أول رمضان بعد الجواز
اسمي مريم… ومتجوزة بقالي خمس شهور بس. خمس شهور لسه فيهم ريحة الدهان في الشقة الجديدة، ولسه فيهم إحساس الغربة اللي بيجي مع أي بداية. كل حاجة حواليا كانت لسه بتتشكل: مكان الأطباق في المطبخ، ترتيب الدولاب، حتى صوت خطواتي في الشقة كان لسه غريب عليّ كأني ضيفة مش صاحبة بيت. كنت بحاول أتعلم بسرعة إزاي أبقى زوجة كويسة، زي ما كنت دايمًا بسمع من أمي: “البيت يا بنتي محتاج صبر… والراجل محتاج حد يقف جنبه.”
جوزي خالد كان بالنسبة لي مشروع حياة كاملة. راجل هادي، قليل الكلام، بس كنت شايفة فيه الأمان اللي كنت بدور عليه. ويمكن علشان كده كنت مستعدة أتنازل عن حاجات كتير عشان البيت يفضل هادي.
وأول رمضان لينا مع بعض كان بالنسبة لي حلم صغير… حلم بسيط جدًا. كنت متخيلة الفوانيس في البلكونة، وسفرة إفطار صغيرة فيها طبقين تلاتة بس، وضحكة بيني وبينه بعد يوم صيام طويل. كنت متخيلة إننا هنعيش لحظات بسيطة لكنها تبقى ذكرى حلوة لسنين جاية.
لكن رمضان جه… ومعاه حاجات ما كنتش متخيلها خالص.
من أول أسبوع، وأنا واقفة في المطبخ بقطع الخضار، خالد دخل عليّ وقال ببساطة:
“بكرة أمي وأبويا وإخواتي جايين يفطروا عندنا.”
رفعت عيني وبصيت له، وابتسمت. الحقيقة فرحت. قلت لنفسي: طبيعي… ده أول رمضان بعد الجواز. لازم أهله ييجوا ويشوفوا البيت ويقعدوا معانا.
قضيت اليوم كله في المطبخ. عملت محشي وفتة وفراخ وبسبوسة. كنت بشتغل بحماس كأني داخلة امتحان لازم أنجح فيه. رتبت السفرة بعناية، وحطيت الفوانيس الصغيرة اللي اشتريتها مخصوص، وكنت حاسة بفخر بسيط وأنا ببص لكل حاجة.
لما جم، البيت اتملأ صوت وضحك. حماتي كانت بتتكلم كتير، وأخوات خالد بيهزروا، وأنا واقفة أقدم الأكل وأبتسم. اليوم عدى كويس، وكنت راضية.
لكن بعد يومين بس، خالد قال لي:
“خليكي جاهزة… الجمعة الجاية خالتي وأولادها هيفطروا عندنا.”
استغربت شوية، بس ما قلتش حاجة.
الأسبوع اللي بعده قال:
“أخويا الكبير ومراته هييجوا.”
وبعدها بيومين:
“أختي وجوزها جايين.”
كل مرة كنت بقول لنفسي: عادي… العيلة بتحب تتجمع في رمضان.
لكن الحقيقة إن المطبخ بقى عالمي الخاص… أقضي فيه ساعات طويلة لوحدي، أطبخ وأرتب وأنضف، وفي الآخر أطلع أبتسم للضيوف كأني ما تعبتش.
كنت بحاول أقنع نفسي إن ده طبيعي… وإن البيت اللي فيه ناس كتير يبقى فيه بركة.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة على السفرة الصغيرة في المطبخ، قدامي ورقة طويلة فيها طلبات البيت: رز، زيت، فراخ، خضار، تمر، حاجات كتير.
بصيت للورقة، وفجأة جت في بالي فكرة بسيطة جدًا… فكرة كانت بالنسبة لي طبيعية.
رفعت عيني لخالد اللي كان قاعد على الكنبة ماسك الموبايل، وقلت له بهدوء:
“إيه رأيك نعزم بابا وماما يوم يفطروا معانا؟”
رفع عينه من الشاشة وبصلي ثانيتين كده، كأنه بيحسب حاجة في دماغه.
وبعدين قال ببساطة:
“لأ… أنا مش معايا فلوس أعزم حد.”
افتكرت إنه بيهزر. ضحكت وقلت:
“ما أنت بتعزم أهلك كل شوية!”
لكن المرة دي نظرته كانت مختلفة. نظرته كانت حادة… غريبة.
وقال الجملة اللي فضلت ترن في دماغي أيام طويلة:
“دول أهلي… مش حد غريب هياكل من مالي.”
الكلمة نزلت عليّ زي الصفعة.
حسيت للحظة إن الصوت حواليا اختفى… وإن الجملة بس هي اللي بتتكرر في دماغي.
قلت له وأنا مش مصدقة:
“غريب إيه؟ دول بابا وماما.”
قال ببرود:
“أنا مش ملزم أعزم حد.”
سكت.
لكن جوايا حاجة اتكسرت… حاجة صغيرة يمكن، لكنها كانت بداية شرخ في إحساس الأمان اللي كنت عايشة فيه.
أهلي… اللي عمرهم ما قصروا معايا.
من يوم ما اتجوزت، ماما كانت تبعت أكل كل شوية. صينية كفتة مرة، طاجن بامية مرة، حتى الحلويات كانت توصل قبل ما أفكر أعملها.
وبابا… كل زيارة ليه كانت معاها حاجة للشقة. مرة خلاط، مرة ستارة للبلكونة، مرة حتى سجادة للصالة.
وكان دايمًا يقول لخالد بابتسامة:
“ده بيتكم… وإحنا أهل.”
ولا مرة سمعت منهم كلمة تلمح إنهم بيعملوا ده كواجب… كانوا بيعملوه بحب.
عدى الموضوع يومين، لكن ما خرجش من دماغي.
وفي ليلة كنت بكلم ماما في التليفون. كانت بتسألني عن رمضان، وعن خالد، وعن البيت.
وفجأة قالت بسعادة:
“طب قولي لخالد يحدد يوم نفطر عندكم.”
سكت لحظة.
كان نفسي أقول الحقيقة… لكن الكلمات وقفت في زوري.
قلت بس:
“إن شاء الله.”
وقفلنا المكالمة… وأنا حاسة إن في حاجة جوايا بتضغط على صدري.
بعد أسبوع تقريبًا، خالد دخل المطبخ وقال:
“حضري نفسك… بكرة كل العيلة جاية.”
سألته:
“مين؟”
قال:
“عمي ومراته وأولاده.”
وقفت لحظة، وبعدين قلت بهدوء:
“طيب ما نعزم بابا وماما معاهم؟”
فجأة اتغير وشه… وقال بصوت عالي:
“هو كل شوية بابكي ومامتك؟!”
البيت سكت.
وأنا كمان سكت… لكن جوايا كان في حاجة بتغلي.
تاني يوم، البيت كان زحمة. أصوات وضحك وكلام في الصالة.
وأنا واقفة في المطبخ لوحدي، بقطع السلطة وأقلب المحشي على النار.
وفجأة سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
افتكرت خالد نزل يجيب حاجة.
لكن بعد ثواني سمعت صوت مألوف جدًا…
صوت بابا.
وهو بيقول من الصالة:
“السلام عليكم… جينا نفطر معاكم.”
اتجمدت مكاني.
خرجت بسرعة من المطبخ… ولقيت بابا وماما واقفين عند الباب.
لكن اللي خلّى قلبي يقع… إن بابا كان شايل كرتونة كبيرة مليانة لحوم وفراخ وخضار، وماما شايلة شنطة رز ومكرونة وسمنة.
بابا دخل وسلم على الكل، وبص لخالد بابتسامة صافية وقال بصوت واضح:
“معلش يا خالد يا ابني… مريم قالت إن العزومة كبيرة النهاردة. وأنا عارف إن الحمل تقيل والأسعار غالية، فقلت لازم أشارك في فطرنا إحنا وحماتي وحماك… البيت واحد.”
اللحظة دي كانت صعبة جدًا.
بابا كان بيقول الكلام بحسن نية… لكن الكلمة وقعت زي حجر في وسط الصالة.
خالد كان واقف ساكت… ووشه اتغير.
دخلت المطبخ مع ماما وأنا حاسة إن الدموع قريبة.
ماما بدأت تطلع الأكياس وتقول لي بهدوء:
“يا بنتي خالد لسه في أول حياته… والمصاريف كتير. أنا وبابا جبنا الأكل عشان نخفف عنه.”
بصيت لها… وكان نفسي أقول الحقيقة.
لكن سكت.
طلعت البلكونة لقيت خالد واقف هناك لوحده.
أول ما شافني قال بصوت واطي مليان غضب:
“انتي اللي قولتي لهم؟ انتي اللي مطلعاني شحات قدام أهلي؟”
قلت بسرعة:
“والله ما حصل.”
لكن المرة دي ما سكتش…
قلت له بهدوء غريب:
“كرامتك وجعتك عشان بابا جاب أكل؟
طب فكرت مرة في كرامتي لما قلت إن أهلي غريب؟”
الكلام خرج مني من غير ما أفكر.
لكن في اللحظة دي… حسيت إني بقول الحقيقة لأول مرة من يوم ما اتجوزت.
الليلة دي عدت… والضيوف مشيوا.
والبيت رجع هادي.
لكن الهدوء ده كان مختلف… كان تقيل.
وقفت في أوضة النوم، وبدأت ألم هدومي في شنطة صغيرة.
خرجت لقيت خالد بيبصلي باستغراب وقال:
“رايحة فين؟”
قلت له بهدوء:
“رايحة للغريب… اللي جاب السجادة والستارة والأكل اللي انت أكلت منه النهاردة.”
وسكت لحظة…
وبعدين قلت:
“لما تعرف إن اللي بيحبك هو اللي يشيل عنك… مش اللي تاكل منه وبس… ابقى كلمني.”
قفلت الشنطة… ومشيت ناحية الباب.
وأنا خارجة… حسيت إن أول رمضان بعد الجواز علّمني درس كبير.
مش عن الأكل… ولا العزومات…
لكن عن معنى البيت الحقيقي…
البيت اللي ما ينفعش يكون فيه كلمة “غريب”.