رجعت من الغربة مفلسة.. بس اللي حصل كشف الحقيقة وقلب حياتهم في ليلة واحدة

رجعت من الغربة مفلسة.. بس اللي حصل كشف الحقيقة وقلب حياتهم في ليلة واحدة


رجعت من الغربة مفلسة.. بس اللي حصل كشف الحقيقة وقلب حياتهم في ليلة واحدة

بعد سنين طويلة من الغربة، سنين كانت بتمر عليا تقيلة كأن كل يوم فيهم سنة، قررت أرجع… أرجع مش بس لبلدي، لكن لنفسي، لذكرياتي، للبيت اللي كنت فاكرة إنه لسه مستنيني زي ما سيبته، دافي ومفتوح، حتى لو أنا اتأخرت عليه. كنت طول السنين دي بحلم باللحظة دي، لحظة الرجوع، لحظة إن أفتح باب البيت وأشم ريحة أمي، وأسمع صوت أختي، وأحس إني أخيرًا بطلت أجري ورا لقمة العيش وبقيت وسط أهلي اللي تعبت علشانهم. لكن الحقيقة اللي استنيتني كانت مختلفة تمامًا… مختلفة بشكل موجع لدرجة إني ما كنتش متخيلة إن الدم ممكن يكون بالبرود ده.

كنت واقفة قدام باب البيت، نفس الباب اللي أنا دفعت تمنه من عرقي، من صحتي، من دموعي اللي كانت بتنزل وأنا بمسح سلالم بيوت ناس غريبة في بلد بعيدة، وأنا بحاول أقنع نفسي إن التعب ده كله له مقابل… إن في يوم هرجع ألاقي أهلي عايشين مرتاحين بسببي، وهلاقي نفسي في حضنهم. لبسي كان متبهدل، وشنطتي متقطعة، كنت عاملة نفسي مفلسة، تعبانة، مكسورة… بس الحقيقة إن التمثيل كان نصه بس، النص التاني كان وجع حقيقي، وجع إنك تجرب تشوف أهلك هيعملوا فيك إيه لو افتكروك خلاص خلصت.

خبطت على الباب، وقلبي بيدق بسرعة مش من الخوف، لكن من الترقب… يمكن لسه في خير، يمكن أول ما يشوفوني يجروا عليا، يمكن أكون ظلمتهم في خيالي. الباب اتفتح، وظهرت أمي… نفس ملامحها، نفس النظرة، بس الإحساس مختلف… مفيش حضن، مفيش لهفة، مفيش حتى صدمة حلوة. كانت واقفة بتبص لي وكأني حد غريب، حد تقيل، حد جاي في وقت مش مناسب.

كلامها وقع عليا زي حجر تقيل… سألتني ببرود إيه اللي جابني، وكأن البيت مش بيتي، وكأني مش بنتها اللي كانت بتبعت لها كل شهر فلوس علشان تعيش مرتاحة. حاولت أتماسك، قلت لها إني تعبانة ومحتاجة أقعد يومين بس، لحد ما ألاقي شغل… كنت بكسر نفسي وأنا بقول الكلام ده، لأن اللي بين السطور كان أصعب: كنت عايزة أشوف هما هيعملوا إيه.

سماح، أختي، ظهرت من وراها، لابسة لبس شيك، وشعرها متظبط، وفي إيديها فوطة مطرزة… عرفت الطقم ده، أنا اللي بعتهولها من سنتين. بصت لي نظرة كلها حكم مسبق، نظرة اللي شايف نفسه فوقك، وقالتلي كلامها كأنه سكينة بتتغرز في قلبي: “البيت مليان، مفيش مكان”. كدب… أنا اللي بنيت البيت، أنا اللي عارفة كل طوبة فيه، كل أوضة، كل متر… بس سكت، لأن السكوت كان جزء من الخطة.

أمي سابتني واقفة، ودخلت تشرب شاي في طقم الكريستال اللي أنا جايباه، ولبست نظارتها اللي أنا دافعة تمنها، وابتدت تحاسبني على غيابي… كأن الغربة كانت خيانة، مش تضحية. كلامها كان كله لوم، كله تجريح، كله قلب للحقايق… نسيت إن كل جنيه دخل البيت ده كان طالع من شقاي، من غربة كنت فيها لوحدي، بلا سند.

وسماح، كملت المشهد، طلعت موبايلها الجديد، اللي أنا برضه اللي جايباه، وقالتلي أشوف خالتي سعاد، “اللي بتحب تلم القطط الضالة”. الكلمة وقفت الزمن، حسيت كأن الدنيا كلها سكتت، وكأن الصوت الوحيد اللي مسموع هو صدى الكلمة دي جوا دماغي. قطط ضالة؟ أنا؟ اللي بنيت البيت ده؟ اللي صرفت عليهم عمر؟!

وقفت، مسكت شنطتي، وإيدي بتترعش… بس مش من الضعف، من الغضب، من الإهانة، من اللحظة اللي أخيرًا الحقيقة كلها اتجمعت فيها. أمي رمت آخر كلمة، وقالتلي ما أبعتش فلوس تاني… ساعتها بس، فهمت كل حاجة. أنا بالنسبة لهم كنت “مصدر”… ولما افتكروا المصدر خلص، قرروا يرموه.

لكن هما ما يعرفوش إن اللي قدامهم مش نفس أمل اللي سافرت زمان… أنا اتغيرت، اتعلمت، اتكسرت واتصلحت، وبقيت أعرف كويس أوي إمتى أسكت… وإمتى أتكلم. سحبت نفس طويل، وهدت… الهدوء اللي بييجي قبل الانفجار.

طلعت المفتاح من الشنطة… مش أي مفتاح، مفتاح البيت الحقيقي… وساعتها، لأول مرة، وشوشهم اتغيرت. قلت لهم الحقيقة، بهدوء يخوف… البيت باسمي، التوكيل اتلغى، وكل حاجة رجعت لي. كل كلمة كنت بقولها كانت بترجعلي حقي، كانت بتغسل جرح جوايا.

اللي حصل بعد كده كان متوقع… تحول مفاجئ في الكلام، محاولة تبرير، تمثيل حب فجأة… بس أنا كنت خلاص شفت الحقيقة. مفيش رجوع، مفيش تراجع، لأن اللي اتكسر جوايا مش بيتصلح بسهولة.

خرجت من البيت، بس مش مكسورة زي ما دخلت… خرجت وأنا رافعة راسي، وأنا حاسة إن لأول مرة من سنين طويلة أنا حرة. الدموع نزلت، بس مش نفس الدموع… دي كانت دموع راحة، دموع إنك أخيرًا شفت الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.

تاني يوم، رجعت… مش لوحدي، رجعت ومعايا حقي، ومعايا القانون، ومعايا قوة التنفيذ. كل حاجة كانت واضحة، كل ورقة، كل إثبات… مفيش مجال للكلام أو التمثيل. البيت رجع لي رسميًا، واللي كان فاكر نفسه صاحب المكان، خرج منه بنفس الطريقة اللي كان هيطلعني بيها.

وقفت في الصالون، نفس الصالون اللي كنت بحلم بيه وأنا بره، وبصيت حواليّا… كل حاجة كنت فاكرة إنها هتديني أمان، بس الحقيقة إن الأمان مش في المكان… الأمان في الناس، ولما الناس تخذلك، المكان بيبقى مجرد حيطان.

بس المرة دي، الحيطان دي كانت شاهدة على حاجة أهم… على إن أمل رجعت، مش بس لبيتها، لكن لنفسها، لكرامتها، لحقها. ومهما كان الثمن، النتيجة كانت واضحة: أنا مش ضحية… أنا صاحبة حق.

عدّى أسبوع كامل بعد اللي حصل، أسبوع كنت فيه قاعدة في البيت لوحدي لأول مرة من سنين، بس المرة دي مش لوحدي بمعنى الوحدة… لا، كنت لوحدي بمعنى الراحة. البيت كان هادي بشكل غريب، مفيهوش صوت حد بيأمر، ولا نظرة حد بتقيم، ولا كلمة حد بتكسر. كنت بصحى الصبح على نور الشمس اللي داخل من الشباك، نفس الشباك اللي كنت بحلم بيه وأنا في الغربة، بس المرة دي النور كان مختلف… كان داخل على قلبي قبل ما يدخل الأوضة.

كنت بتمشى في البيت كأني بتعرف عليه من جديد… كل ركن فيه حكاية، وكل تفصيلة كانت بتفكرني بحاجة دفعت تمنها من عمري. الكنبة اللي في الصالون… فاكرة اليوم اللي اشتغلت فيه 14 ساعة متواصلة علشان أقدر أحوش تمنها. النجفة اللي في السقف… فاكرة إني وقتها كنت تعبانة جدًا بس رفضت آخد يوم إجازة علشان “المصاريف”. كل حاجة حواليا كانت دليل إني ما كنتش غلطانة لما تعبت… الغلط الوحيد كان إني حطيت تعبي في إيد ناس ما استاهلوش.

لكن الهدوء ده ما كانش خالي من التفكير… بالعكس، كان مليان. كنت بقعد بالساعات أفكر في كل اللي فات، في كل موقف، في كل كلمة، في كل مرة كنت بقول “معلش دول أهلي”. اكتشفت إن كلمة “أهلي” دي كانت أكبر حجة كنت بضحك بيها على نفسي علشان أستحمل اللي ما يتستحملش.

وفي يوم، وأنا قاعدة بشرب القهوة، جرس الباب رن… الصوت رجع لي إحساس قديم، إحساس القلق. فتحت الباب، ولقيت أمي واقفة. ملامحها كانت مختلفة، مش نفس الثقة، ولا نفس البرود… كانت باينة تعبانة، أو يمكن مكسورة. وراها كانت سماح، بس المرة دي مش لابسة دهب ولا ماسكة موبايل بثقة… كانت واقفة ساكتة، عينيها في الأرض.

وقفوا قدامي، وسكتوا… لأول مرة ما لقيتش منهم كلام جاهز. أمي بدأت تتكلم، صوتها كان ضعيف: “يا بنتي… إحنا غلطنا”. الكلمة بسيطة، بس وقعت تقيلة. مش علشان أنا مستنياها، بالعكس… أنا كنت خلاص عديت المرحلة دي. بس لأن الكلمة دي جات متأخرة أوي.

سماح رفعت عينيها وبصت لي، وقالت بصوت مهزوز: “إحنا ما كناش فاهمين… فاكرينك خلاص خلصتي”. الجملة كانت صريحة بشكل صادم… مفيش تبرير، مفيش لف، مجرد حقيقة: هم كانوا مستنيينني أخلص.

وقفت قدامهم، وبصيت لهم كويس… كنت بحاول أفتكر أنا كنت شايفة فيهم إيه زمان. يمكن حب؟ يمكن أمان؟ يمكن سند؟ بس الحقيقة إن الصورة دي كانت اتكسرت خلاص، ومهما حاولت ألزقها

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان