بصي على إيدها
في حاجات كتير في حياتنا بنعديها كأنها عادية، رغم إنها ممكن تكون أهم لحظة في عمرنا كله. لحظة صغيرة، كلمة، نظرة… حاجة بسيطة جدًا، لكنها بتفرق بين إنك تعيش عادي، أو إن حياتك تتشقلب بالكامل. اللي حصل معايا يومها كان من النوع ده… نوع اللحظات اللي بعدها مفيش حاجة بترجع زي الأول.
كنت رايحة المستشفى أزور بنت أخويا “سلمى”. من ساعة الحادثة وأنا مش مستوعبة إن البنت اللي كانت ماليه البيت ضحك بقت فجأة ساكنة بالشكل ده. الحادثة كانت صعبة، واللي شافها قال إنها نجت بأعجوبة… بس الحقيقة إنها ما كانتش نجاة كاملة، كانت واقفة في النص بين الحياة والموت.
أخدت ياسين ابني معايا. هو عنده 8 سنين، بس قلبه حساس بطريقة غريبة. كان متعلق بسلمى جدًا، يمكن أكتر مننا كلنا. كانت بتدلعُه، تلعب معاه، وتخليه يكسب حتى لو هي خسرانة، بس عشان تشوفه مبسوط.
دخلنا أوضة الرعاية، وكان فيه هدوء غريب… مش هدوء مريح، لأ، هدوء تقيل كده، كأن المكان شايل وجع كتير. صوت الأجهزة هو الحاجة الوحيدة اللي بتكسر الصمت، صوت منتظم، بس بارد… مالوش روح.
بصيت لسلمى… وشها متغير، ملامحها هادية زيادة عن اللزوم، كأنها مش هي. إيدها على جنبها، ساكنة. قربت منها، ومسكت إيدها… كانت دافية، بس من غير أي رد فعل. الإحساس ده صعب يتوصف… إنك تمسك إيد حد بتحبه ومتحسش إنه موجود.
وقفت شوية أكلمها، أقولها إننا جنبها، وإن ياسين مستنيها، وإنها لازم تقوم… بس جوايا كان فيه إحساس تقيل إن الكلام ده يمكن أنا اللي محتاجاه، مش هي.
وفجأة، حسيت بياسين بيشد دراعي جامد. بصيت له لقيت عينه واسعة، ومركز في إيد سلمى.
قال بهدوء غريب:
“ماما… بصي على إيدها.”
قلت له وأنا بحاول أطمنه:
“يا حبيبي دي في غيبوبة… مش حاسة بحاجة.”
هز راسه بسرعة، وقال بإصرار:
“لا… هي مش نايمة… هي بتشد إيدها.”
الكلام شدني، رغم إني كنت شايفة إنه مجرد خوف طفل. بصيت كويس… ولاحظت إن إيدها فعلاً مقبوضة جامد جدًا، بطريقة مش مريحة. صوابعها مش طبيعية، كأنها ماسكة حاجة بقوة.
قربت أكتر، وبدأت أفك صوابعها واحدة واحدة… الموضوع ما كانش سهل، كانت ناشفة ومتشددة كأنها رافضة تسيب اللي ماسكاه. ولما أخيرًا فتحتها… وقعت في إيدي ورقة صغيرة.
الورقة كانت متطبقة ومكرمشة، كأنها اتكتبت بسرعة وبعصبية. فتحتها… وإيدي بتترعش.
“لو جرالي حاجة… دي مش حادثة. دوروا على موبايلي… أنا مخبياه في…”
وقفت عند الكلمة دي… لأن باقي الجملة مش موجود. بس المعنى كان كفاية يخلي قلبي يقع.
في اللحظة دي، صوت الأجهزة اتغير فجأة. الصفارة علت، والدكاترة دخلوا بسرعة. اتحركنا لبرة غصب عننا.
وأنا خارجة، بصيت عليها… بس ياسين كان باصص ناحية الستارة، وقال بهدوء خلى جسمي يقشعر:
“هو كان واقف هناك.”
سألته: “مين؟”
قال: “اللي عمل كدة.”
الكلمة دي فضلت ترن في ودني. لما خرجت، بصيت حواليّا، وشوفت راجل لابس بالطو أبيض، واقف بعيد شوية. ماكنش بيتحرك، بس كان باصص علينا بشكل مريب.
ياسين مسك إيدي وقال: “هو ده.”
الراجل لاحظ، ولف ومشي بسرعة. حاولت أجري وراه، بس المكان كان زحمة… ولما وصلت، كان اختفى.
رجعت تاني وأنا تايهة. الورقة في إيدي، والكلام اللي فيها بيلف في دماغي. افتكرت كلام ياسين عن المخدة… دخلت تاني، ومديت إيدي تحتها بهدوء.
لمست حاجة… وسحبتها.
كان موبايل.
مش جديد… موبايل قديم، كأن حد متعمد يخبيه.
خرجت بسرعة، وقعدت في العربية. حاولت أفتحه… جربت كل حاجة. فجأة افتكرت حاجة بسيطة جدًا… لعبتها مع ياسين.
جربت الرقم… واتفتح.
فتحت الموبايل… مفيش حاجة تقريبًا، غير تسجيل واحد. شغلته.
صوت سلمى… خايف، مش زي صوتها خالص:
“أنا عرفت… مش هسكت…”
وصوت راجل رد بهدوء تقيل:
“لو اتكلمتي… هتندمي.”
اتجمدت مكاني.
الصوت ده… أنا عارفاه.
كان عادل.
في اللحظة دي، حد خبط على الإزاز. رفعت عيني… ولقيته قدامي.
كان واقف، ملامحه متغيرة، وقال بهدوء مرعب:
“هاتي الموبايل.”
مافكرتش. دست بنزين.
بدأ يطاردني، وأنا بسوق من غير تركيز، وياسين بيعيط ورا. فجأة، رسالة وصلت على الموبايل:
“الأوضة 302… بسرعة.”
فهمت فورًا… هو مش بس عايز الموبايل… هو عايز يخلص على سلمى.
رجعت المستشفى بدل ما أهرب. نزلت بسرعة، وصرخت عشان ألفت الانتباه. الناس اتجمعت، وأنا جريت جوه.
دخلت الأوضة… ولقيت الممرضة واقفة، ماسكة حقنة.
صرخت: “استني!”
اتخضت، والحقنة وقعت. بعدها كل حاجة حصلت بسرعة… الأمن، الشرطة، الكلام… كله دخل في بعضه.
بعد شوية، الحقيقة ظهرت. عادل كان خايف منها، لأنها اكتشفت حاجة تخصه. الحادثة ما كانتش صدفة.
لكن اللحظة اللي عمري ما هنساها… كانت لما الدكتور خرج وقال:
“هي فاقت.”
دخلت… وقلبي بيدق. لقيتها فاتحة عينها، وبصت لي… وقالت بصوت ضعيف:
“ياسين…”
ياسين جري عليها، وضحك، وقال:
“أنا كنت عارف.”
وقتها بس فهمت…
إن اللي أنقذها ما كانش الورقة… ولا الموبايل…
اللي أنقذها كان إحساس طفل، ما حاولش يفسر… بس شاف الحقيقة زي ما هي.
بعد ما سمعت كلمة “هي فاقت”، حسيت إن رجلي مش شايلاني. كنت واقفة في الطرقة قدام أوضة الرعاية، مش قادرة أتحرك، كأني خايفة أدخل وألاقي كل ده حلم ويتبخر. بس ياسين ما استناش، ساب إيدي وجري على جوه كأنه عارف الطريق لوحده.
دخلت وراه بخطوات بطيئة. الأوضة كانت هادية، بس مش نفس الهدوء التقيل اللي قبل كده… كان فيه نفس، فيه حياة. الأجهزة صوتها أهدى، كأنها ارتاحت شوية.
سلمى كانت فاتحة عينيها فعلًا… بس نظرتها كانت تايهة شوية، كأنها لسه راجعة من مكان بعيد. أول ما شافت ياسين، عينها لمعت، وشفايفها اتحركت بالعافية:
“إنت جيت…”
ياسين مسك إيدها بسرعة وقال وهو بيضحك ودموعه نازلة:
“قولتلك هتقومّي.”
قربت منهم، ووقفت جنب السرير. ماكنتش عارفة أقول إيه. كل الكلام اللي حضرته في دماغي اختفى. بس هي بصت لي… نظرة مختلفة، فيها خوف، وفيها حاجة مستخبية.
قالت بصوت ضعيف:
“الموبايل…”
بصيت حواليّا بسرعة، وقلت لها وأنا بهز راسي:
“معايا… ما تقلقيش.”
غمضت عينها لحظة، كأنها بتحاول ترتب كلامها. بعدين فتحتها وقالت:
“هو… مش لوحده.”
الجملة دي وقفت الزمن حواليا.
سألتها بهدوء:
“تقصدّي مين؟”
بس قبل ما ترد، دخل الدكتور وقال إن لازم نسيبها ترتاح. خرجت وأنا دماغي بيلف. “مش لوحده”… يعني إيه؟ هل في حد تاني غير عادل؟
ياسين كان ساكت المرة دي، على غير طبيعته. مسك إيدي وهو خارج، وبص لي وقال:
“ماما… هي كانت خايفة قبل ما تصحى.”
سألته: “يعني إيه؟”
قال: “كنت شايفها… بتقول لأ.”
الكلام كان غريب، بس بعد اللي حصل، بقيت ما بقدرش أستبعد أي حاجة.
عدت كام ساعة، والشرطة كانت لسه موجودة. عادل اتحجز، والممرضة اعترفت، بس الموضوع ما كانش خلص. كان فيه حاجة ناقصة… حاجة مش راكبة.
رجعت قعدت في العربية شوية، وفتحت موبايل سلمى تاني. التسجيل اللي سمعته قبل كده كان واضح، بس حسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة. رجعته تاني… وركزت.
في آخر التسجيل، قبل ما الصوت يقطع… كان فيه صوت خفيف جدًا، زي همسة… أو حد بيتكلم من بعيد.
كبرت الصوت… وسمعت كلمة واحدة:
“خلص الموضوع.”
الصوت ده… ماكانش صوت عادل.
رجعت المستشفى بسرعة. دخلت على الدكتور وسألته:
“في حد كان معاه لما دخل؟”
الدكتور استغرب، وقال:
“تقصدّي مين؟”
قلت له: “أي حد… زميل، حد من الإدارة، حد له علاقة بيه.”
فكر شوية وقال:
“هو كان بييجي معاه واحد مرة أو اتنين… بس ماعرفش هو مين.”
بدأت أحس إن الموضوع أكبر مما توقعت.
في نفس اللحظة، ياسين شد إيدي تاني. بصيت له، لقيته باصص ناحية نهاية الطرقة… نفس النظرة اللي شفتها قبل كده.
قال بهدوء:
“هو رجع.”
لفّيت بسرعة… وشوفت راجل واقف بعيد، بيبص ناحيتنا، وبعدين لف ومشي.
المرة دي ما استنيتش. جريت وراه.
الطرقة كانت طويلة، وهو كان بيمشي بسرعة، بس مش بيجري… كأنه واثق إني مش هلحقه. بس أنا كنت مصممة.
نزل على السلم الخلفي، وأنا وراه. قلبي كان بيدق، بس كنت مركزة. أول ما وصلنا للدور الأرضي، حاول يخرج… بس الأمن كان واقف.
وقف مكانه.
قربت منه، وقلت:
“إنت مين؟”
بص لي، وابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
“متدخليش نفسك في حاجة أكبر منك.”
الكلمة دي كانت كفاية تأكدلي إني في الطريق الصح.
الأمن مسكه، والشرطة بدأت تحقق معاه. بعد ساعات طويلة، الحقيقة بدأت تظهر… عادل ماكانش بيشتغل لوحده. كان فيه شغل أكبر، فلوس، وتزوير… وسلمى كانت عرفت.
الفرق الوحيد…
إنها ما سكتتش.
رجعت لها تاني بالليل. كانت أهدى شوية، وعينيها مركزة أكتر. قعدت جنبها، ومسكت إيدها.
قلت لها بهدوء:
“خلاص… كله بان.”
بصت لي وسألت:
“ياسين فين؟”
قلت لها: “برا… مستني يلعب معاكِ.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة… أول ابتسامة حقيقية من ساعة الحادثة.
في اللحظة دي، فهمت حاجة مهمة…
إن اللي حصل ما كانش مجرد حادثة ولا جريمة…
كان اختبار.
اختبار إنك تصدق إحساسك… حتى لو شكله بسيط.
اختبار إنك ما تسكتش… حتى لو الخوف أكبر.
واختبار إن الحقيقة… مهما حاولوا يدفنوها… بتلاقي طريقها.