اتهمتني حماتي بالسرقة… وكادت البشعة أن تحرق لساني قبل أن تظهر الحقيقة

اتهمتني حماتي بالسرقة… وكادت البشعة أن تحرق لساني قبل أن تظهر الحقيقة


البشعة التي كادت تحرق لساني

لم أكن أعرف قبل ذلك اليوم معنى كلمة البشعة. كنت قد سمعتها مرة عابرة في حديث قديم بين بعض كبار السن، لكنني لم أفهمها جيدًا، ولم أتخيل لحظة أنني قد أكون يومًا طرفًا في شيء يحمل هذا الاسم المخيف. كنت أظن أن مثل تلك الأمور مجرد حكايات من زمن بعيد، أشياء تحدث في قصص الناس وليس في حياتنا نحن.

لكن الحياة أحيانًا تفاجئنا بأشياء لم تخطر لنا على بال.

كنت أعيش في بيت زوجي محمود منذ بضع سنوات. لم تكن حياتي مثالية، لكنها كانت تسير بهدوء مقبول. حاولت دائمًا أن أكون زوجة هادئة، لا تثير المشكلات ولا تدخل في خلافات مع أحد. أكثر ما كنت أحاول تجنبه هو الاحتكاك مع حماتي، الحاجة نعمات. لم تكن سيئة بشكل واضح، لكنها كانت امرأة حادة الطباع، اعتادت أن تسير الأمور في البيت وفق ما تراه هي صحيحًا.

كنت أفهم طريقتها وأتعامل معها بحذر. أحيانًا كانت تعاملني ببرود، وأحيانًا تتجاهلني تمامًا، لكنني كنت أقول لنفسي إن هذا طبيعي، فالعلاقة بين الحماة وزوجة الابن لا تكون سهلة دائمًا.

في ذلك الصباح خرج أغلب أهل البيت إلى السوق. بقيت وحدي تقريبًا في الشقة. استغليت الهدوء لأرتب الغرف وأنهي الأعمال المنزلية. كنت معتادة أن أنظف غرفة الحاجة نعمات كل يوم، فهي لا تحب أن يلمس أحد أغراضها غيري، رغم أنها نادرًا ما تشكرني على ذلك.

دخلت الغرفة كعادتي، رتبت الفراش، مسحت الأرض، وعدلت بعض الأشياء على الطاولة الصغيرة بجوار السرير. لم ألاحظ شيئًا غريبًا، ولم يكن في الغرفة ما يلفت الانتباه. بعد دقائق انتهيت وخرجت بهدوء.

لم أكن أعرف أن تلك الدقائق البسيطة ستتحول إلى بداية أسوأ يوم مرّ علي في حياتي.

فجأة سمعت صوت الحاجة نعمات يعلو من داخل الغرفة. لم يكن مجرد نداء عادي، بل كان صراخًا غاضبًا جعلني أتجمد في مكاني. خرجت إلى الصالة بسرعة لأفهم ما يحدث، لكنني وجدت البيت كله في حالة ارتباك.

كانت حماتي تفتش في الأدراج وتتكلم بانفعال واضح. لم أفهم في البداية ما الذي تبحث عنه، حتى قالت بصوت مرتفع إن خاتمها الذهبي اختفى.

ذلك الخاتم كانت تحبه كثيرًا. كانت تقول دائمًا إنه هدية قديمة لا تعوض. لذلك كان اختفاؤه بالنسبة لها أمرًا كبيرًا.

لم تمض دقائق حتى خرجت هنية، سلفتي الكبيرة، من المطبخ. كانت تمسح يديها في المريلة وتنظر نحوي بطريقة جعلت قلبي ينقبض دون سبب واضح. اقتربت مني وقالت بنبرة لم أحبها إنها رأتني قبل قليل أخرج من غرفة الحاجة نعمات.

سألتني: ماذا كنت أفعل هناك بينما الجميع في الخارج؟

أجبتها بسرعة أنني كنت أنظف الغرفة كعادتي. قلت ذلك ببساطة لأن الأمر بالنسبة لي طبيعي جدًا، لكن الطريقة التي تبادلت بها النظرات مع حماتي جعلتني أدرك أن الموضوع لن يمر بسهولة.

نظرت إليّ الحاجة نعمات بنظرة طويلة لم أستطع تفسيرها. ثم قالت ببرود إن الغرفة كانت نظيفة بالفعل، لكن الخاتم لم يعد في مكانه.

كانت الجملة قصيرة، لكنها حملت اتهامًا واضحًا.

شعرت بأن الهواء في المكان أصبح ثقيلًا. حاولت أن أشرح بهدوء أنني لم ألمس شيئًا في الغرفة، وأنني دخلت فقط لأقوم بالتنظيف كالمعتاد. لكن كلامي لم يكن يبدو مقنعًا لهم.

نظرت بسرعة إلى محمود. كان يقف قرب الباب، ساكنًا تمامًا. تمنيت أن يقول شيئًا، أي شيء يدافع عني أو يطلب منهم التمهل، لكنه اكتفى بالنظر إلى الأرض وكأنه لا يريد أن يتدخل.

كان صمته مؤلمًا أكثر من الاتهام نفسه.

وفجأة، حدث ما لم أتوقعه أبدًا.

دخل إلى البيت رجل يُعرف بين الناس باسم الشيخ صالح. كان معروفًا في المنطقة بأنه يقوم بأمر قديم يسمى البشعة. لم أفهم في البداية سبب وجوده، لكن عندما أعلنت حماتي أنها قررت عمل البشعة لمعرفة الحقيقة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

سألتهم بذهول إن كانوا يتحدثون بجدية. لم أصدق أن أحدًا يمكن أن يفكر في هذا الأمر في زمننا.

لكنهم كانوا جادين تمامًا.

أشعلوا نارًا في وسط المكان، ووضع الشيخ قطعة حديد داخلها. كنت أراقب المشهد وكأنني خارجة عن جسدي. كانت النار تكبر شيئًا فشيئًا، والحديد يتحول تدريجيًا إلى لون أحمر متوهج.

اقتربت بعض النساء وأمسكن بذراعيّ حتى لا أتحرك. حاولت أن أفهم لماذا يحدث كل هذا. قلت لهم إنني بريئة، وإن هذا ظلم واضح. لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للاستماع.

قالوا إن الصادق لا يخاف من البشعة.

نظرت إلى محمود مرة أخرى وقلت له بصوت مرتجف إن هذا جنون. سألته إن كان سيتركهم يفعلون ذلك بي.

رفع رأسه قليلًا ثم قال بصوت خافت إنني إذا كنت صادقة فلن يحدث لي شيء.

عندها شعرت أن شيئًا داخلي انكسر بصمت.

اقترب الشيخ بالحديد الذي أصبح كالجمر. كانت الحرارة قوية لدرجة أنني شعرت بها على وجهي قبل أن تقترب مني. أغمضت عيني للحظة، ليس استسلامًا، بل لأنني لم أعد قادرة على احتمال المشهد.

وفي اللحظة التي رفع فيها الشيخ الحديد ليبدأ الاختبار، انفتح باب البيت فجأة بقوة.

دخل والد محمود مسرعًا وهو يصرخ طالبًا من الجميع التوقف فورًا.

تجمد الجميع في أماكنهم.

رفع الحاج يده، وكان يمسك شيئًا صغيرًا بين أصابعه. عندما فتح كفه ظهر الخاتم الذهبي الذي قلب البيت كله منذ قليل.

ساد صمت ثقيل في المكان.

قال الحاج بصوت مرتبك إنه هو من أخذ الخاتم. كان يمر بضائقة مالية، وفكر أن يرهنه مؤقتًا حتى يسدد بعض الديون. قال إنه وجده ساقطًا تحت الدولاب في غرفة زوجته، فالتقطه دون أن يخبر أحدًا.

تغيرت الوجوه فجأة. النساء اللواتي كن يمسكن بي تركن أذرعي واحدة تلو الأخرى. نظرات الاتهام تحولت إلى نظرات حرج واضح.

أما الحاجة نعمات فبدت وكأنها فقدت القدرة على الكلام.

وقفت بصعوبة، فما زالت ساقاي ترتجفان. نظرت إليها وسألت بهدوء إن كانت حقًا تعتقد أنني سارقة.

لم تجب.

اقترب محمود وقال إن الأمر انتهى الآن، وأن علينا أن ننسى ما حدث. لكنني كنت أعرف أن الأمر لم ينتهِ بالنسبة لي.

هناك لحظات في الحياة تكشف أشياء كنا نتجاهلها طويلًا.

نظرت حولي إلى النار التي كانت ما تزال مشتعلة، وإلى الحديد الذي كاد يلامس لساني، وإلى الوجوه التي كانت منذ دقائق مستعدة لإدانتي دون دليل.

ثم قلت بهدوء إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بكرامة في مكان هُدد فيه بهذه الطريقة.

أعلنت قراري بوضوح.

كنت أريد الطلاق.

لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان القرار الوحيد الذي شعرت أنه يحفظ لي ما تبقى من احترامي لنفسي.

خرجت من البيت بعد ذلك بوقت قصير. كان قلبي مثقلًا بالألم، لكنني شعرت أيضًا بشيء يشبه الراحة.

ربما لأنني أدركت أخيرًا أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها في النهاية تظهر، حتى لو جاءت قبل لحظة واحدة فقط من وقوع الظلم.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي