بعت 3 بيوت عشان أنقذ جوزي.. ولما فاق من العملية اكتشفت إن قلبي هو اللي كان على سرير الإفاقة

بعت 3 بيوت عشان أنقذ جوزي.. ولما فاق من العملية اكتشفت إن قلبي هو اللي كان على سرير الإفاقة


بعت 3 بيوت عشان أنقذ جوزي.. ولما فاق من العملية اكتشفت إن قلبي هو اللي كان على سرير الإفاقة

بدأ كل شيء في لحظة ما كنتش أتخيل إنها هتكون نقطة النهاية ولا البداية. أنا كلير، ست عادية جدًا، يمكن مش مميزة في حاجة غير إني لما بحب بحب بجد، بحب لدرجة إني ممكن أدي عمري كله مقابل إن الشخص اللي بحبه يعيش. وده بالضبط اللي حصل معايا مع دانيال، جوزي، الراجل اللي كنت شايفة فيه حياتي كلها وأماني ومستقبلي اللي كنت مستعدة أضحي عشانه بأي حاجة. الناس دايمًا كانت بتقول إن الحب الحقيقي بيبان في الأزمات، وأنا صدقت الكلام ده، بس مكنتش أعرف إن الأزمات مش بس بتكشف الحب، دي كمان بتكشف الحقيقة كلها، حتى الحاجات اللي القلب بيكون رافض يشوفها.

دانيال تعب فجأة، تعب كبير، مش دور برد ولا حاجة بسيطة، لا، حاجة قلبت حياتنا كلها في أيام قليلة. من أول تشخيص وأنا حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي، بس ما انهارتش، بالعكس، شديت نفسي أكتر وقلت لنفسي إني لازم أبقى قوية عشانه. من اللحظة دي، حياتي كلها بقت متركزة في هدف واحد بس: إن دانيال يعيش. ست شهور كاملة وأنا بلف بيه على المستشفيات والدكاترة والتحاليل والأشعة وعلى كل باب ممكن يفتح لنا أمل ولو صغير. كنت بصحى بدري جدًا، أجهز له الأكل اللي بالكاد بيقدر ياكله، أساعده يتحرك، أتابع مواعيد الأدوية، وأقعد جنبه بالساعات حتى وهو ساكت، بس وجودي جنبه كان كفاية بالنسبة لي. كنت بضحك في وشه رغم إني من جوايا كنت مرعوبة، مرعوبة أخسره، مرعوبة من فكرة إن الحياة تكمل من غيره، وكنت بقول لكل اللي يسأل: دانيال هيبقى كويس، رغم إني كنت أنا اللي محتاجة حد يقولها لي.

وفي وسط كل ده، بدأت الفواتير تتراكم بشكل يخوف، أرقام مرعبة ومبالغ أكبر من قدرتي، بس عمري ما وقفت لحظة أفكر هل أقدر أو لا. كنت بفكر في حاجة واحدة بس: لازم أعمل ده. أول حاجة بعتها كانت بيت المصيف، المكان اللي كنا بنهرب له من زحمة الحياة، واللي فيه ذكريات ضحك وصيف طويل وضوء شمس كان بيدخل القلب قبل الشباك. بعته وأنا بحاول أبقى ثابتة، لكن أول ما خرجت من عند المشتري قعدت في العربية أعيط لحد ما حسيت إن صوتي اختفى. بعده جه الدور على الدوبلكس، البيت اللي بابا ساعدنا نشتريه وأنا ودانيال لسه عرسان، واللي كان بالنسبة لي رمز للبداية والحلم اللي بيتبني حتة حتة. بيعته وأنا حاسة إني ببيع جزء من عمري، جزء من أيام كنت فاكرة إنها مش هتضيع أبدًا. وآخر حاجة كانت بيتنا، البيت اللي كنا عايشين فيه، اللي فيه السور الأبيض والشجرة اللي كان ورقها بيصفر كل خريف، وكأن البيت نفسه بيعيش معنا ويتألم معنا. لما بعته حسيت إني بقيت بلا جدران، بلا مكان، بلا ظل، لكن حتى ساعتها ما ندمتش، لأن كل اللي كان مهم عندي إن دانيال يعيش.

في 11 أسبوع بس كنت بعت التلات بيوت، وفي نفس الوقت كنت أنا بنزلق من حياة مستقرة لحياة كلها قلق وانتظار وديون. المستشفى كانت بتكلمني لتأكيد ميعاد العملية، وحسابي في البنك وصل للصفر، وكروت الائتمان استنفدت آخر نفس فيها، وأنا بنام على كنبة في بدروم بيت بنت خالي. الغريب إن كل ده فعلًا ما كانش فارق معايا، ولا مرة اشتكيت، ولا مرة حسيت إني ضحية، لأن في نظري ده كله كان ثمن بسيط مقابل إن الراجل اللي حبيته يعيش ويقف على رجله من جديد. أختي كانت الوحيدة اللي شايفة المشهد من برا بوضوح، وكانت بتحذرني أكتر من مرة وتقول لي: يا كلير، إنتي بتحرقي حياتك وشقاكي عشان راجل ما بقاش حتى بيبص في وشك. وكنت أنا أرد بنفس الجملة كل مرة، الجملة اللي كنت بستخدمها كأنها ضمادة على جرح مفتوح: هو تعبان، والتعب بيغير النفس. كنت محتاجة أصدق الكدبة دي، لأن لو ما صدقتهاش، كان لازم أعترف إني وحدي في المعركة، وده اعتراف ما كنتش قادرة أواجهه وقتها.

لحد ما جه يوم العملية، اليوم اللي كنت مستنياه وكأني مستنية حكم نهائي على حياتنا. قبل ما يدخلوه العمليات، دانيال مسك إيدي، وكانت إيده ساقعة وصوته ضعيف. همس لي وقال: إنتي فضلتي جنبي. ابتسمت له رغم الرعب اللي كان واكلني من جوايا وقلت له: أمال هروح فين؟ بص لي وقتها بصّة غريبة، فيها ذنب وفيها شيء كان نفسي أفهمه، بس الممرضات خدوه بسرعة، وضاع المعنى مع خطواتهم السريعة ناحية باب العمليات. قعدت في أوضة الانتظار 9 ساعات كاملة، بشرب قهوة مكنة طعمها مر كأنها عصير قلق، وببص للسقف وللساعة وللباب، وبصلي وبدعي وأكرر نفس الكلمات كأني آلة. لما الجراح خرج أخيرًا وقال لي إن العملية نجحت وإنه بخير، حسيت إن رجلي مش شايلاني، وإن جسمي كله بيترعش من فرحة وخوف راحوا فجأة وتركوا مكاني فراغ كبير جدًا.

فضلت أعيط من الفرحة وأنا ماشية ناحية أوضة الإفاقة. كنت داخلة له وأنا مبتسمة، شايلة قلبي على كفي، مستنية اللحظة اللي هنبص فيها لبعض ونفهم إننا عدينا من أصعب اختبار ممكن يعدي على اتنين بيحبوا بعض. فتحت الباب، لكن اللحظة اللي كنت مستنياها من شهور اتحولت في ثانية لوحش هاجمني من غير إنذار. شفتها قبل ما أشوفه. واحدة شقراء لابسة بلوفر كريمي، قاعدة جنبه على السرير، وصوابعها متشابكة في صوابعه. هو كان وشه باهت وتعبان، لكن فيه راحة غريبة على ملامحه، راحة ما شوفتهاش فيه من شهور. اتجمدت مكاني ورا الستارة، لأن عقلي في اللحظة دي رفض يصدق اللي عيني شايفاه. كان ممكن أقتنع إنها قريبة، أو ممرضة، أو أي شيء، لحد ما هو لف وشه ناحيتها هي، مش ناحيتي أنا، وهمس لها بصوت واضح لدرجة إنه كسر كل حتة فيّ: دلوقتي بس عرفت يعني إيه حب حقيقي.

الجملة دي ما كانتش مجرد خيانة، كانت محو كامل لتاريخي معاه، لكل اللي عملته عشانه، لكل ليلة فضلت فيها صاحية وأنا بعدّ أنفاسه، لكل ورقة بعتها من عمري عشان أشتري له فرصة جديدة. الست دي مالت عليه والدموع في عينيها وبست إيده، وهو ابتسم لها كأني أنا اللي غريبة في الأوضة، كأني مجرد زائرة بالصدفة. في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتقسمت نصين، نص مات، ونص فاق أخيرًا. لكن بدل ما أصرخ أو أنهار أو أعمل المشهد اللي أي حد كان متوقعه، مسحت وشي وعدلت نفسي وخطيت خطوة لقدام. ابتسمت ببرود وقلت له بصوت هادي: عندك حق يا دانيال. كانت جملة بسيطة، لكن كان وراها كل الوجع اللي ما عادش ينفع يطلع في دموع.

فتحت حقيبتي بهدوء مريب، وسحبت منها ملفًا كنت أعددته في الليالي الطويلة اللي قضيتها أحسب فيها تكاليف إنقاذه. الملف ما كانش ورقة طلاق، لأن الطلاق في اللحظة دي كان هيبقى هدية مجانية له وللست اللي قاعدة جنبه. أنا ما كنتش داخلة الأوضة عشان أستعطف أو أعاتب، أنا كنت داخلة وأنا أخيرًا شايفة الصورة كاملة. حطيت الأوراق على طرف سريره، وبصيت له من غير ارتعاش، وقلت: دانيال، إنت قلت دلوقتي إنك عرفت معنى الحب الحقيقي، وده جميل، لأني أنا كمان عرفت معنى الاستثمار الحقيقي. كانت ملامحه بدأت تتجمد وهو بيبص في الورق، والست اللي جنبه ابتدت تسحب إيدها من إيده كأنها فجأة افتكرت إن للمشهد تمن.

الأوراق كانت عبارة عن إقرار مديونية موثق، وعقود بيع البيوت، ومستندات نقل أصول وممتلكات باسمي الشخصي كضمان لكل شيء أنا ضحيته وبعته وبنيته من الصفر من جديد. قلت له وأنا ثابتة: البيوت التلاتة اللي بعتهم ما راحوش كلهم لسداد العملية وبس، أنا اشتريت كمان أصولًا باسمي، لأن وأنا بحارب عشان أنقذك كنت كمان بحاول أحافظ على حقي لو صحيت في يوم واكتشفت إن اللي بعمله بيتحط في المكان الغلط. أما الورقة اللي في إيدك دلوقتي، فهي فاتورة المستشفى والديون المتبقية، وبما إنك لقيت حبك الحقيقي، فأنا أكيدة إنها هتكون سعيدة جدًا وهي بتشاركك دفع المبالغ دي. الست شهقت، ودانيال حاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيف ومهزوز، مش من أثر العملية بس، لكن من صدمة إنه لأول مرة يلاقيني واقفة قدامه مش كزوجة مستعدة تسامح، لكن كإنسانة قررت توقف النزيف.

اتجهت نحو الباب وأنا بكمل كلامي من غير ما أرفع صوتي: أنا حرقت حياتي لأجلك لما كنت فاكرة إنك راجل يستحق، أما دلوقتي وبعد ما استعدت صحتك، أنا كمان استعدت عقلي. الغرفة محجوزة حتى المساء فقط، وبعدها ابدأ حياتك الجديدة مع حبك الحقيقي، لكن افتكر كويس إنها حياة بتبدأ من الصفر، بالضبط زي ما سبتني في البنك. خرجت من الأوضة وما بصتش ورايا أبدًا. كانت دي أول مرة من شهور أحس إن نفسي داخل صدري بيوصل لنهايته من غير ما يخنقني. مشيت في طرقة المستشفى بخطوات ثابتة، وكان صوت كعب جزمتي على الأرض عامل زي عداد بيحصي اللحظات الأولى من حريتي. لما ركبت عربيتي، طلعت الموبايل، وعملت حظر لدانيال ولكل عيلته من غير تردد، كأن ضغطة الزر دي كانت آخر خيط بيربطني بوهم قديم لازم ينتهي.

بعد أسبوع، كنت قاعدة في شقتي الصغيرة الجديدة، الشقة اللي اشتريتها باسمي من عمولة بيع الدوبلكس، المكان اللي يمكن كان أصغر من كل البيوت اللي خسرتها، لكنه أول مكان من سنين أحس فيه إنه بيشبهني أنا، مش دوري في حياة حد. جالي اتصال من رقم غريب، رديت بهدوء. كان صوتها هي، صاحبة البلوفر الكريمي. صوتها كان مخنوق وبالعافية طالع وهي بتقول: كلير، دانيال محتاج أدوية غالية، والمستشفى بتهدد تطرده، والتأمين ما بيغطيش كل اللي حصل، وأنا ما معيش أدفع. ضحكت ضحكة خفيفة، مش شماتة قد ما هي دهشة من بساطة الوهم اللي عايشة فيه. قلت لها: مش ده الحب الحقيقي؟ الحب مش نظرات وتشابك إيدين في أوضة الإفاقة، الحب شيل للطين، وغسل للدم من على المخدات، وبيع بيوت عشان الغالي يعيش. إنتي خدتي النسخة السليمة منه، وريني بقى هتعملي إيه مع النسخة المديونة. وبعدها قفلت المكالمة من غير ما أدي لها فرصة ترد.

بعد شهرين، عرفت من أختي إن دانيال اضطر يبيع عربيته وساعاته الغالية، ونقل لبيت إيجار قديم في منطقة شعبية. وعرفت كمان إن قصة الحب اللي كانت باينة براقة في أوضة الإفاقة ما كملتش شهرين لما الفواتير بدأت تخبط على الباب بجد. ساعتها ما فرحتش، وما شمّتتش، لأني في الحقيقة كنت خلصت منه نفسيًا قبل ما الدنيا تخلص منه ماديًا. أنا ما عادش يفرق معايا وقع منين ولا راح لفين، لأن أهم معركة في حياتي ما كانتش معاه هو، كانت مع نفسي، مع الست اللي كانت مستعدة تتحرق بالكامل وهي متخيلة إن ده اسمه وفاء، قبل ما تفهم إن الوفاء من غير كرامة بيبقى طريق للهلاك.

أما أنا، فكنت واقفة في المطبخ في بيتي الجديد، بفتح كرتونة غسالة الأطباق الجديدة اللي اشتريتها. بصيت لمساحتها الكبيرة وابتسمت، مش لأني هعزم حد، ولا لأني أخيرًا بقي عندي جهاز جديد، لكن لأني للمرة الأولى حسيت إن كل حاجة حواليّ معمولة عشاني أنا. الكوبايات اللي في الدولاب اختارتها أنا، الستارة لونها على ذوقي أنا، والهدوء اللي مالي البيت مش فراغ، ده سلام. لأول مرة من شهور ما كانش في صوت أجهزة، ولا مواعيد أدوية، ولا ورق مستشفيات، ولا خوف مستمر من مكالمة تغير كل حاجة. كان في أنا وبس، وأنا دي كانت محتاجة وقت طويل جدًا عشان ترجع تبص في المراية وتعرف نفسها.

فتحت اللاب توب وفضلت أبص للشاشة شوية، وبعدين بدأت أكتب أول سطر في حكايتي الجديدة. المرة دي ما كانتش حكاية حزينة عن خيانة وبس، ولا عن واحدة ضحت واتكسرت، لكن عن واحدة اكتشفت في آخر لحظة إن النجاة مش معناها إنك تنقذي حد تاني، النجاة الحقيقية إنك تنقذي نفسك قبل ما تضيع بالكامل. كتبت عن الوجع اللي علمني، وعن الصدمة اللي صحّتني، وعن البيت اللي راح، والبيت اللي اتبنى جوايا من جديد. وفهمت أخيرًا إن الخسارة الحقيقية ما كانتش في التلات بيوت، ولا في الحساب اللي صفر، ولا في الجوازة اللي انهارت، الخسارة الحقيقية كانت في الوقت اللي عشته وأنا بدي كل شيء لحد ما نسيت إني أنا كمان ليا حق في حياة آمنة وكريمة. ومن يومها، بقيت مؤمنة إن بعض النهايات مهما كانت موجعة، بتكون في الحقيقة باب النجاة الوحيد. أنا ما بعتش التلات بيوت عشان أنقذ دانيال وبس، أنا بعتهم عشان أتعلم، متأخر صحيح، إن أثمن شيء ممكن الست تملكه مش بيت ولا حساب في البنك، لكن نفسها لما تعرف قيمتها وتقرر إنها ما تبقاش وقود لحياة حد تاني أبدًا.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان