خطين وردي… السر اللي كان عايش معانا في نفس البيت

خطين وردي… السر اللي كان عايش معانا في نفس البيت


الحكاية بدأت بحاجة بسيطة جدًا، حاجة ممكن أي حد يشوفها ويعديها عادي… بس الحاجة دي كانت كفيلة تقلب حياتي أنا ومراتي رأسًا على عقب في لحظة واحدة. خطين وردي… آه، مجرد خطين على اختبار حمل، لكن الخطين دول كانوا زي شرارة ولعت في بيت هادي، وحولت كل حاجة حوالينا لكابوس تقيل.

كنت واقف قدام الحوض بغسل سناني، يوم عادي جدًا، مفيهوش أي مقدمات توحي إن فيه مصيبة جاية في الطريق. فجأة حسيت بوجودها ورايا، مراتي واقفة على باب الحمام، ساكتة، مش بتقول كلمة. بصيت في المراية لقيتها ماسكة حاجة بإيديها، إيديها كانت بتترعش بشكل غريب، ووشها مفيهوش أي تعبير، كأنها فصلت عن الواقع. الهدوء اللي كان حوالينا كان مرعب، النوع اللي بيخليك حاسس إن فيه حاجة هتنفجر في أي لحظة.

بصوت واطي جدًا، واطي لدرجة إني حسيت إنه بيطلع بالعافية، سألتني: “إيه ده؟”

لفيت ناحيتها وأنا لسه مش فاهم، أخدت منها الحاجة وبصيت… لحظة واحدة بس كانت كفيلة إن دماغي يوقف تمامًا. اختبار حمل… وخطين واضحين. قلبي دق بسرعة، وبصيت لها وأنا مش مستوعب، ورديت بعفوية: “والله ما أعرف!”

كلمة واحدة منها كانت كفيلة تخلي الموقف كله يتقلب: “ماتعرفش؟”

قالتها بهدوء غريب، بس الهدوء ده كان فيه حاجة تقطع النفس. كانت بتكرر الكلمة كأنها بتحاول تستوعبها، أو يمكن بتقيس قد إيه الرد ده مش منطقي.

حاولت أتكلم، أشرح، أقول أي حاجة تخفف اللي بيحصل، بس الحقيقة إني فعلًا ماكنتش فاهم. قلت لها: “صدقيني، أنا مش فاهم ده جه منين ولا إزاي!”

سندت ضهرها على الباب، وابتدت تتكلم بمنطق بارد جدًا، كأنها بتحلل لغز: “أنا شايلة الرحم من ٣ سنين… يعني مستحيل أكون حامل. إحنا معندناش بنات، ومحدش بيزورنا، والبيت ده مبيفتحش بابه غير ليا وليك… يبقى الاختبار ده جه هنا إزاي؟”

ساعتها، أول مرة أشوف الشك الحقيقي في عينيها. الإحساس ده كان تقيل جدًا، وكأن في سكين بتتغرز جوايا. سألتها: “إنتي فاكرة إني بخونك؟”

ضحكت ضحكة باهتة، مش فيها أي روح، وقالت: “أفكر في إيه غير كده؟”

الكلام بعدها بقى أصعب، وكل جملة كانت بتبعدنا عن بعض أكتر. حاولت ألمسها، أطمنها، لكنها نفضت إيدي بسرعة كأني حاجة مؤذية. قالتلي: “ماتلمسنيش… أنا حاسة إني هتجنن.”

ومن اللحظة دي، البيت اتغير. بقينا زي غُرب، نفس المكان، لكن مفيش أي رابط بينا. هي دخلت أوضة الضيوف وقفلت على نفسها، وأنا بقيت بنام على الكنبة. الليل بقى تقيل، والصمت بقى موجع. كنت بسمع صوت عياطها من ورا الباب، ومش قادر أعمل حاجة.

عدت الأيام تقيلة… يوم ورا يوم، وكل يوم أسوأ من اللي قبله. بدأت أشك في نفسي، في عقلي، في كل حاجة حواليا. هل ممكن أكون عملت حاجة ومش فاكر؟ هل فيه حاجة بتحصل وأنا مش واخد بالي؟

في اليوم الرابع، قررت إني لازم أوصل للحقيقة، مهما كانت. جبت كاميرات مراقبة صغيرة، وركبتها في الممرات والطريق اللي بيوصل للحمام والمطبخ. عملت كده من غير ما أقول لها، لأن حتى لو شرحت، كانت هتفتكر إني بحاول أغطي على حاجة.

عدى أسبوع… أسبوع كأنه سنة. كل يوم كنت برجع أراجع التسجيلات، بدور على أي حاجة غريبة، أي تفصيلة ممكن تفسر اللي حصل. لكن مفيش… ولا حاجة.

