رحلة إلى قعر جهنم – كيف فك فريق استكشاف عماني طلاسم بئر برهوت في اليمن

رحلة إلى قعر جهنم – كيف فك فريق استكشاف عماني طلاسم بئر برهوت في اليمن


في قلب صحراء محافظة المهرة شرقي اليمن، توجد حفرة عملاقة سوداء تتثاءب كفم وحش أسطوري يبتلع كل ما يقترب منه. لقرون طويلة، نسجت المخيلة الشعبية حول هذه الحفرة، المعروفة باسم “بئر برهوت”، حكايات تقشعر لها الأبدان. أطلق عليها السكان المحليون لقب “قعر جهنم”، واعتقدوا جازمين أنها سجن أبدي للجان ومردة الشياطين، وأن رائحتها الكريهة ما هي إلا أنفاس العالم السفلي. وبسبب هذا الخوف المتوارث، تجنب الناس حتى الاقتراب منها أو التحدث عنها بصوت عالٍ.

ولكن، حيثما ينتهي مسار الخرافة، يبدأ مسار العلم والشجاعة. في إنجاز تاريخي وجيولوجي غير مسبوق، قرر فريق استكشاف كهوف عُماني كسر هذا الحاجز النفسي، وتجهيز معداتهم للنزول إلى المجهول. هذه المقالة الموسوعية تأخذك خطوة بخطوة في رحلة الهبوط المرعبة إلى قاع البئر، لنجيب على أسئلة حيرت البشرية لمئات السنين: ماذا يوجد حقاً في الأسفل؟ هل هناك غازات سامة؟ وما هو التفسير العلمي والجيولوجي لهذه الظاهرة الطبيعية المذهلة؟

أسطورة بئر برهوت – سجن الجان وأسوأ ماء على وجه الأرض

قبل الغوص في الحقائق الجيولوجية، يجب أن نفهم حجم الهالة المرعبة التي أُحيطت بهذه البئر. التراث الشعبي والديني في المنطقة يزخر بالقصص المنسوبة لبئر برهوت.

جذور الخرافة في التراث

تناقلت الأجيال حكايات تفيد بأن البئر حُفرت بأيدي الجان لتكون سجناً للمتمردين منهم. وذكرت بعض الكتب التراثية القديمة أن مياهها هي “أسوأ ماء على وجه الأرض”، وأن أرواح الأشرار تجتمع فيها. وقد ساهم في تعزيز هذه الأساطير عدة عوامل طبيعية كانت تُفسر بشكل خارق للطبيعة:

  • الظلام الدامس: يبلغ قطر فتحة البئر السطحية حوالي 30 متراً، وتتسع في الأسفل لتصل إلى أكثر من 100 متر، هذا الاتساع يمنع وصول أشعة الشمس إلى القاع، مما يخلق ظلاماً مرعباً يبتلع النور.
  • الروائح الكريهة: كان الرعاة يشمون روائح تعفن شديدة تنبعث من البئر بين الحين والآخر، ففسروها بأنها روائح الكبريت القادمة من العالم السفلي أو من جثث الشياطين.
  • اختفاء الأشياء: أي شيء يسقط في البئر، سواء كان طائراً أو حيواناً، لا يعود أبداً، مما عزز فكرة وجود قوة ساحبة مجهولة في القاع.

رحلة الهبوط – فريق استكشاف الكهوف العماني يواجه المجهول

تطلب كسر هذه الأسطورة جهداً هندسياً وبدنياً هائلاً. الفريق العماني لاستكشاف الكهوف لم يعتمد على الشجاعة فقط، بل تسلح بأحدث التقنيات العلمية، أجهزة استشعار الغازات، معدات التسلق الاحترافية، وكاميرات التصوير عالية الدقة.

التجهيز واختبارات الأمان الأولية

قبل نزول أي فرد من الفريق، كان التحدي الأكبر هو قياس مستوى الأكسجين والغازات السامة في القاع. الحفر العميقة المغلقة قد تتراكم فيها غازات مميتة مثل ثاني أكسيد الكربون أو كبريتيد الهيدروجين. قام الفريق بإنزال أجهزة استشعار متطورة، وجاءت النتائج مطمئنة بشكل مفاجئ؛ مستويات الأكسجين كانت طبيعية جداً، ولا يوجد أي تركز لغازات سامة تمنع التنفس، مما أعطى الضوء الأخضر لبدء الهبوط البشري.

خطوات في الفراغ

بدأ أعضاء الفريق بالنزول التدريجي عبر الحبال. الهبوط لمسافة تتجاوز 112 متراً (ما يعادل بناية مكونة من 40 طابقاً) في قلب الظلام تطلب ساعات من التركيز الشديد. مع كل متر ينزلونه، كان الضوء يختفي، وكانت أصوات قطرات المياه وهفيف الرياح داخل التجويف الصخري تصنع صدى مخيفاً يفسر لماذا اعتقد القدماء أن البئر تصدر أصواتاً بشرية أو صرخات.

“بمجرد وصولنا إلى القاع، لم نجد ناراً ولا سجناً للجان. وجدنا نظاماً بيئياً فريداً ومذهلاً، تحفة جيولوجية نحتتها المياه عبر ملايين السنين في قلب الصخر”. – من شهادات الفريق المستكشف.

ماذا وجد الفريق في قاع “قعر جهنم”؟ (الاكتشافات العلمية)

بمجرد أن لامست أقدام المستكشفين قاع البئر، تبددت الخرافات وتبخرت الأساطير أمام روعة الجيولوجيا وعظمة الطبيعة. المشهد في الأسفل لم يكن مرعباً، بل كان ساحراً وفريداً من نوعه.

1. شلالات المياه الجوفية الصافية

على عكس الأسطورة التي تتحدث عن ماء نتن يغلي، وجد الفريق شلالات مياه جوفية عذبة ونقية تتدفق من ثقوب وشقوق في جدران الكهف الصخرية. هذه المياه كانت تتجمع في برك صغيرة في الأسفل. الشرب من هذه المياه أو فحصها أثبت أنها مياه جوفية طبيعية جداً، غنية بالمعادن، وتدفقها المستمر هو ما يمنعها من الركود أو التعفن.

2. لآلئ الكهوف النادرة (Cave Pearls)

أحد أجمل الاكتشافات في قاع بئر برهوت كان “لآلئ الكهوف”. وهي تكوينات كلسية نادرة جداً تتشكل عبر آلاف السنين نتيجة تساقط قطرات المياه المحملة بكربونات الكالسيوم. تقوم هذه القطرات بتغليف حبيبات الرمل الصغيرة بطبقات متتالية من الكلس، لتتشكل في النهاية كرات ناعمة وخضراء أو رمادية تشبه اللؤلؤ الحقيقي. هذا الاكتشاف الجيولوجي يُعد دليلاً قاطعاً على النشاط المائي المستمر والبطيء داخل البئر.

3. مصدر “الرائحة الكريهة” – لغز تم حله

أما بخصوص الرائحة النتنة التي أخافت السكان لقرون، فقد كان تفسيرها بيولوجياً وبسيطاً جداً. وجد الفريق في قاع البئر هياكل عظمية للعديد من الحيوانات، الطيور، والثعابين التي سقطت خطأً في الحفرة ولم تتمكن من الخروج. تحلل هذه الجثث في بيئة رطبة ومغلقة نسبياً هو المصدر الوحيد لتلك الروائح العفنة التي كانت تصعد إلى السطح مع تيارات الهواء الساخن، ولم يكن هناك أي أثر لكبريت أو غازات شيطانية.

4. الحياة الفطرية في الأسفل

رغم الظلام الدامس، لاحظ الفريق وجود حياة فطرية تأقلمت مع هذه البيئة القاسية، مثل أنواع معينة من الثعابين، الضفادع، والخنافس، بالإضافة إلى طبقات من الطحالب الخضراء الزاهية التي نمت حول برك المياه، مستفيدة من تسربات الضوء الخافتة التي تصل إلى أجزاء معينة من القاع في أوقات محددة من النهار.

التفسير الجيولوجي لبئر برهوت (ظاهرة التخسف الأرضي)

لإغلاق ملف الأساطير بالكامل، يقدم علماء الجيولوجيا تفسيراً علمياً دقيقاً لكيفية تشكل هذه البئر العملاقة. بئر برهوت ليست صنيعة نيزك، ولا حفرة بركانية، بل هي ظاهرة جيولوجية تُعرف باسم “الخسف الأرضي” (Sinkhole) أو “الكارست” (Karst Topography).

تحدث هذه الظاهرة في المناطق التي تكون صخورها الأساسية قابلة للذوبان في الماء، مثل الحجر الجيري (Limestone) أو الصخور الكلسية والدولوميت. عبر آلاف أو ملايين السنين، تتسرب مياه الأمطار الحمضية قليلاً إلى باطن الأرض، وتقوم بإذابة هذه الصخور ببطء شديد، مكونة كهوفاً وتجاويف عملاقة تحت الأرض. مع استمرار التآكل واتساع الكهف السفلي، تضعف القشرة السطحية للأرض (السقف)، وفي لحظة ما، تنهار هذه القشرة السطحية فجأة لتشكل حفرة عملاقة مكشوفة كما نراها اليوم.

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول بئر برهوت

كم يبلغ عمق وعرض بئر برهوت في اليمن؟

يبلغ عمق بئر برهوت حوالي 112 متراً، ويبلغ قطر فتحتها العلوية حوالي 30 متراً، لكنها تتسع بشكل كبير كلما نزلنا إلى الأسفل لتصل إلى قطر يبلغ حوالي 116 متراً في قاع الكهف.

هل تعرض أعضاء الفريق العماني لأي أذى أو حالات اختناق في القاع؟

لا، لم يتعرض الفريق لأي أذى بدني أو اختناق. أثبتت أجهزة القياس أن مستويات الأكسجين طبيعية جداً وتسمح بالتنفس بشكل مريح دون الحاجة لأسطوانات أكسجين إضافية، كما لم يتم رصد أي غازات سامة مشتعلة.

ما هي لآلئ الكهوف (Cave Pearls) التي تم العثور عليها؟

هي تكوينات كلسية طبيعية نادرة تتشكل عندما تتساقط المياه المحملة بالمعادن على حبيبة رمل صغيرة داخل برك الكهف، فتتكون حولها طبقات متتالية من الكالسيت، لتصبح كروية وملساء تشبه اللؤلؤ الطبيعي الثمين، ولكنها مصنوعة من الحجر.

 انتصار نور العلم على ظلام الخرافة

إن إنجاز الفريق العماني لاستكشاف الكهوف بالنزول إلى قاع بئر برهوت وتوثيق كل شبر فيه، لم يكن مجرد مغامرة رياضية أو استكشافاً جغرافياً فحسب، بل كان تحريراً للعقل البشري من قيود الأساطير التي دامت لقرون. لقد أثبتوا لنا أن “قعر جهنم” المزعوم ليس سوى لوحة فنية جيولوجية رسمتها المياه بصبر عبر ملايين السنين.

ستظل بئر برهوت معلماً سياحياً وجيولوجياً فريداً في محافظة المهرة اليمنية، ولكنها اليوم لم تعد مصدر رعب يثير الفزع في النفوس، بل أصبحت مزاراً يثير الدهشة ويحفز على التفكر في قدرة الخالق وعظمة التكوينات الجيولوجية التي يخبئها كوكبنا في أعماقه المظلمة.

 

انضم للمجتمع

نعمه سمير
نعمه سمير