في ليلة عيد جوازي… حماتي فاجأتني بورقة طلاق قدام الكل، لكن اللي حصل بعدها قلب كل الموازين

في ليلة عيد جوازي… حماتي فاجأتني بورقة طلاق قدام الكل، لكن اللي حصل بعدها قلب كل الموازين


أنا اسمي ريهام، وعمري ما كنت من الناس اللي بتحب تحكي عن نفسها، بس اللي حصل معايا خلاني أحس إن السكوت بقى نوع من الظلم لنفسي. من سنة بالظبط، كنت واقفة بنفس المكان اللي وقفت فيه تاني، بس الفرق إن وقتها كنت داخلة حياتي الجديدة وأنا فاكرة إني داخلة على أمان، على بيت، على راجل هيبقى سندي. كنت داخلة وأنا شايفة إن مهما كانت الظروف صعبة، طالما في احترام ومودة، كل حاجة ممكن تتصلح.

محمود دخل حياتي بشكل عادي جدًا، مفيهوش أي حاجة ملفتة في الأول، راجل هادي، بيضحك قليل، وبيسمع أكتر ما بيتكلم. يمكن ده اللي شدني له، حسيت إنه مش من النوع اللي بيحب المشاكل. بس اللي ماكنتش واخدة بالي منه وقتها، إن اللي ما بيحبش المشاكل… أحيانًا بيهرب منها، حتى لو كانت على حساب أقرب الناس له.

أول مرة دخلت بيتهم بعد الجواز، حسيت بإحساس غريب كده، مش مريح، بس حاولت أقنع نفسي إنه توتر طبيعي. حماتي كانت واقفة مستنياني، مبتسمة، بس ابتسامة فيها حاجة مش مريحة. مش قادرة أشرحها، بس كانت زي ابتسامة حد بيستقبل ضيف مش مرحب بيه قوي.

الأيام عدت، وابتدت الصورة توضح أكتر. الكلام اللي بيتقال قدام الناس حاجة، واللي بيتقال بيني وبينها حاجة تانية خالص. كانت بتعرف توصل رسالتها من غير ما تغلط صراحة. جملة بسيطة زي “إنتي لسه صغيرة ومحتاجة تتعلمي” كانت بتتقال بطريقة تحسسني إني أقل، إني ناقصة.

مرة ورا مرة، بقى واضح إن الموضوع مش سوء تفاهم. لأ، دي طريقة تعامل ثابتة. كانت بتتعمد تحطني في مواقف محرجة قدام العيلة، وتسيبني أشتغل لوحدي في أي تجمع، كأني واحدة من الشغالين مش مرات ابنها. وكل ده وهي قدام الناس تقول: “دي بنتي”.

كنت بسأل نفسي كتير: ليه ساكتة؟ وليه مستحملة؟ والإجابة كانت دايمًا واحدة: أنا مستنية. مستنية أشوف الآخر، مستنية الحقيقة تظهر كاملة، مش نص نص. لأن اللي كنت عايزاه فعلاً هو إني أعرف أنا متجوزة مين، وعشت مع ناس إيه.

محمود، رغم كل ده، عمره ما وقف في صفي. كان دايمًا يختار أسهل حل: السكوت. ولو اتكلم، يبقى عشان يهدّي الموضوع، مش عشان ياخد موقف. وده كان بيكسرني أكتر من أي كلمة كانت بتتقال لي.

لحد ما جت ليلة عيد جوازنا. حفلة بسيطة، زي ما اتفقنا. بس أول ما دخلت، حسيت إن الجو مختلف. في حاجة متحضرة، حاجة مش مفهومة. الناس موجودة، الضحك عالي، بس فيه توتر مستخبي.

وأول ما عيني جت عليها، فهمت ليه. حماتي كانت لابسة أبيض. أبيض صريح، مش لون هادي ولا درجة قريبة، لأ، أبيض واضح جدًا. لحظة غريبة، حسيت فيها إني أنا الضيفة وهي صاحبة المناسبة.

كانت ماشية وسط الناس بثقة مبالغ فيها، بتدي تعليمات، وبتتكلم كأنها هي اللي عاملة كل حاجة. محمود واقف جنبها، كعادته، موافق على كل حاجة من غير نقاش.

الحفلة كانت ماشية عادي، لحد اللحظة اللي غيرت كل حاجة. ضحكتها العالية قطعت الكلام كله، ولفتت انتباه كل اللي موجودين. أنا عارفة الضحكة دي كويس… دي مش ضحكة فرح.

قالت إنها عندها هدية خاصة ليا. الناس سكتت، وبدأت تقرب. جابت علبة شيك، شكلها شيك جدًا، واتقدمت ناحيتي. وأنا، رغم كل إحساسي إن في حاجة غلط، خدت العلبة بهدوء.

فتحتها… وللحظة، حسيت إن الصوت حواليا اختفى. ورقة طلاق. جاهزة. متحضرة. مستنية توقيعي.

اللي حواليّ بدأوا يهمسوا، وكل واحد بيبص للتاني. وهي واقفة، مبتسمة، مستنية اللحظة اللي أنهار فيها. قالت قدام الكل إني بقيت حرة، وإن ده أحسن لي.

أنا بصيت لها… وابتسمت.

مش تمثيل، ومش تحدي، كانت ابتسامة فيها راحة حقيقية. لأني ببساطة، كنت مستنية اللحظة دي من زمان، بس مش بالطريقة دي. قلت لها “شكرًا”، وده كان كفيل إنه يلخبط كل حساباتها.

اللي ماكنتش تعرفه، إن السنة دي كلها أنا ماكنتش بس مستحملة. أنا كنت ببني حاجة تانية خالص. قبل الجواز، كنت شغالة على مشروع تقني كبير جدًا، حاجة أخدت مني شهور شغل متواصل، وسهر، وضغط. ونجح.

المشروع ده اتباع بمبلغ كبير جدًا، كفيل يغير حياة أي حد. بس أنا اخترت إني ما أقولش. كنت عايزة أشوف الحقيقة من غير أي تأثير.

وفي نفس الليلة، قررت إن الحقيقة تظهر.

طلعت فلاشة من شنطتي، وشغلتها على الشاشة. بدل الصور، ظهرت تسجيلات. صوتها وهي بتتفق تبيع البيت من غير علم ابنها. مستندات، تواريخ، تفاصيل واضحة.

الناس اتسمرت مكانها، وهي وشها بدأ يتغير. وبعدين ظهر عقد البيت… باسمي أنا.

بهدوء قلت لها إن البيت ده بقى ملكي، وإنها كانت بتخطط تبيعه وهو أصلاً خرج من إيدها. الموقف اتقلب في ثانية.

محمود حاول يتكلم، يقرب، يفهم… بس أنا كنت خلاص وصلت لنقطة مفيهاش رجوع.

ورقة الطلاق اللي كانت مفروض تكسرني، كانت بالنسبة لي مفتاح خروج. حاجة خلّت كل حاجة تبقى واضحة، من غير تردد.

ناديت الأمن، والموضوع انتهى بشكل هادي، من غير صريخ، من غير مشهد مبالغ فيه. كل واحد أخد حجمه الطبيعي.

خرجت من المكان وأنا حاسة إني رجعت لنفسي بعد فترة طويلة. مش انتصار على حد، قد ما هو رجوع لكرامتي.

وأهم حاجة اتعلمتها، إن مش كل خسارة خسارة بجد… في حاجات بتبقى نجاة، بس بتيجي في شكل صدمة.

بعد ما خرجت من الفيلا، ما بصّتش ورايا تاني. مش عشان كنت قوية زيادة عن اللزوم، بالعكس… كان جوايا ألف إحساس متلخبط، بس كنت عارفة إن أي لحظة تردد ممكن ترجّعني لنقطة أنا تعبت عشان أطلع منها. ركبت العربية، وقعدت شوية قبل ما أمشي، إيدي على الدريكسيون بس مش قادرة أدور الموتور. كنت محتاجة أستوعب إن كل حاجة انتهت فعلًا، وإن الصفحة دي اتقفلت من غير رجوع.

الطريق كان هادي بشكل غريب، أو يمكن أنا اللي كنت سامعة صوت أفكاري أكتر من أي حاجة حواليا. افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده، كنت شايفة كل حاجة فيه كبيرة ومرتبة، وكنت فاكرة إن ده معناه استقرار. دلوقتي فهمت إن الاستقرار مش في شكل المكان، الاستقرار في الإحساس اللي جواه… وأنا عمري ما حسّيت بيه هناك.

وصلت شقتي… الشقة اللي كنت محتفظة بيها من قبل الجواز. محدش كان يعرف عنها حاجة غيري. دخلت، وقعدت على الكنبة، وسكت. لأول مرة من شهور طويلة، مفيش حد بيبصلي بنظرة حكم، مفيش حد مستني مني خدمة، مفيش صوت بيقولي أنا أقل.

عدّى يوم… واتنين… والتليفون ما سكتش. أرقام غريبة، قرايب، ناس من الحفلة، حتى ناس ما أعرفهمش. كله عايز يفهم إيه اللي حصل. وأنا؟ ما كنتش عايزة أشرح. اللي حصل كان واضح، واللي شاف بعينه مش محتاج حد يحكي له.

محمود حاول يكلمني أكتر من مرة. في الأول ما رديتش. بعدين، في مرة، رديت. صوته كان مختلف، هادي زيادة عن الطبيعي، وكأنه بيختار كلماته بحذر.

قال لي: “ريهام… أنا عايز أفهم بس.”

سكت شوية قبل ما أرد. مش لأني مش عارفة أقول إيه، بس لأني كنت بحاول أقرر هل الكلام له معنى أصلًا ولا لأ. قلت له بهدوء: “تفهم إيه يا محمود؟ اللي حصل قدامك، وكنت واقف ساكت.”

ما ردش بسرعة. وبعدها قال جملة أنا كنت مستنياها من زمان… بس للأسف جت متأخر: “أنا غلطت.”

ابتسمت، بس هو طبعًا ما شافش. قلت له: “مش المشكلة إنك غلطت… المشكلة إنك ما حاولتش تصلح.”

المكالمة خلصت من غير شد ولا زعيق، وده كان أغرب من أي حاجة. كأننا بنقفل باب بهدوء، بعد ما كنا عايشين جوه دوشة سنين.

بعدها بكام يوم، بدأت أرجع لحياتي الطبيعية. شغلي، مشاريعي، خططي اللي كنت مأجلاها. لأول مرة، حسيت إن عندي وقت وطاقة أركز على نفسي، مش على محاولة إرضاء ناس عمرهم ما كانوا ناويين يرضوا.

لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في اللي فات… كانت في اللي جاي.

في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي، السكرتيرة دخلت وقالت لي إن في واحدة عايزة تقابلني، ومصرة. سألتها مين، قالت الاسم… سكت شوية قبل ما أقول: “خليها تدخل.”

حماتي.

دخلت… بس مش بنفس الشكل اللي شوفته آخر مرة. مفيش ثقة زيادة، مفيش نظرة من فوق لتحت. كانت هادية، زيادة عن الطبيعي، وكأنها شايلة هم كبير.

وقفت قدامي، وأنا ما قمتش من مكاني. مش تعمد، بس لأني حسيت إن ده مكاني دلوقتي، وأنا مش محتاجة أثبت حاجة.

قالت: “ممكن نتكلم؟”

أشرت لها تقعد. القعدة كانت تقيلة، مليانة كلام ما اتقالش. بصّت حواليها، يمكن لأول مرة تشوفني في مكاني الحقيقي، بعيد عن الصورة اللي كانت راسماها عني.

قالت بصوت واطي: “أنا غلطت.”

الغريب إن الجملة دي، اللي كنت مستنياها منها طول السنة، ما فرحتنيش. بالعكس، حسيت إنها فقدت قيمتها. لأن الاعتراف لما بييجي متأخر، بيبقى زي رسالة وصلت بعد ما الموضوع خلص.

بصيت لها وقلت: “كلنا بنغلط.”

استغربت الرد، يمكن كانت مستنية هجوم أو شماتة. بس أنا فعلاً ما كانش عندي طاقة لكده.

قالت لي إنها خسرت كتير، وإن الأمور خرجت عن سيطرتها، وإنها كانت فاكرة إنها بتحمي ابنها… بس اكتشفت إنها كانت بتخسره.

سمعت، من غير ما أقاطع. مش عشان مهتمة بكل التفاصيل، بس عشان كنت عايزة أقفل الصفحة دي بشكل نظيف.

في الآخر، سألتني سؤال بسيط: “في فرصة؟”

فكرت شوية، وبعدين قلت: “في فرصة إن كل واحد يبدأ من جديد… بس مش سوا.”

الكلام كان واضح، من غير قسوة. وهي فهمته. قامت، وشكرتني، ومشيت.

وأنا فضلت قاعدة مكاني، حاسة بشيء غريب… مش انتصار، ومش حزن. يمكن سلام. سلام إني أخيرًا اخترت نفسي، من غير ما أحتاج أبرر ده لحد.

الحياة ما وقفتش، بالعكس، بدأت تتحرك بشكل أسرع. واللي كنت فاكرة إنه نهاية، طلع مجرد بداية بشكل مختلف… بداية أنا اللي برسمها المرة دي.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي