بين الصمت والخذلان… حكاية حب ما اتفهمتش غير بعد فوات الأوان

بين الصمت والخذلان… حكاية حب ما اتفهمتش غير بعد فوات الأوان


الجوهرة التي لم تُرَ إلا بعد أن كادت تُفقد

في بعض الأيام، لا يحدث شيء واضح يمكن الإمساك به أو الإشارة إليه، ومع ذلك تشعر وكأن شيئًا كبيرًا يتحرك في الداخل، كأن الأرض تحت قدميك بدأت تميل ببطء دون أن يلاحظ أحد سواك. كان هذا هو حال سمر في ذلك الصباح. استيقظت مبكرًا على غير عادتها، ليس لأن لديها ما تفعله، بل لأن النوم لم يعد قادرًا على احتواء ذلك القلق الغامض الذي يسكن صدرها منذ أيام. كانت تتحرك في البيت بهدوء شديد، كأنها تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا داخلها، شيئًا تعرف أنه إن استيقظ لن تستطيع السيطرة عليه.

مرت بجانب الطاولة التي اعتادت أن تضع عليها فنجانين من الشاي كل صباح، توقفت لحظة، ثم وضعت فنجانًا واحدًا فقط. لم يكن قرارًا واعيًا، بل كان انعكاسًا لحالة داخلية بدأت تتشكل دون أن تعترف بها. نظرت إلى الفنجان الثاني الفارغ، ثم أبعدت عينيها سريعًا، وكأن النظر إليه أكثر من ذلك قد يفتح بابًا لا تريد فتحه الآن.

وقفت أمام المرآة، تحدق في انعكاسها طويلًا. لم تكن ترى فقط وجهها، بل كانت ترى سنة كاملة من حياتها مرت أمامها في لحظة واحدة. سنة من المحاولات الهادئة، من الكلمات التي اختارت أن لا تقولها، من التنازلات الصغيرة التي كانت تظن أنها ستُحدث فرقًا مع الوقت. لم تكن تشعر بالندم على ما فعلته، لكنها بدأت تدرك أن العطاء، مهما كان صادقًا، لا يضمن أن يُقابل بشيء مماثل.

دخل علي الغرفة بهدوء، كما يفعل دائمًا. لم يكن في خطواته أي توتر، بل على العكس، كان يبدو وكأنه انتهى من شيء مهم داخليًا. وقفت سمر للحظة دون أن تلتفت، لكنها شعرت بوجوده. كان هناك شيء مختلف في صمته، شيء حاسم، وكأن الكلام الذي سيقوله قد تم التفكير فيه جيدًا قبل أن يُنطق.

قال ببساطة: “أنا خطوبتي النهاردة يا سمر.”

الجملة كانت قصيرة جدًا، لكنها حملت في داخلها ثقلًا لا يُحتمل. التفتت إليه ببطء، وكأنها تحتاج وقتًا لتسمع ما قيل مرة أخرى داخل رأسها. لم تبكِ فورًا، لم تصرخ، فقط نظرت إليه، نظرة طويلة حاولت أن تبحث فيها عن أي تردد، أي شك، أي إشارة تدل على أنه قد يغير رأيه. لكنها لم تجد شيئًا.

قالت بصوت خافت: “وجوازنا؟” ثم توقفت قليلًا، وكأنها تحاول أن تختار كلماتها بعناية: “إزاي تقدر تبقى لحد غيري بعد كل اللي كان بينا؟”

لم يتهرب علي من السؤال، لكنه أيضًا لم يظهر تأثرًا واضحًا. قال بهدوء: “حاولت يا سمر… حاولت بجد. بس أنا بحب صفاء. ومقدرتش أوصل لإحساس ناحيتك حتى بعد السنة دي.”

في تلك اللحظة، شعرت سمر أن هناك جزءًا بداخلها كان يتمسك بأمل صغير، حتى لو لم تعترف به، قد انكسر تمامًا. لم يكن الألم في كلماته فقط، بل في وضوحها، في خلوها من أي احتمال للتراجع.

مسحت دموعها سريعًا، ليس لأنها لا تريد أن تبكي، بل لأنها لا تريد أن تبكي أمامه. قالت بهدوء: “أنا عملت اللي أقدر عليه… يمكن المشكلة مش فيا ولا فيك… يمكن في الحكاية نفسها.” ثم أضافت: “إنت حر.”

جلس علي قليلًا، وكأنه يفكر إن كان يجب أن يقول شيئًا آخر، ثم قال: “الحب مش بإيدينا.” كانت جملة بسيطة، لكنها خرجت وكأنها نهاية نقاش طويل.

ابتسمت سمر ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، وقالت: “عارفة… بس برضه كان نفسي المحاولة تكفي.”

خرج علي ليجهز نفسه، وبقيت سمر وحدها. لم تتحرك لعدة دقائق، كانت فقط تنظر إلى نفس المكان الذي كان يقف فيه. شعرت وكأن المكان نفسه أصبح فارغًا بشكل غريب، رغم أن كل شيء فيه لم يتغير.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط، وأغمضت عينيها. لم تبكِ في البداية، فقط تنفست ببطء، وكأنها تحاول أن تُقنع نفسها بأن ما حدث حقيقي. لكن الدموع جاءت في النهاية، بصمت، دون صوت، كما كانت تفعل دائمًا.

مر الوقت ببطء شديد، وكأن الساعة قد توقفت عن الحركة. وعندما قررت أن تنهض، لم يكن ذلك لأنها أصبحت أفضل، بل لأنها قررت أن لا تسمح لهذا اليوم أن يكسرها أمام الآخرين.

ارتدت ملابسها بعناية، وقفت أمام المرآة مرة أخرى، وضبطت حجابها، ومسحت آثار الدموع، ثم خرجت.

في القاعة، كان كل شيء على عكس ما بداخلها. ضحكات، موسيقى، تهاني، ألوان، حركة… حياة كاملة تدور حولها وكأنها لا تنتمي إليها. رأت علي في المنتصف، يضحك، يتحدث، يتحرك بسهولة، وكأنه لا يحمل أي ثقل.

وقفت بعيدًا قليلًا، تراقب. لم تكن غاضبة، لم تكن حتى حزينة بنفس الشكل الذي كانت تتوقعه، كانت فقط تشعر بشيء أقرب للفراغ.

اقتربت في النهاية، وقالت بابتسامة خفيفة: “ألف مبروك.”

نظرت إليها صفاء بنظرة باردة، وقالت بحدة: “عايزة إيه؟ متغوري بقى.”

كان الرد مفاجئًا في حدته، لكن سمر لم ترد. فقط أومأت برأسها وقالت: “عن إذنكم.”

لكنها لم تستطع أن تتحرك. شعرت بدوار مفاجئ، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. حاولت أن تتمسك بأي شيء، لكن الرؤية بدأت تتلاشى. آخر ما سمعته كان صوت علي ينادي اسمها، قبل أن يغيب كل شيء.

في المستشفى، كان الصمت مختلفًا. لم يعد هناك ضوضاء، فقط صوت أجهزة خافتة، وهمسات، وقلق ظاهر على الوجوه.

وقف علي، يحاول أن يفهم ما يشعر به. لم يكن مجرد خوف عليها، بل كان هناك شيء آخر، شيء بدأ يتكون داخله دون أن يستطيع تسميته.

عندما خرجت الطبيبة وقالت: “المدام حامل”، لم يستوعب فورًا. احتاجت الكلمة وقتًا لتصل إليه، لتستقر، لتأخذ معناها الكامل.

شهرين… يعني أن كل هذا كان يحدث وهو منشغل بشيء آخر، بشخص آخر، بحياة كان يظن أنها ستمنحه ما لم يجده.

نظرت صفاء للأمر بطريقة مختلفة، وكأنها ترى فيه مشكلة يجب حلها، لا إنسانة تحتاج إلى دعم. كلماتها كانت قاسية، وربما لم تكن تقصد أن تكون كذلك، لكنها كانت كاشفة.

أما علي، فكان ينظر إلى سمر. هذه المرة، لم يرَ فقط زوجته، بل رأى كل ما قدمته دون أن يلاحظه. تذكر أشياء صغيرة: كوب الشاي الذي كان يجده جاهزًا، سؤاله إن كان متعبًا، صمتها عندما كان يتجاهلها.

عندما فتحت عينيها وقالت إنها كانت تخفي الأمر حتى لا تفسد يومه، شعر بشيء ثقيل في صدره. لم يكن حبًا مفاجئًا، بل كان إدراكًا متأخرًا.

وهنا، بدأ يتشكل داخله شعور واضح: ندم بعد الفقد.

لم يكن ندمًا على قرار فقط، بل على نظرة كاملة للحياة، على أشياء لم يرها، على قيمة لم يفهمها إلا بعد أن كادت تضيع.

قرار إلغاء الخطوبة لم يكن لحظة اندفاع، بل نتيجة لكل ما رآه في وقت قصير جدًا. لم يعد يستطيع أن يكمل وكأن شيئًا لم يحدث.

في البيت، كانت المواجهة مختلفة. هذه المرة، لم يكن يدافع عن اختيار، بل كان يعترف بخطأ.

وعندما قال إنه سيعود إلى سمر، لم يكن ذلك بدافع الشفقة، بل لأنه فهم أخيرًا.

عاد إليها، وجلس بجانبها، وقال بهدوء: “أنا مش جاي أطلب منك تنسي… أنا جاي أحاول أكون إنسان يستاهل اللي عملتيه.”

لم ترد سمر فورًا. نظرت إليه طويلًا، وكأنها ترى شخصًا جديدًا. لم تكن واثقة، لكنها لم تكن مغلقة أيضًا.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة، ليست مثالية، لكنها حقيقية. مرحلة مبنية على وعي، وعلى درس قاسٍ: أن بعض الأشياء لا نراها بوضوح إلا عندما نقترب من فقدها… وعندها فقط نفهم معنى ندم بعد الفقد.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي