صرخة رجعت للحياة: حكاية الطفل اللي اتولد مرتين في مستشفى الشفاء الدولي

صرخة رجعت للحياة: حكاية الطفل اللي اتولد مرتين في مستشفى الشفاء الدولي


الصبح في مستشفى “الشفاء الدولي” كان مختلف عن أي صباح عادي. مش بس هدوء… كان فيه إحساس تقيل كده، إحساس يخليك أول ما تدخل تحس إن المكان شايل حاجة جواه ومش راضي يقولها. الممرات كانت واسعة ونضيفة، بس فاضية بشكل غريب، وكأن الناس ماشية فيها على أطراف صوابعها. حتى صوت الخطوات كان مكتوم، والإضاءة البيضا كانت قاسية شوية، مديّة إحساس بالبرود أكتر من الطمأنينة.

في الدور التالت، قدام جناح الولادة، كان كريم منصور واقف، أو بمعنى أدق… مش واقف. كان بيتحرك كل دقيقة، يلف ويرجع، يقرب من الباب ويرجع يبعد، كأنه مش عارف يقف فين بالظبط. إيده كانت كل شوية تروح لشعره، وعينه ثابتة على باب أوضة العمليات، كأنه مستني الباب يفتح بأي شكل. الوقت بالنسباله بقى حاجة غريبة، الساعة في إيده بتتحرك، بس هو حاسس إن كل دقيقة بتعدي ببطء شديد.

كريم في حياته متعود يبقى مسيطر. راجل شغال، ناجح، بيخطط لكل خطوة قبل ما ياخدها، لكن اللحظة دي كانت خارجة عن أي حسابات. لأول مرة يحس إن كل اللي عمله قبل كده مش هيفرق، وإن فيه حاجة أكبر منه هي اللي بتقرر. الإحساس ده كان جديد عليه، ومش مريح خالص.

كان كل شوية يقرب من الممرضة يسأل، فترد عليه بنفس الجملة تقريبًا: “لسه… الأمور ماشية.” الجملة كانت بسيطة، لكن مكنتش كفاية تهديه. كان محتاج يسمع حاجة أكتر وضوح، أكتر طمأنينة، بس مفيش.

جوه الأوضة، ليلى كانت في عالم تاني خالص. التعب كان باين على كل ملامحها، أنفاسها سريعة، وجسمها منهك، لكن رغم كده كانت متمسكة. إيديها ماسكة الملاية بقوة، وكأنها بتتشبث بأي حاجة حواليها. الألم كان كبير، بس اللي كان أكبر منه هو الإصرار.

الطفل ده مكنش مجرد طفل. ده كان رحلة كاملة. سنين من الانتظار، من محاولات، من أمل بيكبر ويتكسر ويرجع يتبني تاني. كانت فاكرة كل مرة خرجت من عند دكتور وهي حاسة إن الحلم بيبعد، وكل مرة قررت تكمل رغم الإحباط. اللحظة دي بالنسبة لها كانت نهاية كل ده… أو على الأقل كانت مستنية تكون النهاية.

الدكاترة كانوا بيتحركوا بسرعة، بس بحذر. كل واحد عارف دوره كويس، وكل حركة محسوبة. مفيش توتر ظاهر بشكل صريح، لكن الجو كله كان مشدود. حتى النظرات بينهم كان فيها كلام من غير صوت.

وبعدين… الطفل خرج.

صرخة قوية ملّت المكان، صوت صغير بس مليان حياة. الصوت ده غيّر كل حاجة في لحظة. برا الأوضة، كريم وقف مكانه، وكأنه اتسمر، وبعدين فجأة حس برجليه مش شايلينه، فنزل على ركبته وهو بيضحك ودموعه بتنزل في نفس الوقت. اللحظة اللي استناها سنين حصلت أخيرًا.

ليلى غمضت عينيها وابتسمت بتعب، دموعها نزلت بهدوء، وكأنها بتقول لنفسها إن الرحلة خلصت. للحظة قصيرة، كل حاجة كانت تمام.

لكن اللحظات الحلوة أوقات مبتكملش.

الصوت وقف.

مش بالتدريج… مرة واحدة.

الدكاترة بصوا لبعض بسرعة، وملامحهم اتغيرت. في ثواني، الجو كله اتحول. الأجهزة بدأت تصدر أصوات إنذار، والممرضات اتحركوا بسرعة أكبر، وكل حاجة بقت أسرع وأتوتر. الطفل كان بين إيديهم، بيحاولوا يساعدوه ياخد نفسه، مرة ورا مرة.

كريم دخل الأوضة وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل. قرب أكتر، وعينه على الطفل، وصوته خرج ضعيف: “خد نفس… لو سمحت…”

لكن مفيش استجابة.

الثواني كانت بتمشي تقيلة جدًا. كل محاولة كانت بتفشل، وكل لحظة بتعدي كانت بتسحب الأمل شوية. لحد ما واحد من الدكاترة وقف، وسكت للحظة، وبعدين قال بهدوء تقيل: “أنا آسف…”

الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تهد كل حاجة.

ليلى سكتت تمامًا، وكأنها فقدت القدرة على الكلام. وكريم حس إن الدنيا اتقفلت فجأة.

في نفس الوقت، في دور تاني خالص، نادية حسن كانت بتشتغل عادي جدًا. بتزق عربية النظافة، بترتب المكان، ومحدش واخد باله منها. وجودها في المستشفى كان عادي، زي أي حد بيعدي من غير ما يسيب أثر واضح.

لكن نادية من جواها مكنتش عادية. كانت دايمًا بتحاول تفهم، تتعلم، حتى لو محدش طلب منها ده. كانت بتقضي وقتها على الموبايل تشوف فيديوهات، تقرأ، تكتب ملاحظات. مش عشان حد شايفها، لكن عشان هي شايفة نفسها بطريقة تانية.

كان فيه سبب قديم جواها، حاجة وجعتها قبل كده، خلتها تحس إن المعرفة ممكن تنقذ حياة.

لما سمعت صوت الإنذار، وقفت. قلبها دق بسرعة، وعرفت إن فيه حاجة غلط فوق. لحظة صغيرة عدت عليها وهي واقفة، عقلها بيقولها تبعد، لكن إحساسها كان بيشدها لفوق.

وقفت ثواني… وبعدين اتحركت.

دخلت أوضة صغيرة، فتحت التلاجة، ولما شافت التلج، افتكرت موقف قديم شافته قبل كده. فكرة غريبة، ومش مضمونة، بس ممكن تكون آخر محاولة.

إيديها كانت بتترعش وهي شايلة الجردل، لكنها مكملتش تفكير. طلعت تجري.

لما وصلت، دخلت الأوضة من غير استئذان. الكل بص لها باستغراب، بس هي موقفتش. عينيها كانت مركزة على الطفل بس.

قربت، وخدته بسرعة محسوبة، وبحركة واحدة حطته على التلج.

اللحظة دي كانت طويلة جدًا.

مفيش صوت.

مفيش حركة.

وبعدين… صوت خفيف جدًا.

بعده نبض.

الأجهزة رجعت تشتغل، والخط اتحرك تاني.

الدكاترة اتحركوا فورًا، وكأن الأمل رجع فجأة. خدوا الطفل وبدأوا يشتغلوا عليه تاني، لكن المرة دي بثقة أكبر.

كريم وقف مكانه مش مصدق، وبعدين دموعه نزلت تاني، بس المرة دي مختلفة. ليلى كمان بدأت تعيط، بس مش من الوجع… من الراحة.

نادية رجعت لورا خطوة، وقفت ساكتة، قلبها بيدق بسرعة، ومش عارفة اللي عملته ده هينتهي على إيه.

لكن كريم دور عليها، ومشي ناحيتها بهدوء، وقال: “إنتي أنقذتيه.”

الجملة كانت بسيطة، بس غيرت كل حاجة.

بعد كده بوقت، الحياة كملت، بس مش زي الأول. نادية أخدت فرصة تتعلم بشكل حقيقي، وبدأت تمشي في طريق جديد كانت بتحلم بيه. التعب كان موجود، لكن عندها سبب يخليها تكمل.

والطفل، يوسف، كبر زي أي طفل طبيعي، بيجري ويضحك، من غير ما يعرف إن بداية حياته كانت على حافة النهاية.

القصة دي مكنتش مكتوبة في ورق، ولا متعلقة على حيطان، لكنها فضلت عايشة في ذاكرة كل واحد كان موجود.

لأن في لحظات قليلة جدًا في الحياة… قرار واحد بس، ممكن يفرق بين نهاية وبداية.

عدّى وقت، يمكن شهور، ويمكن أكتر شوية… والحياة رجعت تمشي بإيقاعها الطبيعي، بس الحقيقة إن ولا حاجة كانت رجعت زي الأول تمامًا. كريم بقى بييجي المستشفى كتير، مش كزائر قلق زي زمان، لكن كشخص عنده امتنان كبير للمكان اللي شهد اللحظة الفاصلة في حياته. كل مرة يدخل، عينه تدور بشكل تلقائي على نفس الممر، نفس الباب، كأنه بيسترجع المشهد من غير ما يقصد.

ليلى كمان اتغيرت. بقت أهدى، أقرب، وأكتر تقديرًا لكل تفصيلة صغيرة. كانت ساعات تبص ليوسف وهو نايم، وتفضل ساكتة كده شوية، وكأنها بتتأكد إنه موجود فعلًا، مش مجرد حلم. الخوف اللي عاشته ساب أثر، بس الأثر ده اتحول مع الوقت لامتنان عميق.

أما نادية… فحياتها بدأت تاخد شكل تاني خالص. أول مرة دخلت قاعة تدريب كممرضة متدربة، كانت حاسة برهبة، مش من المكان، لكن من المسؤولية. المرة دي مفيش مساحة للصدفة، ولا قرارات لحظية زي اللي حصلت قبل كده. كل حاجة لازم تبقى بعلم وفهم.

في أول يوم ليها، وهي واقفة لابسة الزي الجديد، افتكرت نفسها وهي بتزق عربية النظافة في نفس المكان. الفرق كان كبير، بس الإحساس جواها كان هو هو… نفس الرغبة إنها تكون سبب في إنقاذ حياة.

في يوم من الأيام، وقفت قدام حالة طفل صغير، حالته كانت صعبة، والدنيا حواليه متوترة. للحظة، قلبها دق بنفس الطريقة القديمة. نفس الإحساس رجع، نفس السؤال: “هتقدري؟”

لكن المرة دي، مبترددتش.

بدأت تشتغل مع الفريق، بخطوات هادية، ووعي أكبر. مفيش اندفاع، لكن فيه ثقة. يمكن مش هي اللي أنقذت الطفل لوحدها، لكن كانت جزء من السبب. وده كان كفاية بالنسبة لها.

في آخر اليوم، وهي خارجة من المستشفى، وقفت لحظة على الباب، بصت وراها، وابتسمت ابتسامة خفيفة. يمكن محدش خد باله منها وهي داخلة… لكن دلوقتي، وجودها بقى له معنى.

وفي مكان تاني، يوسف كان بيجري في البيت، بيضحك بصوت عالي، من غير ما يعرف إن ضحكته دي كانت ممكن متبقاش موجودة أصلًا.

بس يمكن مش لازم يعرف دلوقتي…

المهم إن فيه ناس، في لحظة معينة، قررت متسكتش.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي