة:
هي كانت مين؟
في ليلة… كنت قاعد لوحدي، والمطر بيخبط على الشباك، والهدوء حواليا تقيل. مسكت المفتاح من غير ما أحس… وبصيت له. نفس الشكل، نفس اللمعة القديمة، بس الإحساس مختلف. فجأة لقيت نفسي بلبس هدومي، وبنزل من غير ما أفكر. كأن في حاجة بتسوقني… حاجة أقوى مني.
رجعت لنفس العمارة.
نفس السلم… نفس النور الضعيف… نفس الرهبة اللي حسيتها أول مرة. وقفت قدام الباب… قلبي بيدق، بس المرة دي كان في حاجة تانية… فضول. فضول مرعب… بس أقوى من خوفي.
مديت إيدي… وحطيت المفتاح في القفل.
لحظة واحدة… وكان الباب بيتفتح.
بس المرة دي… كل حاجة كانت مختلفة.
الظلام كان مالي المكان… مفيش نور خفيف، مفيش صوت تليفزيون، مفيش أي علامة إن في حد موجود. دخلت بحذر، وناديت بصوت أوطى من همس:
“في حد هنا؟”
مفيش رد… بس الإحساس… الإحساس كان أقوى.
مشيت لجوه… وكل خطوة كانت بتردد صداها في الشقة كأنها أوسع من الأول. الصالة كانت فاضية… الكنبة مش متعدلة… الترابيزة فاضية… كأن اللي شفته قبل كده ما حصلش.
وقفت في نص المكان… وبدأت أشك في نفسي.
يمكن فعلًا… كنت بتخيل.
لكن قبل ما الفكرة تكمل… سمعت صوت ورايا.
“رجعت.”
الصوت كان نفس الصوت.
لفيت ببطء… ولقيتها واقفة.
نفس الملامح… نفس الهدوء… بس في حاجة اتغيرت. كانت أقرب… كأنها ما اختفتش أصلًا، كأنها كانت هنا طول الوقت… مستنية.
قلت بصوت مكسور:
“إنتي عايزة مني إيه؟”
ابتسمت… وقالت:
“مش أنا اللي عايزة… المكان هو اللي اختارك.”
الكلمة وقعت عليّ تقيلة… “اختارك”.
سألتها وأنا بحاول أتماسك:
“اختارني ليه؟”
قربت خطوة… وقالت:
“كل واحد بيدخل هنا… بيكون عنده حاجة ناقصة… حاجة مكسورة… والمكان بيكمّلها… بطريقته.”
ساعتها… بدأت أفهم.
أنا ماكنتش ضحية… أنا كنت جزء من الحكاية.
افتكرت كل حاجة… الوحدة، الوجع، إحساسي إني تايه… يمكن المكان حس بيا، أو يمكن أنا اللي انجذبت له من غير ما أعرف.
لكن السؤال الحقيقي كان:
هل في خروج؟
قلت بسرعة:
“أنا مش عايز أكون هنا… أنا عايز أمشي.”
بصتلي بنظرة فيها شفقة غريبة… وقالت:
“اللي بيدخل هنا بإرادته… مش دايمًا بيخرج بإرادته.”
الكلام خلاني أتراجع خطوة… وبصيت ناحية الباب.
لكن الباب… ماكانش موجود.
مكانه… كان حيطه.
ساعتها بس… الرعب الحقيقي بدأ.
جريت ناحية المكان اللي كان فيه الباب… لمست الحيطة، خبطت عليها، حاولت أفتحها… بس مفيش حاجة. كأن الشقة قررت تقفل عليّ… للأبد.
رجعت أبص عليها… كنت مرعوب، تايه، ومش فاهم أي حاجة.
قالت بهدوء:
“في ناس بتقاوم… وناس بتفهم.”
سألتها بصوت مرتعش:
“وأنا؟”
قربت مني… وقالت:
“لسه بدري تعرف.”
اللحظة دي… كانت فاصلة.
يا إما أستسلم… يا إما أواجه.
غمضت عيني لحظة… وحاولت أفتكر أنا مين، حياتي، اسمي، كل حاجة. حسيت إن المكان بيشد مني الذكريات، واحدة واحدة، كأنه عايز يمسحني.
فتحت عيني… وصرخت بكل قوتي:
“أنا مش تبع المكان ده!”
وفي اللحظة دي…
كل حاجة اهتزت.
الصالة… الحيطان… الصوت… حتى هي.
<p