لحد الليلة التامنة…

كنت قاعد لوحدي، راجع تسجيلات الليلة اللي قبلها، وبصيت على الساعة… ٢:٤٧ بعد نص الليل. فجأة، حسيت إن جسمي كله اتجمد. في حركة… حركة واضحة في الكاميرا.

خيال… لا، مش خيال. ست… واحدة غريبة، ماشية بهدوء غريب جدًا. لابسة هدوم من بتوع مراتي. مش بتتسحب ولا بتستخبى، بالعكس، كانت ماشية بثبات كأنها عايشة هنا من زمان.

الأغرب من كده… إنها ما دخلتش من باب الشقة.

ظهرت… من جوا البيت.

مشيت لحد الحمام، دخلت، وبعد دقايق خرجت، رمت حاجة في الزبالة، وبعدها اختفت… اختفت ورا الدولاب الكبير اللي في الممر.

وقتها ماحسّتش بنفسي. قمت بسرعة، شغلت كل النور، وروحت على الدولاب. زقيته بكل قوتي… واتصدمت.

فيه فتحة.

فتحة في الحيطة، مستخبية ورا ضهر الدولاب.

الفتحة كانت بتدخل على أوضة قديمة، أوضة خزين محدش بيدخلها من سنين. قلبي كان بيدق بعنف، وإيدي بتترعش وأنا داخل، ماسك كشاف الموبايل.

الأوضة كانت ليها ريحة غريبة… مش ريحة تراب أو هجر، بالعكس… ريحة حياة. بقايا أكل، مرتبة قديمة، حاجات متحركة.

وفي الركن…

كانت قاعدة بنت.

بنت صغيرة، باين عليها الخوف والتعب، بتعيط وبتترعش. بصتلّي برعب كأني دخلت عليها فجأة في عالمها.

صرخت فيها: “إنتي مين؟!”

صوتها كان مكسور وهي بترد: “أنا… سارة.”

بدأت تحكي… كلامها كان صعب يتصدق، بس كل تفصيلة حواليا كانت بتأكد إنه حقيقي.

كانت شغالة عند جارتنا اللي فوق، ولما الست ماتت، ملقتش مكان تروح له. اكتشفت الفتحة دي بالصدفة، وبدأت تعيش هنا… في الخفا.

طول اليوم مستخبية في الأوضة، وبالليل بتخرج… تاكل من أكلنا، تلبس هدوم مراتي، وتتحرك في البيت كأنها فرد منه… بس من غير ما حد يشوفها.

كانت عايشة معانا… وإحنا مش حاسين.

ساعتها، كل حاجة بدأت تتفهم… الأكل اللي كان بينقص، الحاجات اللي بتتحرك، الإحساس الغريب اللي مراتي كانت بتحكي عنه.

بصيت على بطنها، وسألتها عن الاختبار.

سكتت شوية، وبعدين قالت إنها كانت بتقابل خطيبها في المنور بالليل… وإنها اكتشفت إنها حامل.

وقتها…

سمعت صوت ورايا.

لفيت لقيت مراتي واقفة على باب الأوضة.

وشها كان أبيض، وعينيها مليانة دموع، بس مش دموع شك… دموع صدمة وفهم.

قالتلي: “أنا كنت حاسة… كنت حاسة إن فيه حد معانا.”

اللحظة دي كانت غريبة… بدل ما الدنيا تولع، حصل العكس.

مراتي قربت من البنت، وبهدوء غريب جدًا، حطت عليها شالها عشان تدفيها.

وقالتلي جملة عمري ما هنساها: “يمكن ده مش اختبار خيانة… يمكن ده اختبار لينا إحنا.”

الكلام ده غيّر كل حاجة.

البيت اللي كان على وشك يتهد بسبب الشك، اتحول لمكان فيه معنى تاني خالص. قررنا مانبلغش الشرطة، وقررنا نساعدها.

عدت الأيام، والبنت فضلت معانا. واحدة واحدة، بدأت تهدى، وبدأنا نتعامل معاها كأنها فرد من البيت.

ومع مرور الوقت…

الصوت اللي كان مالي البيت حزن وسكوت، اتحول لصوت تاني خالص.

صوت طفل صغير.

طفل جه للدنيا في ظروف غريبة، لكن بقى سبب إن البيت يرجع فيه روح.

مراتي كانت بتسهر عليه، بترعاه، وكأنه ابنها… يمكن لأنها كانت محرومة من الإحساس ده، ويمكن لأن ربنا اختار يبعتهولها بطريقة مختلفة.

وأنا…

كنت كل يوم ببص حواليا، وأفتكر إن كل ده بدأ من خطين وردي.

خطين كانوا سبب شك، وألم، وخوف… لكن في الآخر، كانوا بداية حياة جديدة.

يمكن أوقات كتير، الحاجات اللي بنفهمها غلط في الأول، بيكون وراها معنى أكبر بكتير… معنى ما بنشوفوش غير لما نعدي من الاختبار.

بس الحكاية ما خلصتش عند كده… بالعكس، اللي حصل بعد كده كان أصعب بكتير مما تخيلنا.

وجود سارة في البيت بدأ يبقى طبيعي مع الوقت، لكن الحقيقة إن “الطبيعي” ده كان هش جدًا. كل حاجة كانت ماشية بهدوء زيادة عن اللزوم، وده كان مقلقني. مراتى كانت متعلقة بالطفل بشكل غريب، كأنها بتعوض سنين حرمانها في لحظة واحدة، وسارة كانت ساكتة أغلب الوقت، عينيها دايمًا فيها خوف… خوف مش بيروح.

في ليلة هادية، وأنا داخل المطبخ أشرب ميه، سمعت صوت همس جاي من ناحية الأوضة القديمة. الصوت ماكنش غريب… كان صوت سارة، بس مش لوحدها.

وقفت مكاني، قلبي بدأ يدق بسرعة، وقربت بالراحة من الباب. الصوت كان أوضح… كانت بتتكلم مع حد.

“أنا قلتلك ما تيجيش هنا تاني… الوضع بقى خطر.”

سكتت شوية، وكأنها بتسمع رد… بس مفيش حد تاني ظاهر.

“لا… مش هينفع. هما طيبين… وأنا مش هأذيهم.”

اللحظة دي حسيت ببرودة غريبة في جسمي. فتحت الباب فجأة… لقيتها قاعدة لوحدها، الطفل نايم جنبها، ومفيش أي حد تاني.

بصتلي بخضة، وقالت بسرعة: “في حاجة؟”

كنت هسألها… أواجهها… بس سكت. حاجة جوايا قالتلي إن في حاجة أكبر من مجرد بنت مستخبية.

رجعت مكاني، بس النوم ما جاش. فضلت أفكر في كل التفاصيل… المنور، خطيبها، ظهورها المفاجئ… كل حاجة كانت فيها فراغات.

تاني يوم، قررت أطلع للدور اللي فوق… شقة الست اللي سارة قالت إنها كانت شغالة عندها.

الشقة كانت مقفولة من زمان، والتراب مالي المكان. سألت البواب عنها… بصلي باستغراب وقال:

“البنت دي؟! دي ماتت مع الست من أكتر من سنة… الحريق اللي حصل فاكر؟”

الكلمة نزلت عليا زي الصدمة.

“مين؟ سارة؟”

هز راسه وقال: “أيوه… كانت شغالة عندها، وماتوا الاتنين.”

رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي. الكلام كان بيرن في وداني بشكل مرعب. لو ده حقيقي… يبقى اللي عايش معانا مين؟

دخلت الشقة، لقيت مراتى شايلة الطفل وبتغني له بهدوء. المشهد كان طبيعي جدًا… لدرجة مرعبة.

بصيت على سارة… كانت واقفة في الممر، بتبصلي بنفس النظرة اللي شفتها أول مرة… خوف، وحزن، وكأنها عارفة أنا عرفت إيه.

قربت منها، وقلت بصوت مهزوز: “إنتي… مين؟”

سكتت… والدموع نزلت من عينيها ببطء.

“أنا كنت موجودة فعلًا… بس مش زي ما أنت فاكر.”

الجو في البيت اتغير في اللحظة دي. الهواء بقى تقيل، والنور خفت كأن المكان نفسه بيسمعنا.

قالت بصوت واطي: “أنا ما خرجتش من هنا… يوم الحريق، استخبيت في الفتحة… وفضلت هنا.”

“بس…”

قاطعتني وقالت: “أنا كنت بموت… واحدة واحدة… لحد ما بقيت زي ما أنت شايف.”

رجعت خطوة لورا، وأنا مش مستوعب… ولا قادر أصدق.

لكن الحاجة الوحيدة اللي كانت حقيقية جدًا… الطفل.

بصيت عليه، وقلت: “طيب… الطفل ده؟!”

ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “ده الحاجة الوحيدة اللي لسه حقيقية في حياتي.”

وقتها، مراتى قربت، حضنت الطفل أكتر، وكأنها خايفة حد ياخده منها.

وقالت بصوت ثابت رغم الدموع: “أنا مش فارق معايا إيه الحقيقة… الطفل ده هيفضل هنا.”

سارة بصتلها نظرة امتنان… نظرة مليانة راحة لأول مرة.

وقالت بهدوء: “أنا كنت مستنية ده… حد يحبه… حد يعيش بدالي.”

النور رجع طبيعي فجأة… والجو هدي.

لكن لما بصينا حوالينا…

سارة… ما كانتش موجودة.

اختفت… كأنها عمرها ما كانت هنا.

بس المرة دي، ما كانش في خوف…

كان في هدوء غريب… ونهاية مفتوحة لبداية جديدة.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي