الدفتر المدفون تحت البلاط

الدفتر المدفون تحت البلاط


الدفتر المدفون تحت البلاط

الحكاية ما بدأتش بخناقة كبيرة، ولا بصرخة هزت البيت، ولا حتى بسر انكشف فجأة. الحكاية بدأت زي أغلب الحكايات اللي بتكبر لحد ما تبقى كارثة: بتفصيلة صغيرة الناس بتعدّيها، وبتقول “معلش”، وبتسكت عليها لحد ما السكوت نفسه يبقى شريك في الجريمة. في بيت عيلة قديم في شبرا، بيت واقف من أيام ما كانت البيوت لسه ليها هيبة، جدرانه شايلة ريحة بخور داخلة في المسام، وريحة طشة الملوخية اللي بتطلع من المطبخ وقت الظهر فتتمشى في السلم وتخبط على قلوب الجيران قبل أبوابهم، كانت الحاجة فوزية هي القانون والدستور والستار والسكين في نفس الوقت. الست دي ما كانتش مجرد أم كبيرة في بيت عيلة، دي كانت مؤسسة كاملة، كلمة منها ترفع، وكلمة منها تنزل، ونظرة من عينيها تكفي تخلي واحدة من كناتها تعيد حساب عمرها كله. كانت تقعد في صدر الصالة على الكنبة الخشب الكبيرة اللي عليها مفرش كروشيه، ماسكة سبحّتها، ووشها ثابت، وصوتها فيه الحسم اللي يخليك تحس إن الجدران نفسها بتاخد الإذن منها قبل ما تتنفس. ابنها الكبير عصام كان قرة عينها فعلًا، مش بس لأنه الكبير، لكن لأنه كان مشروعها الخاص، النسخة اللي صنعتها بإيديها وفضلت تصقل فيها سنين، لحد ما بقى راجل هادي، مطيع، ما يعرفش يرفع عينه في عينها، حتى لو كان عنده أربعين سنة. ولما جه وقت جوازه، ما سابتش المسألة للقدر ولا للحب ولا للاختيار، هي اللي دورت، وهي اللي سألت، وهي اللي اختارت نورا.

نورا كانت داخلة البيت ده بقلب بنت لسه متخرجة، لسه الدنيا في عينيها فيها ألوان فاتحة، ولسه فاكرة إن الجواز بداية بيت صغير دافي، فيه زوج بيحمي، وأم زوج تبقى زي الأم التانية، ويمكن الحياة ما تبقاش سهلة، بس على الأقل تبقى محتملة. كانت بنت هادية فعلًا، ملامحها ناعمة، وصوتها واطي، وما تعلمتش الخبث ولا الرد القاسي، وكانت من النوع اللي وهو موجوع يبتسم عشان ما يزعلش اللي قدامه. أول يوم دخلت فيه البيت حسّت بشيء خانق، بس حاولت تقنع نفسها إن ده رهبة المكان الجديد. السلم كان ضيق، والحيطان قديمة، والشقة اللي فوق شقة الحاجة فوزية كانت صغيرة، لكنها نظيفة، وبالنسبة لها كانت بداية حلم. إلا إن الحلم اتخبط في أول أسبوع بكلمات بسيطة، لكنها كانت كافية تهد أول طوبة في الأمان. يومها الحاجة فوزية دخلت عليها وهي بتفرش الدولاب، وقالت بابتسامة ناشفة ما فيهاش لا دفا ولا حنان: “بصي يا نورا يا بنتي، إحنا هنا مابنحبش الأوض المقفولة، مفتاح شقتك يبقى مع أختك سحر، عشان لو عوزنا ملعقة سكر وإنتي نايمة ولا حاجة.” رفعت نورا عينيها باستغراب، وردت بأدب وتحفّظ: “بس يا ماما دي خصوصية.” وقتها خرجت الضحكة من بُق الحاجة فوزية باردة كأنها بتكسر عضم، وقالت: “خصوصية؟ مفيش خصوصية بين الأم وابنها يا حبيبتي، ولا إنتي ناوية تعزليه عننا من أولها؟” الجملة كانت شكلها عادي، لكن معناها كان إعلان صريح إن الشقة مش شقتها، والجواز مش حياتها، والباب اللي بيتقفل بالمفتاح ده مش من حقه يقفل فعلًا.

