في جلسة طلاقي ضحك وقال مين هينقذك.. لكنه ماكنش يعرف مين أمي

في جلسة طلاقي ضحك وقال مين هينقذك.. لكنه ماكنش يعرف مين أمي


في جلسة طلاقي ضحك وقال مين هينقذك.. لكنه ماكنش يعرف مين أمي

في جلسة طلاقي، كان كل شيء باين كأنه محسوم قبل ما يبدأ. القاعة نفسها كانت مليانة إحساس غريب، مزيج من الصمت والانتظار، ريحة خشب قديم وقهوة بايتة، مكان الناس بتدخل فيه متكسرة وتخرج منه يا إما منهارة يا إما فاضية. كنت قاعدة لوحدي على الترابيزة، إيدي متشابكة، مش علشان خايفة، لكن علشان أحافظ على هدوئي. فستاني الكحلي القديم كان شاهد على زمن تاني، زمن كنت فيه فاكرة إن الجواز أمان، وإن اللي معايا شريك مش خصم. قدامي، كان كريم الشافعي قاعد بكل ثقة، ضهره مسنود، ورجله فوق رجل، كأنه داخل اجتماع شغل مش جلسة بتحدد مصير أسرة.

لما القاضي طلب التعريف، محاميه وقف بثقة مفرطة، صوته مليان غرور، وكأن النتيجة معروفة سلفًا. ولما جه دوري، وقفت لوحدي، وقلت بهدوء “من غير محامي يا فندم”. اللحظة دي كانت كفيلة تقلب القاعة همس، ناس بتبص، ناس بتتساءل، وناس مستنية تشوف النهاية. كريم ما استحملش، ضحك بصوت عالي، ضحكة فيها شماتة أكتر منها سخرية، وقال وهو بيبصلي: “لا فلوس.. لا نفوذ.. ولا حد.. مين هينقذك؟” الكلمة كانت تقيلة، بس ما خبطتش في قلبي زي ما كان متخيل، لأنها ما كانتش جديدة عليا.

على مدار 12 سنة، كريم ما كانش بيهزمني مرة واحدة، كان بيهزمني بالتدريج. كل حاجة في حياتي كان بيقللها، شغلي وقف، صحابي بعدوا، فلوسي بقت تحت سيطرته، حتى قراراتي الصغيرة بقت محتاجة موافقته. كنت فاكرة إن ده حب، أو اهتمام، أو حتى خوف عليا، لكن الحقيقة إنه كان بيبني سجن حواليا، وأنا اللي كنت بساعده وأنا مش واخدة بالي. لحد اللحظة اللي اكتشفت فيها خيانته، مش مجرد شك، لا… حقيقة واضحة، صوت، رسالة، وكل حاجة.

لما واجهته، ما اعتذرش، ما حاولش يصلح، بالعكس، قلب الطاولة عليا، وحولني أنا للغلطانة. وفي ليلة واحدة، كل حساباتي اتجمدت، وكل حاجة باسمي بقت باسمه، وكأن حياتي كلها كانت مجرد ورق سهل يتسحب مني. لما طلبت الطلاق، كان واثق إن دي النهاية ليا، النهاية اللي هيشوفني فيها مكسورة، ضعيفة، ومستعدة أقبل بأي حاجة بس أخرج. لكنه ما كانش فاهم إن السكوت اللي كنت فيه ما كانش ضعف… كان تجهيز.

الجلسة بدأت، ومحاميه بدأ يعرض طلباته، طلبات مش بس ظالمة، دي كانت مهينة. الفيلا تبقى ليه، بنتي مريم تبقى معاه، وتعويض كأنه صدقة، كأنه بيشتري راحتي مش حقي. كريم كان بيبصلي كل شوية، مستني اللحظة اللي دموعي تنزل فيها، أو صوتي يهتز، أو أطلب تأجيل. لكنه ما شافش ده، شاف هدوء غريب، هدوء مش مفهوم، وده اللي بدأ يقلقه شوية، رغم إنه حاول يخبّي ده ورا ابتسامته.

القاضي بصلي، وكأنه هينهي الموضوع بسرعة، يمكن كان فاكر إني فعلاً لوحدي. لكن قبل ما ينطق، باب القاعة اتفتح. الصوت كان بسيط، لكن تأثيره كان تقيل. كل اللي في القاعة لف، وفي لحظة، الهمس اختفى. دخلت ست… مش مجرد ست، حضورها كان كفيل يفرض صمت. شعرها الأبيض كان بيديها هيبة، وخطواتها كانت ثابتة كأنها عارفة المكان ده كويس جدًا. الروب الأسود والوشاح الأحمر كانوا كفاية يعرفوا مين هي.

المستشارة ليلى منصور. الاسم لوحده كان كفيل يخلّي ناس كتير تقف. القاضي عدل قعدته، والمحامي بتاع كريم وشه اتغير، أما كريم نفسه، فالثقة اللي كانت مالية وشه اختفت في ثانية. بقى باصص مش مستوعب، كأن دماغه مش قادرة تربط الصورة. لأنها ما كانتش مجرد محامية دخلت، دي كانت واحدة من أقوى الأسماء في القانون، واحدة الناس الكبيرة نفسها بتخاف منها.

وقفت جنبي، من غير ما تبص له، وحطت إيدها على كتفي، وقالت بصوت ثابت: “بصفتي الموكلة عن ابنتي نادية… جئت لأسترد حق.” الكلمة الأخيرة كانت تقيلة، لأن معناها إن اللي جاي مش دفاع… ده هجوم. كريم حاول يتكلم، صوته اتكسر، وقال إنها معتزلة، لكنها ردت عليه بنظرة خلت الكلام يقف في بقه. “أنا اعتزلت القضايا… ما اعتزلتش إني أم.”

الملف اللي طلعته كان بداية النهاية. مستندات، توقيعات، توكيلات، كل حاجة كانت بتثبت إن كل اللي كان كريم فاكره ملكه… ما كانش ليه أصلاً. كل مليم، كل ورقة، كل حاجة كانت مبنية على تزوير واستغلال ثقة. القاعة اتقلبت، مش همس… ده كان صدمة. المحامي بتاعه بدأ يبعد، لأنه فهم إن الموضوع خرج من طلاق… وبقى قضية جنائية.

في اللحظة دي، لأول مرة، شفت كريم ضعيف. مش ضعيف زي ما كان عايزني أكون، لكن ضعيف بجد. وقع على الكرسي، عينه بتلف، وكأنه بيحاول يستوعب إزاي كل حاجة اتقلبت عليه في ثانية. بصيت له وقلت بهدوء: “كنت بتسأل مين هينقذني؟ الحقيقة إنك ما كنتش بتحاربني… كنت بتحاربها هي.”

القاضي خبط بالشاكوش، وقرارات بدأت تتاخد بسرعة، منع من السفر، تحقيق، مراجعة مستندات. وأنا؟ خرجت من القاعة وأنا رافعة راسي، مش علشان كسبت قضية، لكن علشان رجعت نفسي. أمي كانت ماشية جنبي، نفس الهدوء، نفس القوة، وأنا فهمت ساعتها إن القوة مش في الصوت العالي… القوة في الوقت الصح.

وفي اللحظة اللي عدينا فيها باب المحكمة، حسيت إن الحمل اللي كان على صدري بقاله سنين اتشال. مش علشان النهاية كانت سعيدة، لكن علشان الحقيقة ظهرت. كريم بقى لوحده… بالظبط زي ما كان عايزني. ودي كانت العدالة الحقيقية… مش حكم محكمة، لكن إحساس إن كل حاجة رجعت لمكانها.

 

بعد ما خرجت من المحكمة، كنت فاكرة إن أصعب لحظة عدّت، لكن الحقيقة إن المواجهة الحقيقية كانت لسه جاية… المواجهة مع نفسي. الطريق من المحكمة للبيت كان هادي، بس جوايا كان في دوشة مش طبيعية، أفكار كتير بتلف، ذكريات، مواقف، كل مرة سكت فيها، كل مرة تنازلت فيها وأنا فاكرة إني بحافظ على البيت. أول مرة سألت نفسي بوضوح: أنا سكت ليه كل السنين دي؟ هل كنت خايفة؟ ولا كنت مصدقة إنه هيتغير؟ الإجابة ما كانتش سهلة، لكنها كانت صادقة… كنت بحاول أعيش وهم، ووهمي كان مريح أكتر من الحقيقة.

لما دخلت البيت، نفس البيت اللي كنت فيه زوجة، حسيت إنه غريب عليا، كأنه مش مكاني رغم إني عشت فيه سنين. بصيت حواليّ، كل ركن فيه ذكرى، وكل ذكرى فيها وجع. لكن لأول مرة، ما حسّتش بالضعف، حسّيت بحاجة مختلفة… حسّيت إن ده مكان لازم أسيبه علشان أبدأ من جديد. مريم كانت قاعدة في أوضتها، أول ما شافتني جريت عليا، حضنتها بقوة، وكأن الحضن ده كان تعويض عن كل لحظة كنت فيها مش قادرة أحميها من اللي كان بيحصل حوالينا.

في الأيام اللي بعدها، الأخبار بدأت تنتشر، مش بين الناس بس، لكن في شغل كريم كمان. التحقيقات بدأت تكشف حاجات أكتر، حسابات، تحويلات، مستندات، كل حاجة كانت بتطلع واحدة واحدة، وكأن الحقيقة قررت تظهر كلها مرة واحدة. ناس كانت بتسلم عليه زمان بقت بتبعد، واللي كان بيقف معاه بدأ يختفي. لأول مرة، كريم حس بالوحدة… نفس الوحدة اللي كان بيحاول يفرضها عليا سنين.

أما أنا، فكنت بحاول أتعلم أعيش من جديد، مش من الصفر، لكن من نقطة أنضف. رجعت أرتب حياتي، أفتح ملفات قديمة، أرجع شغلي، وأهم حاجة… أرجع لنفسي. اكتشفت إن في نسخة مني كنت سايباها ورايا، نسخة كانت بتحلم، وتقرر، وتثق في نفسها. ومع كل خطوة صغيرة، كنت بحس إني بقرب منها تاني. ما كانش الطريق سهل، بس كان واضح، وده كان كفاية.

في يوم، وأنا قاعدة مع أمي، سألتها سؤال كان جوايا من زمان: “إنتي ليه سبتيني كل السنين دي؟” ابتسمت بهدوء، وقالت: “ما سبتكيش… كنت مستنياكي تختاري نفسك.” الكلمة كانت بسيطة، لكن معناها كبير. فهمت ساعتها إن القوة مش إن حد ينقذك… القوة إنك تعرف إمتى تطلب المساعدة، وإمتى تقف لوحدك.

آخر مرة شفت كريم، ما كانتش في المحكمة، كانت صدفة، بس كانت كفيلة تقفل كل حاجة. كان واقف لوحده، شكله مختلف، مش نفس الشخص اللي كان بيضحك بثقة. بصلي، وكأنه عايز يقول حاجة، لكن ما قالش. وأنا كمان ما قلتش. لأن في لحظات، الصمت بيكون أقوى من أي كلام. ساعتها بس حسيت إن القصة خلصت فعلاً… مش علشان هو خسر، لكن علشان أنا أخيرًا كسبت نفسي.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان