لغز حفلة المدرسة: عندما عادت ابنتي إلى البيت… لكنها لم تكن هي
بدأ كل شيء بشكل عادي جداً… عادي لدرجة أنني الآن، كلما تذكرت ذلك اليوم، أشعر برعشة خفيفة تسري في ظهري. لم يكن هناك أي مؤشر على أن حياتي ستنقلب رأساً على عقب خلال ساعات قليلة. كنت مثل أي أم مصرية عادية، أقضي يومي بين ترتيب البيت ومتابعة دروس ابنتي الوحيدة “حبيبة”. هي كل عالمي تقريباً، وربما لهذا السبب كنت دائماً أحيطها بخوف مبالغ فيه قليلاً. أعرف أن كثيرين يقولون إن الحماية الزائدة قد تجعل الطفل ضعيف الشخصية، لكن عندما يكون لديك طفل واحد فقط، يصبح الخوف عليه شيئاً تلقائياً… شيئاً يشبه الغريزة.
منذ أيام قليلة فقط، ظهر إشعار في جروب أولياء الأمور الخاص بمدرسة حبيبة. كان إعلاناً بسيطاً عن حفلة ترفيهية للأطفال داخل المدرسة، هدفها – كما كتبت الإدارة – أن يتعارف الأطفال على بعضهم بشكل أفضل بعيداً عن أجواء الدراسة. اللافت في الأمر أن أولياء الأمور لن يحضروا، لأن المدرسة تريد أن يتعامل الأطفال بحرية أكبر. قرأت الرسالة أكثر من مرة، وشعرت بشيء من التردد. الفكرة لطيفة، لكن فكرة أن تكون حبيبة بعيداً عني طوال ذلك الوقت جعلت قلبي ينقبض قليلاً.
فتحت الخاص وأرسلت رسالة إلى المعلمة المسؤولة عن الفصل، “ميس عفاف”. سألتها ببساطة: هل يرتدي الأطفال الزي المدرسي أم ملابس عادية؟ ردت بسرعة قائلة إن الحفلة غير رسمية، وأن الأطفال يمكنهم ارتداء ملابس مريحة لأن هناك أنشطة رسم على الوجه وألعاباً ترفيهية. أغلقت الهاتف وجلست أفكر. حبيبة فتاة حساسة، خجولة قليلاً، وأحياناً تحتاج إلى دفعة صغيرة لتندمج مع الآخرين. كنت أخشى أن تذهب ثم تقف وحدها في زاوية تبكي إذا ضايقها أحد الأطفال.
في تلك اللحظة، خطر ببالي الاتصال بصديقتي “نهلة”. نهلة تعمل مشرفة في باص المدرسة نفسها، وهي دائماً تساعدني في الاطمئنان على حبيبة أثناء الذهاب والعودة. عندما أخبرتها عن الحفلة، قالت بحماس إن المدرسة بالفعل تستعد لها منذ أيام، وأن الأطفال متحمسون جداً. قلت لها إنني أفكر في إبقاء حبيبة في البيت يوم الحفلة، فضحكت وقالت إنني أبالغ كثيراً، وإن الطفل يحتاج أن يعيش حياته الطبيعية مثل باقي الأطفال.
لكن المفاجأة كانت عندما أخبرتني أنها لن تكون موجودة يوم الحفلة لأنها حصلت على إجازة. شعرت بقلق أكبر. وجود نهلة كان يطمئنني دائماً، وغيابها جعل القرار أصعب. بعد دقائق من التفكير، قررت أن أترك الاختيار لحبيبة نفسها. ناديتها من غرفتها، فجاءت تركض وهي تمسك بدفتر الرسم الخاص بها. سألتها إن كانت تعرف عن حفلة المدرسة يوم الخميس، فابتسمت فوراً وقالت إن كل صديقاتها يتحدثن عنها طوال اليوم.
سألتها إن كانت تريد الحضور، فأجابت بحماس طفولي صادق أنها تريد أن ترى ما الذي سيفعله الأطفال هناك. تنهدت قليلاً، ثم ابتسمت لها ووافقت. أخبرتها فقط أن تكون حذرة، وألا تندفع في الألعاب حتى لا تتأذى. ركضت إلى غرفتها وهي تقفز من السعادة، وبدأت تفكر في الملابس التي سترتديها. في تلك اللحظة، شعرت أنني اتخذت القرار الصحيح… أو هكذا ظننت.
جاء يوم الحفلة أخيراً. استيقظت حبيبة مبكراً بشكل غير معتاد، وكأنها في رحلة مدرسية. اختارت فستاناً رمادياً بسيطاً تحبه كثيراً، ووقفت أمام المرآة تعدل شعرها أكثر من مرة. عندما جاء الباص، أوصلتها إلى الباب كعادتي. لوحت لي بيدها وهي تبتسم، ثم صعدت إلى الباص واختفت خلف زجاجه. عدت إلى الشقة، لكن شيئاً غريباً كان يضغط على صدري. شعور لا أستطيع تفسيره.
طوال اليوم كنت أدخل جروب أولياء الأمور وأبحث عن صور الحفلة التي ينشرها بعض المدرسين. كانت الصور كثيرة، مليئة بالأطفال والبالونات والألوان. حاولت أن أجد حبيبة في الصور، لكن العدد الكبير للأطفال جعل الأمر صعباً. ومع كل دقيقة تمر، كان القلق داخلي يكبر قليلاً.
عندما اقترب موعد عودة الباص، وقفت في الشرفة أراقب الشارع. مر الوقت، وتأخر الباص حوالي ربع ساعة. بدأت أفكر أنني ربما أبالغ… لكن قلبي لم يكن مطمئناً. بعد دقائق سمعت جرس الباب. ركضت إليه بسرعة، وفتحته وأنا أتوقع أن أرى ابنتي تضحك وتحكي لي عن الحفلة.
لكن المشهد الذي رأيته جعل الدم يتجمد في عروقي. كانت حبيبة تقف أمام الباب، لكن شكلها كان مخيفاً. وجهها مليء بالألوان السوداء والحمراء، وشعرها مبعثر، وملابسها متسخة بشكل غريب. للحظة ظننت أنها مجرد رسومات حفلة، لكن المنظر كان أقرب إلى شيء مرعب.
أدخلتها بسرعة إلى البيت وأنا غاضبة. لم أستطع أن أفهم كيف تسمح المدرسة بأن يعود الأطفال بهذا الشكل. التقطت صورة لها، ثم أدخلتها الحمام وطلبت منها أن تستحم وتغسل وجهها. بعد ذلك أمسكت الهاتف وأرسلت الصورة إلى “ميس عفاف” مع رسالة أشتكي فيها من المظهر الذي عادت به ابنتي.
بعد دقائق فقط، وصلني رد جعل قلبي يتوقف للحظة. قالت المعلمة ببساطة إن ابنتي لم تحضر المدرسة أصلاً في ذلك اليوم. وأضافت أن الباص مر على البيت وظنت أنني قررت عدم إرسالها للحفلة.
وقفت في مكاني غير قادرة على الحركة. الهاتف سقط من يدي على الأرض، وانكسرت شاشته قليلاً. نظرت نحو باب الحمام المغلق، حيث دخلت حبيبة منذ لحظات. كان الهدوء في الداخل غريباً… هدوءاً أكثر من اللازم.
اقتربت من الباب ببطء وقلت بصوت مرتجف: “حبيبة… أنتي سامعاني؟”. لم يصلني أي رد. فتحت الباب ببطء. كان الحمام مليئاً بالبخار، لكن البانيو كان فارغاً. ملابسها الرمادية كانت مرمية على الأرض، وعليها بقع سوداء داكنة. لكن ابنتي… لم تكن هناك.
بدأت أنادي باسمها وأنا أشعر أن عقلي يفقد توازنه. فجأة سمعت صوت ضحكة خافتة من خلف ستارة البانيو. فتحتها بسرعة، لكنني لم أجدها. وجدت فقط التابلت الخاص بها يعمل، وعلى الشاشة تسجيل صوتي لضحكتها يتكرر باستمرار.
في تلك اللحظة وصل إشعار إلى هاتفي من رقم مجهول. الرسالة كانت قصيرة لكنها مخيفة: “هي قالت إنها تريد أن ترى ما الذي يفعلونه… والآن رأته”.
ركضت نحو باب الشقة لأطلب المساعدة، لكن الباب كان مغلقاً من الخارج. نظرت عبر العين السحرية، ورأيت مشهداً جعل جسدي يتجمد تماماً. كانت حبيبة تقف في الممر خارج الشقة، بنفس الشكل المخيف، تمسك مقصاً صغيراً بيدها.
نظرت مباشرة نحو الباب، وكأنها تعرف أنني أنظر إليها. ثم قالت بصوت غريب لم أسمعه منها من قبل: “ماما… أنتي ليه خفتي؟ مش أنتي اللي قولتلي خلي بالك من نفسك؟”.
في تلك اللحظة أدركت أن القصة لم تكن مجرد حفلة مدرسية… وأن ما حدث في ذلك اليوم كان بداية لغز أكبر بكثير مما كنت أتخيل.
الفصل الجديد: الصوت خلف الباب
وقفت أمام الباب لثوانٍ طويلة وكأن الزمن توقف. عيني مازالت مثبتة على العين السحرية، وقلبي يدق بعنف حتى شعرت أن صوته مسموع في الممر. حبيبة كانت واقفة في الخارج بالفعل… لكن شيئاً في وقفتها لم يكن طبيعياً. لم تكن تقف كطفلة عائدة من اللعب أو من حفلة مدرسية. كانت ساكنة تماماً، رأسها مائل قليلاً، ويدها التي تمسك المقص تتحرك ببطء كأنها تفكر في شيء ما.
تراجعت خطوة للخلف وأنا أشعر ببرودة تسري في أطرافي. حاولت أن أستوعب ما يحدث، لكن عقلي كان يرفض ترتيب الأحداث. قبل دقائق فقط كانت حبيبة داخل الحمام، رأيتها تدخل بعيني، سمعت خطواتها وصوت الماء. فكيف يمكن أن تكون الآن في الخارج؟ هل خرجت دون أن أشعر؟ لكن هذا مستحيل… الباب كان مغلقاً من الداخل.
اقتربت مرة أخرى من الباب ببطء، هذه المرة وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف يدي. نظرت عبر العين السحرية مرة أخرى. كانت ما تزال هناك. رفعت رأسها فجأة وكأنها تشعر بنظري، ثم اقتربت خطوة من الباب. شعرت أن أنفاسي انقطعت للحظة. رفعت يدها التي تمسك المقص، ليس بطريقة تهديد… بل بطريقة طفولية بريئة تقريباً، وكأنها تلعب لعبة لا أفهمها.
ثم قالت بصوت منخفض لكنه واضح: “ماما… افتحي الباب”.
كان صوتها يشبه صوت حبيبة، لكنه بدا مختلفاً بطريقة خفية. مثل تسجيل صوتي يشبه الأصل لكنه ليس هو تماماً. وقفت متجمدة مكاني، غير قادرة على الرد. جزء مني أراد أن يفتح الباب فوراً ويحتضنها، وجزء آخر كان يصرخ في داخلي بأن هناك شيئاً خاطئاً… شيئاً غير مفهوم يحدث أمامي.
بينما أنا واقفة في مكاني، سمعت صوتاً خفيفاً من خلفي. التفت بسرعة نحو الصالة. كان التابلت الذي وجدته في الحمام مازال يعمل، وصوت الضحكة المسجلة يتكرر مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم تكن الضحكة وحدها. كان هناك صوت آخر خافت في الخلفية… صوت أطفال كثيرين يضحكون ويتحدثون، كأنه تسجيل لحفلة.
اقتربت ببطء من التابلت. الشاشة كانت تعرض مقطع فيديو قصيراً. ضغطت تشغيل، وظهرت صورة لقاعة كبيرة مليئة بالأطفال يركضون ويلعبون. في البداية ظننت أنه فيديو عادي من حفلة المدرسة. لكن عندما ركزت أكثر، شعرت أن الدم يتجمد في عروقي.
لم تكن القاعة قاعة المدرسة.
المكان كان مختلفاً… الجدران باهتة، والإضاءة ضعيفة، والأطفال يركضون في مساحة ضيقة تبدو أقرب إلى مخزن كبير. والأغرب من ذلك أن معظم الأطفال كانت وجوههم مغطاة بألوان سوداء وحمراء، مثل تلك التي كانت على وجه حبيبة عندما فتحت لها الباب.
قبل أن أستوعب المشهد، انقطع الفيديو فجأة. ظهرت على الشاشة رسالة قصيرة مكتوبة بخط أبيض: “هل مازلتِ تريدين أن تعرفي ماذا يفعل الأطفال في الحفلة؟”.
ارتجفت يدي وسقط التابلت على الأرض. في نفس اللحظة سمعت طرقاً خفيفاً على باب الشقة. تجمدت في مكاني مرة أخرى. الطرق لم يكن قوياً… بل كان بطيئاً ومنتظماً، كأن من يقف في الخارج يعرف أنني خائفة ويستمتع بذلك.
اقتربت مرة أخرى من الباب ونظرت عبر العين السحرية. لكن الممر كان فارغاً هذه المرة. حبيبة لم تكن هناك. شعرت بارتباك شديد. فتحت الباب ببطء شديد، ونظرت إلى الممر يميناً ويساراً. لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض، أمام الباب مباشرة، كان هناك شيء واحد فقط… المقص الصغير الذي كانت تمسكه.
انحنيت ببطء والتقطته. كان بارداً بشكل غريب. وفي اللحظة التي لمست فيه المقص، سمعت صوت رسالة جديدة يصل إلى هاتفي.
فتحت الرسالة ببطء، وأنا بالكاد أستطيع التنفس.
كانت من نفس الرقم المجهول.
الرسالة هذه المرة كانت أطول قليلاً:
“الأطفال يحبون اللعب… لكن بعض الألعاب لا تنتهي عندما تنتهي الحفلة. ابنتك أرادت أن ترى، والآن أصبحت جزءاً من اللعبة. السؤال الحقيقي ليس أين هي الآن… السؤال: هل ستتمكنين من إخراجها؟”.
في تلك اللحظة فقط، أدركت أن ما حدث لم يكن حادثاً عشوائياً… وأن حفلة المدرسة ربما لم تكن حفلة عادية كما ظن الجميع.