ومن يومها، ابتدت نورا تتعلم إن في بيوت العيلة، الجدران ليها ودان، والمفاتيح ما بتحفظش الأسرار، وإن الست اللي تحت دي ما كانتش بتراقب البيت حبًا، لكنها كانت بتراقبه ملكيةً. كانت ترجع نورا من زيارة عند أمها تلاقي أكواب المطبخ متبدلة، والفوط مترتبة بطريقتها هي، والعلب اللي كانت في رف تبقى في رف تاني، وتقول لنفسها يمكن أنا ناسية. لكن التكرار كان يفضح الحقيقة، والحقيقة أوضح من إنها تتدارى: الحاجة فوزية كانت بتدخل شقتها في غيابها، تلف فيها كما تشاء، وتلمس ما تشاء، وتعلّق على ما تشاء. حتى هدوم نورا ما كانتش بتسلم من الكلام. مرة شافتها ناشرة بلوزة لونها هادي، قالت لها قدام سحر: “هو ده لبس الستات المحترمة؟” ومرة فتحت الدولاب وهي واقفة، ومدت إيدها تقلب في الطقم اللي جابه لها عصام من شهر العسل، وقالت: “الصرف الكتير في اللبس ده ما يجيبش راجل، الست بشطارتها في بيتها.” كانت كلمات تبدو نصايح، لكنها في الحقيقة كانت شفرات صغيرة تقطع ثقة نورا في نفسها يومًا بعد يوم. وعصام؟ كان يسمع، يهز رأسه، ويبتسم ابتسامة مرتبكة، ثم يختار دائمًا الطريق الأسهل: الصمت.

مرت الشهور بطيئة كأن البيت نفسه بيطحن روح البنت سنّة وراء سنّة. نورا بقت تحس إنها ضيفة ثقيلة في مكان المفروض يكون بيتها، ضيفة لازم تستأذن في النفس، وتحسب كل حركة، وتفكر ألف مرة قبل ما تضحك بصوت عالي أو تقفل الباب أو حتى تقعد مع جوزها لوحدهم. كانت كل حاجة فيها مهددة بالتدخل، وكل لحظة خصوصية فيها معرضة للفتح والمقاطعة. الليل نفسه ما كانش ملكها؛ كتير كانت تسمع خبط على الباب في أوقات متأخرة، تفتح تلاقي سحر داخلة بكل بساطة تقول: “ماما عاوزة معلقة صغيرة” أو “نسيتوا اللمبة منورة” أو “ماما بتقول عصام ينزل لها.” وكل مرة كانت تشوف في عيني سحر طاعة عمياء، كأنهم كلهم ترس في ماكينة قديمة، والحاجة فوزية هي اليد اللي بتشد الذراع وتحركهم في الاتجاه اللي تحبه. نورا حاولت في الأول تكسب ود حماتها، قامت بدري، وساعدت، وسمعت وابتسمت، وتنازلت عن حاجات كتير، لكن كل تنازل كان بيتفسر على إنه ضعف، وكل صبر كان بيتحول في نظرهم إلى حق مكتسب. ولما الإنسان يدي من غير حدود، الناس اللي ما عندهاش رحمة ما تشكرهوش، دي بتكمل سحب لحد ما تفضيه.

واليوم اللي كسر جواها آخر ضلع في الصبر كان يوم عزومة خالات عصام. من الصبح بدري وهي واقفة في المطبخ، النار مولعة تحت أكتر من حلة، والعرق نازل من رقبتها لظهرها، وإيديها بين الرز والمحشي والبطاطس والصلصة واللحمة، وكل ده وهي بتحاول تعمل أحسن ما عندها عشان ماحدش يعيب فيها. ست ساعات كاملة ما قعدتش فيهم غير دقايق، كانت بتلف كأنها آلة، وفي قلبها أمل صغير إن يمكن النهارده الحاجة فوزية تمدحها قدام الناس ولو مرة، أو على الأقل تسكت. السفرة اتفردت، والأكل شكله يشرف، والخالات قعدوا، وكل واحدة فيهم جايبة معاها عيون فاحصة ولسان جاهز، ووقفت نورا تستنى رد الفعل وهي مرهقة ومتوترة، لحد ما خرج صوت الحاجة فوزية قدام الكل: “تسلم إيدك يا نورا، بس يا خسارة، الملح خانك في المحشي… باين عليكي كنتي مستعجلة عشان تقعدي تمسكي الموبايل.” ضحكة صغيرة خرجت من خالة من الخالات، والتانية قالت: “معلش يا فوزية، الجيل ده بتاع تيك توك مش بتاع محاشي.” الجملة كانت بسيطة في ظاهرها، لكن وقعها على نورا كان كأن حد جرّحها بسكينة في نص السفرة. رفعت عينيها على عصام تستغيث، تستنى كلمة، إشارة، حتى نظرة تقول أنا شايف اللي بيحصل. لكنه وطّى راسه في الطبق وقال بمنتهى البرود: “حصل خير يا نورا، ابقي ركزي المرة الجاية.” وقتها ما حسّتش بالإهانة وبس، حسّت إن جوزها شخصيًا سلّمها بيده للذبح، وإنها في البيت ده وحدها تمامًا، وإن اللي ما يدافعش عنها مرة، مش هيدافع عنها عمرًا.

في الليلة دي، ما عملتش خناقة، وما صرختش، وما قالتش كلمة واحدة زيادة. وده بالذات اللي كان مرعب. لأن الست لما تصرخ بتكون لسه بتطلب حقها، إنما لما تسكت فجأة بعد وجع طويل، يبقى جواها حاجة ماتت وحاجة تانية اتولدت. نورا قعدت على طرف السرير في الضلمة، وعصام جنبها بيتعامل مع اللي حصل كأنه تفصيلة بسيطة وهتعدي، وقال لها بنبرة دفاعية: “إنتي عارفة ماما طبعها كده، ما تكبريش الموضوع.” بصت له ساعتها نظرة طويلة، نظرة مشحونة بخيبة موجعة، لكن من غير دموع، وقالت في سرها إن كل اللي فات كانت بتقاتل عشان الجواز يعيش، أما من النهارده فهي هتعيش عشان نفسها بس، حتى لو فضلت في نفس المكان. ومن هنا بدأ التغيير. بقت هادية زيادة عن اللزوم، مبتسمة زيادة عن اللزوم، موافقة زيادة عن اللزوم، وده خلّى الحاجة فوزية ترتاح في الأول، لأن المستبد بيخاف من المقاومة الصريحة، لكنه غالبًا ما بيفهمش هدوء اللي قرر يرد في الوقت المناسب.

بعدها بأيام، تعبت الحاجة فوزية شوية. مجرد هبوط بسيط وإرهاق، لكنه كفاية يخليها تقعد على السرير يومين وتأن كل شوية عشان الكل يلف حواليها. يومها عرضت نورا من تلقاء نفسها إنها تنظف شقة الحاجة فوزية “ردًا للجميل” زي ما قالت، فاستغربوا كلهم. سحر نفسها بصتلها بريبة، لكن فوزية وافقت وهي شايفة إن الكنّة أخيرًا فهمت مقامها. دخلت نورا الشقة القديمة، وكانت الشقة فيها رهبة غريبة، كأنها شايلة أنفاس السنين، صور بالأبيض والأسود، دولاب خشب تقيل، سرير نحاس، برطمانات قديمة، مفارش متخزنة من زمن، وريحة خليط من بخور وكافور وعرق حزن قديم. كانت بتنضف ببطء، بعين مش بس بتشوف التراب، لكن بتفتش في كل حاجة عن تفسير للغل اللي جواني الست دي. هل هي كده بالفطرة؟ هل القسوة بتطلع لوحدها كده من غير سبب؟ ولما وصلت ورا الدولاب القديم، لاحظت إن في بلاطة من الأرضية مهزوزة. انحنت، رفعتها بفضول حذر، فتحت لها حفرة صغيرة مخفية تحت الأرض. جواها شنطة قماش قديمة جدًا، لونها باهت من الزمن، ومربوطة بخيط مقطوع من النص كأنه اتفتح واتقفل ميت مرة. قلب نورا خبط خبطات تقيلة، لكنها مدّت إيدها وطلعتها.

الشنطة من جوه كانت تقيلة بحاجات ما تتوقعهاش: صور لعصام وهو صغير، بعضها مع الحاجة فوزية، وبعضها في أوضاع غريبة، كأن الصورة متقصوصة من جنب، كأن فيه حد تاني كان واقف وتم شيله من الكادر. وتحت الصور كان فيه دفتر مذكرات قديم، غلافه متشقق، وصفحاته صفرا من السنين، ومكتوب بخط إيد فوزية نفسها. أول ما فتحت نورا أول صفحة، حسّت إنها بتتجسس على قلب مدفون، مش على مجرد كلام. كانت الكتابة مليانة شكاوى ووجع ومرارة من سنين قديمة، فوزية بتحكي فيها عن حماتها هي، عن الإهانات، عن التحكم، عن كسرة النفس، عن بيت دخلته عروسة وهي فاكرة إنها هتتبسط فيه، فإذا بها تتحول لخدامة في نظر الكل. كل صفحة كانت تقول إن الست دي اتظلمت زمان، وإنها شالت ما لا يُشال، وإنها كانت بتبكي من القهر وتعض على لسانها وتسكت. نورا وهي بتقرأ، حسّت للحظة بشفقة لم تتخيلها، كأنها شايفة النسخة الصغيرة من فوزية قبل ما السنين تفسدها. لكن الشفقة دي ما عاشتش غير لحظات. لأنها لما قلبت لصفحة أعمق في الدفتر، لقت الجملة اللي قسمت الليلة لنصفين: “عصام مش ابني الوحيد اللي عاش… سليم لسه عايش، والسر ده لازم يندفن معايا. لو عصام عرف إن أخوه التوأم في المصحة، البيت ده هيتهد.”

السطور دي ما كانتش كلمات، دي كانت قنبلة. نورا فضلت لحظات مش قادرة تستوعب، إيديها بترتعش، وعينها رايحة جاية على الكلام كأنها بتقرأه لأول مرة كل ثانية. توأم؟ مصحة؟ يعني عصام ليه أخ؟ يعني السنين دي كلها عايش على كدبة؟ ليه؟ وإزاي؟ وهل فوزية عملت كده خوفًا، ولا قسوةً، ولا طمعًا، ولا خجلًا من “كلام الناس” زي كل حاجة في البيوت القديمة اللي فيها السمعة أهم من الروح؟ جمعت الصور والدفتر وقفلت الشنطة، وحطتهم بسرعة، لكن عقلها ما اتقفلش. رجعت شقتها وهي ماشية كأنها شايلة لغم بين إيديها، وكل شيء حواليها بقى له معنى تاني؛ سيطرة فوزية، خوفها المرضي من الفضيحة، تعلقها المرضي بعصام، حتى نظراتها اللي فيها حدة كان جواها شيء أعمق من مجرد تسلط. كان جواها ذنب قديم، ذنب فاسد ومتعفن، وريحته طالعة من كل قرار خدته بعد كده.

من يوم ما عرفت، ونورا اتبدلت في عين نفسها قبل ما تتبدل في عين غيرها. بقت تبص للحاجة فوزية من فوق السر، مش من تحت سطوتها. بقت شايفة إن الست اللي كانت مرعبة للكل، في الحقيقة عايشة على خيط خوف رفيع، وإن أي شدّة صغيرة فيه ممكن توقعها. فوزية نفسها بدأت تحس. كانت تبص لنورا فتلاقي في عينيها شيء جديد، حاجة زي القوة، بس مش قوة الصوت، قوة المعرفة. ولأن المذنب بيشم الخطر حتى لو محدش اتكلم، بدأت تتحرك حوالينها بعصبية، تراقبها، تسألها أسئلة من نوعية: “مالك ساكتة ليه؟” و“في حاجة مضايقاكي؟” و“إنتي مخبية إيه؟” لحد ما جات الليلة الفاصلة. دخلت فوزية شقة نورا من غير استئذان كالعادة، لكن المرة دي الدنيا كانت ضلمة، والصالة ساكتة، ونورا قاعدة وحدها على الكنبة، ماسكة الدفتر فوق رجلها، ووشها نصه في النور ونصه في العتمة. للحظة، الحاجة فوزية وقفت مكانها كأن الزمن ضربها على قفاها. ملامحها انكمشت، وصوتها خرج مخنوق: “إنتي… إنتي جبتي ده منين؟” رفعت نورا عينيها ببطء، والهدوء اللي في صوتها كان مرعب أكتر من أي صراخ: “جبت السر اللي إنتي بتمارسي بسببه جبروتك علينا يا ماما. بتطلعي كبت سنين وظلم حماتك فيّ أنا؟ وعاوزة تخبي عن عصام إن ليه أخ محروم من حقه؟”

انهارت فوزية لحظتها، مش انهيار درامي مصطنع، لكن انهيار واحد اتعِب من حمل الجريمة سنين طويلة. قربت منها وهي بتمد إيديها المرتعشة ناحية الدفتر: “هاتي الدفتر يا بنتي… إنتي مش فاهمة. سليم لو عرفناه لعصام، عصام هيسيبنا ويجري ورا سراب. سليم مريض… وأبوه هو اللي وصاني أخبي. قال لي ده خلاص، ملوش شفا، ووجوده هيكسر البيت وهيضيع اسمنا.” لكن نورا وهي سامعاها، ما شافتش أم خايفة، شافت ست اختارت السهولة لنفسها، واختارت تدفن ابن حي عشان تحافظ على شكل البيت من برة. كانت لسه هترد، لكن جرس الباب ضرب فجأة ضربات متتالية وقوية، هزت الصالة هزًا. الاتنين بصوا لبعض برعب فطري. نورا قامت وهي فاكرة إنه عصام نسي المفتاح. لكن أول ما فتحت الباب، الزمن وقف. لأن اللي كان واقف قدامها ما كانش عصام، لكنه كان عصام نفسه في نسخة مهشمة؛ نفس الملامح، نفس العيون، نفس خط الفك، لكن الوجه مطفي، والدقن طويلة، والهدوم قديمة ومبهدلة، والريحة طالعة منه مزيج تراب وحبس ونجاة من موت قريب. الرجل بص للحاجة فوزية اللي وقعت من طولها أول ما شافته، وابتسم ابتسامة باهتة وقال: “أخيرًا لقيت العنوان يا أمي… المصحة اتحرقت، والكل مات… إلا أنا.”

ما لحقتش نورا تستوعب الكلمة، لأنها في نفس اللحظة سمعت صوت مفتاح عصام في باب الشقة البراني. دخل عصام وهو بيقول بعفوية: “يا نورا أنا جيت، مش هتصدقي حصل إيه في الشغـ…” لكن الجملة ماتت في زوره. وقف متسمر في مكانه، والشنطة وقعت من إيده، وعينه فضلت تتنقل بين أمه الملقاة على الأرض، وبين الراجل اللي واقف قدامه كأنه بيبص في مراية متشروخة راجعة له من قبر قديم. سليم قرب ببطء، ومد إيده المرتعشة على كتف عصام، وقال بصوت شاحب فيه حنين ومرارة وضياع: “عصام؟ إنت كبرت قوي يا أخويا… فوزية كانت بتقولي إنك سافرت ونسيتني.” عصام رجع خطوة لورا، عينه على نورا، ووشه بقى أبيض كأنه اتسحب منه الدم: “ده مين يا نورا؟ مين ده اللي شبهي كده؟ وأمي مالها؟” وقتها، وببرود غريب لم تتوقعه هي نفسها، رفعت نورا الدفتر وقالت: “دي الحقيقة يا عصام… الحقيقة اللي أمك كانت دافناها تحت البلاط. ده سليم، أخوك التوأم اللي اتقال لك إنه مات وهو صغير، لكن الحقيقة إنه كان محبوس في مصحة بعيدة عشان البرستيج وعشان كلام الناس.”

كانت الجملة كفاية تهد رجل جبل. الحاجة فوزية بدأت تفوق، وأول ما شافت الولدين واقفين جنب بعض، خرجت منها صرخة مزقت هواء البيت: “يا خيبتك يا فوزية! السر اللي عشت عمري بخبيه ضاع في لحظة!” أما عصام، اللي طول عمره كان الابن المطيع، فانفجر فجأة كأنه كان مخزون فيه الغضب كله من سنين، مستني الشرارة. صوته طلع زي الرعد: “بقى بتظلمي مراتي وتتحكمي في لقمة أكلنا وتعملي فيها الست المؤمنة، وإنتي رامية ابنك من لحمك ودمك في خرابة ومفهماني إنه مات؟ إنتي إيه يا شيخة؟” مدّت فوزية إيدها ناحيته: “يا ابني كنت خايفة عليك، أخوك تعبان، كان هيضيع مستقبلك…” لكنه نفض إيدها بعنف وقال: “مستقبلي اللي اتبنى على كدبة ملوش لزمة.” والصالة كلها تحولت في دقائق قليلة إلى محكمة، فيها أم متهمة، وابن مكسور، وابن راجع من الجحيم، وزوجة واقفة في النص لا هي منتصرة تمامًا ولا بريئة تمامًا من رغبة الانتقام اللي كانت ساكنة فيها.

وسط الفوضى دي، خدت نورا سليم من إيده ودخلته المطبخ. قعدته على كرسي، جابت له مية، وبعدين لقمة، وكانت وهي بتتحرك حواليه حاسة بحاجة متشابكة جواها؛ جزء منها مرتاح لأن الحقيقة خرجت، جزء شامت في فوزية، وجزء تالت مرعوب من الرجل ده نفسه. لأن عينيه ما كانتش عيون مريض ضايع وبس، كانت فيها لمعة حادة، لمعة واحد فاهم أكتر ما بيبين، وساكت أكتر ما لازم. دخل عصام عليهم المطبخ بعد شوية، ملامحه سايحة من الصدمة، وقال بصوت مكسور: “نورا… أنا مش عارف أعمل إيه. أنا حاسس إني بحلم.” رفعت نورا عينيها له وقالت بحسم عمره ما شافه فيها: “مفيش وقت للحلم يا عصام. أخوك هنا، وده بيته زي ما هو بيتك. وأمك لازم تفهم إن زمن التحكمات انتهى. البيت ده من النهارده هيمشي بكلمتي أنا، وإلا الدفتر ده والصور دي هتبقى في القسم، وبكرة الصبح الحارة كلها هتعرف سر الحاجة فوزية اللي كانت بتعاير الناس بفضايحهم.” كانت بتتكلم بثقة، لكن الحقيقة إنها هي نفسها ما كانتش شايفة آخر الطريق. كل اللي كانت تعرفه إنها أخيرًا مسكت الزمام ولو للحظة، وأرادت أن ترد الإهانة بإذلال أكبر.

الحاجة فوزية سكتت بعدها بشكل مخيف. دخلت أوضتها وقفلت الباب على نفسها، والبيت سقط عليه صمت تقيل، الصمت اللي يسبق المصايب الكبيرة. نورا راحت تحضر لقمة زيادة، وحاولت تهدي عصام وسليم بأي شكل، لكن الإحساس اللي كان مالي المكان ما كانش جوعًا ولا تعبًا، كان رائحة خراب. وبعد ساعة تقريبًا، جرس الباب ضرب من جديد. عصام قام يفتح وهو متوقع حد من الجيران سمعوا الصوت، أو يمكن سحر رجعت من عند خالتها. لكنه فتح على رجل قانون ببدلة رسمية، ومعاه اتنين عساكر. ملامحه جامدة، وصوته عملي: “ده بيت الحاجة فوزية؟” رد عصام بتوتر: “أيوه… خير؟” قال الرجل: “إحنا عندنا أمر بضبط وإحضار الحاجة فوزية، بتهمة التستر على جريمة حصلت في المصحة من عشرين سنة، وبناءً على بلاغ متقدم من شخص مجهول بعت لنا تسجيلات قديمة بصوتها وهي بتتفق مع مدير المصحة على إخفاء شخص ميت إكلينيكيًا.”

الكلمات وقعت على الصالة كأنها شظايا زجاج. عصام رجع لورا وهو مش مصدق إن الليلة السودا دي لسه بتطلع مفاجآت من بطنها. نورا وقفت مكانها، وحسّت إن الأرض بتبرد تحت رجليها، وبصت على سليم. كان قاعد بياكل بهدوء غريب، هدوء لا يليق بواحد لسه خارج من مصحة اتحرقت، ولا بواحد اكتشف عيلته من جديد. كان بياكل كأنه متأكد إن كل حاجة ماشية حسب الخطة، وعلى وشه ابتسامة خفيفة ملتبسة، ما تقدرش تقول فيها حزن ولا فرحة، لكنها أكيد ما كانتش براءة. بعدها بثواني، مال سليم على ودن نورا وهمس بصوت واطي جدًا: “فاكرة إني مجنون بجد يا نورا؟ أنا اللي بعت البلاغ من تليفون الممرض قبل ما أحرق المصحة وأهرب. الدور دلوقتي عليكي… هتساعديني آخد ورثي من عصام، ولا ألحقك بأمي؟”

في اللحظة دي، نورا فهمت إن الكارثة لسه ما بدأتش أصلًا. كل اللي فات كان مجرد فتح باب، أما اللي جاي فهو البيت كله وهو بينهار على دماغ اللي فيه. حسّت ببرد تلج بيجري في عروقها، وبصت له فرأت إن الشبه بينه وبين عصام خارجي فقط، لكن الداخل شيء تاني تمامًا؛ شيء اتربى في العزلة والظلم والكراهية لحد ما بقى قادر يحرق مكان كامل ويخرج منه ما بين الرماد بابتسامة. حاولت تحافظ على ملامحها ثابتة، لكن جواها كان في زلزال. هي كانت فاكرة إنها اكتشفت سر حماتها، فإذا بها تكتشف إنها حررت وحشًا قديمًا من قفصه. رجل القانون كان بينادي على الحاجة فوزية، والعساكر اتحركوا ناحية أوضتها، وعصام واقف في النص ضايع، مش عارف ينقذ أمه ولا يصدق أخوه ولا يواجه مراته، والبيت القديم اللي عاش سنين على التماسك الكاذب بدأ يطلع منه صرير الحقيقة من كل حتة.

الحاجة فوزية خرجت من أوضتها وهي شبه شبح، طرحتها مائلة، ووشها أصفر، وعينيها غرقانة في الذل والرعب. أول ما شافت العساكر، ما سألتش عن التهمة ولا حاولت تنكر، كأنها كانت عارفة إن يوم الحساب جاي مهما طال الزمن. لكن قبل ما يمدوا إيديهم عليها، بصت على سليم نظرة عمر نورا ما هتنساها، نظرة أم شايفة في ابنها اللي ظلمته نهاية ظلمها كله، ونظرة مذنب فهم أخيرًا إن السر لما يطول دفنه، ما بيتحولش لتراب، بيتحول لقنبلة. قالت بصوت مبحوح: “أنا غلطت… بس النار اللي جواك دي مش هتسيب حد.” سليم ابتسم لها، ابتسامة باردة خالية من الرحمة، وقال: “وأخيرًا صدقتِ يا أمي.” كان صوته هادي، لكن الهدوء ده كان أسوأ من الصراخ. لأن في الصراخ انفعال، إنما في هدوئه ده كان فيه قرار.

عصام حاول يتكلم، حاول يمسك طرف من أي حقيقة ما تزلهوش، لكن كل الحقيقة كانت بتدفعه ناحية الهاوية. قرب من سليم، وقال له بصوت مكسور: “لو إنت أخويا بجد… أنا ماليش ذنب.” رد سليم من غير ما يرفع صوته: “وأنا كمان كان ماليش ذنب. بس أنا اتدفنت حي عشان حياتك تطلع نظيفة.” الجملة اخترقت عصام، وخلى نورا تشوف لأول مرة إن الليلة دي مش فيها شرير واحد وبس، لكن فيها منظومة كاملة من الجبن والسكوت والخوف من كلام الناس هي اللي ولّدت الشر. فوزية بدأت بجريمة، والأب وافق، والمصحة شاركت، والعيلة عاشت على وهم، وعصام كبر مدللًا لا يرى، ونورا دخلت البيت ضحية، ثم لمّا عرفت السر استخدمته كسلاح، والآن السلاح نفسه رجع على الكل. ماحدش طلع بريء تمامًا، حتى الصامت له نصيب من الدم.

وقفت نورا في قلب المشهد، والدفتر لا يزال في يدها، وفهمت إنها وصلت للحظة ما ينفعش فيها لا برود ولا انتقام صغير. سليم ما كانش جاي يطلب حقه بالقانون، ولا عايز حضن أم، ولا صلح أخ، سليم كان جاي ينتقم من الزمن كله. وهددها بوضوح. لأول مرة من يوم جوازها، حسّت إن معركتها ما بقتش مع حما متسلطة ولا زوج جبان، لكن مع خراب خالص ممكن يبلعها لو وقفت مكانها. بصت لعصام، وكان واضح إنه لسه بيغرق في صدمة التوأم والكدبة والبلاغ. بصت على فوزية وهي بين إيدين العساكر، وبصت على سليم وهو متربع في المطبخ كأنه صاحب البيت الجديد، واكتشفت إن البيت الكبير فعلًا اتهد، مش بالحجارة، لكن بالحقائق اللي خرجت من تحت البلاط دفعة واحدة.

وفي اللحظة اللي العساكر خدوا فيها الحاجة فوزية ناحية الباب، والجار اللي في آخر السلم بدأ يفتح عينه على الصوت، ونباح كلب من الشارع طلع يزيد رهبة المشهد، اتخذت نورا قرارها الحقيقي لأول مرة من غير خوف ولا مجاملة. ضمّت الدفتر إلى صدرها، ورفعت صوتها بثبات وهي بتبص لسليم مباشرة: “لا هساعدك تسرق، ولا هسيبك تهددني. واللي بدأته أنا هكمله للآخر بالقانون، مش بالنار.” التفت لها سليم ببطء، والابتسامة اللي على وشه وسعت كأنها بتكشف عن وجهه الأصلي، وجه واحد ما عادش عنده ما يخسره. أما عصام، فبص لها بذهول، كأنه للمرة الأولى يشوف الست اللي عايش معاها حقيقةً، لا الكنّة الهادية اللي بيطلب منها تستحمل، ولا الزوجة اللي تسكت. البيت كله كان واقف على حافة ليل أسود، والباب مفتوح على سلالم شبرا القديمة، والهواء داخل بريحة تراب ورطوبة وفضيحة. وفي قلب السكون المشروخ ده، كانت نورا عارفة إن الليلة دي مش نهاية الحكاية، دي أولها. لأن بعض الأسرار لما تطلع للنور، ما بتنضفش البيت… دي بتحرقه، وتسيب اللي نجا منه يلف وسط الرماد يدور: مين فينا كان الضحية… ومين كان الشيطان من البداية؟

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان