جرائم من الماضي: رحلة النيابة في مسار القتل
في المدن المزدحمة تبدو الحياة وكأنها لا تتوقف لحظة واحدة. الأزقة الضيقة تمتلئ بأصوات الباعة، والسيارات تتكدس في الشوارع، والناس يتحركون بسرعة وكأن كل واحد منهم يحمل قصة كاملة لا يملك الوقت ليرويها. في مثل هذه الأماكن تختلط التفاصيل الصغيرة بإيقاع الحياة اليومية، ويصبح كل يوم نسخة متشابهة من اليوم الذي سبقه.
لكن خلف هذا المشهد المألوف، تختبئ أحيانًا حكايات لا يعرفها أحد. قصص تبدأ بصمت، وتنمو ببطء بين الناس، حتى تظهر فجأة في شكل بلاغ داخل قسم الشرطة أو ملف يوضع على مكتب في النيابة.
المناطق الشعبية تحديدًا تحمل طبيعة مختلفة. فالجميع يعرف الجميع بطريقة أو بأخرى. الجار يسمع خطوات جاره خلف الجدار، وصاحب المتجر يعرف وجوه الزبائن الذين يمرون عليه كل يوم. هذا القرب بين الناس قد يصنع دفئًا اجتماعيًا حقيقيًا، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق احتكاكات صغيرة تنمو مع الوقت.
أحيانًا يبدأ الخلاف بكلمة عابرة أو موقف بسيط لا يتوقف عنده أحد. لكن تلك التفاصيل الصغيرة قد تتحول مع مرور الأيام إلى شرارة تشعل أحداثًا لم يكن يتوقعها أي طرف.
خلال سنوات عملي في النيابة، مرت أمامي قضايا كثيرة. بعضها كان واضحًا منذ اللحظة الأولى، وبعضها الآخر احتاج إلى وقت طويل حتى تتكشف خيوطه. لكن هناك نوعًا من القضايا يبقى عالقًا في الذاكرة، ليس بسبب الجريمة وحدها، بل بسبب الحكاية الإنسانية التي تختبئ خلفها.
إنها القضايا التي لا تبدأ في لحظة وقوع الجريمة، بل تبدأ قبلها بسنوات طويلة، في مواقف صغيرة لم ينتبه إليها أحد في حينها.
ومن بين تلك القضايا، بقيت قضية معينة لا تغيب عن ذاكرتي حتى اليوم. كانت في ظاهرها جريمة قتل عادية، لكنها في حقيقتها كانت رحلة طويلة لفهم كيف يمكن للماضي أن يترك أثرًا عميقًا في قرارات الإنسان.
داخل أروقة النيابة، أصبحنا نشير إليها لاحقًا باسم جرائم من الماضي: رحلة النيابة في مسار القتل.
بدأت القصة في صباح بدا عاديًا تمامًا. وصلت إلى مكتبي مبكرًا كعادتي قبل بدء حركة الموظفين وتراكم البلاغات اليومية. كان الهدوء يملأ المكان، وكأن المكتب يستعد ليوم طويل من الأسئلة والملفات.
وضعت بعض القضايا التي كنت أراجعها في الليلة السابقة على جانب المكتب، ثم جلست للحظة أحاول ترتيب أفكاري قبل أن يبدأ العمل.
مددت يدي إلى فنجان القهوة الذي اعتدت أن أبدأ به صباحي. كان مذاقها قويًا كما أحبها، وكأنها تمنحني لحظة قصيرة من التركيز قبل أن تبدأ دوامة التحقيقات.
لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا.
فجأة قطع صوت الهاتف هدوء المكتب. رفعت السماعة، فجاءني صوت مألوف أعرفه جيدًا.
كان الرائد ياسر عماد، أحد الضباط الذين تعاملت معهم كثيرًا في التحقيقات السابقة. كان صوته هادئًا، لكنه يحمل نبرة استعجال واضحة.
قال: “معالي الباشا، وصلنا بلاغ عن جريمة قتل في منطقة غيّة الحمام. الضحية صاحب سوبر ماركت في الحي، والناس بدأت تتجمع في المكان.”
سألته بسرعة: “وصلتم لأي معلومات عن القاتل؟”
أجاب: “لسه يا فندم… بس الأفضل تيجي تشوف بنفسك.”
أغلقت الهاتف، وارتديت معطفي فورًا. مثل هذه الاتصالات لا تترك مجالًا للتأجيل.
بعد دقائق قليلة كنت في السيارة متجهًا إلى الموقع الذي أرسله الرائد ياسر.
عندما اقتربت من الشارع الذي وقع فيه الحادث، رأيت من بعيد تجمعًا كبيرًا من الأهالي. الفضول في هذه المناطق ينتشر بسرعة؛ فخبر الجريمة ينتقل بين الناس خلال دقائق.
كان بعضهم يقف على الأرصفة يتبادل التخمينات، بينما حاول رجال الشرطة إبعاد المتجمهرين للحفاظ على مسرح الجريمة.
وأثناء تقدمي نحو المتجر، سمعت صوت بكاء خافت. التفت فوجدت فتاة شابة تقف بجوار والدتها.
كانت الفتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت ملامح الحزن واضحة على وجهها. كانت تكرر جملة واحدة وكأنها تحاول فهم ما حدث.
قالت بصوت متقطع: “عمو صاحب السوبر ماركت… مش هيرجع تاني؟”
انحنت الأم قليلًا وربتت على كتفها محاولة تهدئتها قائلة: “عمو راح مكان أحسن يا بنتي.”
توقفت للحظة أراقب المشهد بصمت. في تلك اللحظة أدركت أن الضحية لم يكن مجرد اسم داخل ملف تحقيق، بل شخص كان جزءًا من الحياة اليومية لهذا الشارع.
دخلت إلى المتجر بعد أن أفسح الضباط الطريق. كان الجسد ممددًا على الأرض، بينما ظلت الأرفف ممتلئة بالبضائع، وكأن الحياة في المكان توقفت فجأة في لحظة واحدة.
اقترب الرائد ياسر وقال: “الضحية اسمه معتمد حامد. صاحب السوبر ماركت ده بقاله سنين في المنطقة.”
أخبرني أن معتمد كان يعيش بمفرده، ولم يكن متزوجًا، لكن معظم سكان الحي يعرفونه جيدًا بسبب متجره الصغير الذي أصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
أول من اكتشف الجريمة كان أحد الجيران الذي لاحظ أن باب المتجر مفتوح في وقت غير معتاد. عندما اقترب، وجد معتمد ملقى على الأرض، فأبلغ الشرطة فورًا.
بدأت الإجراءات المعتادة: تصوير المكان، جمع الأدلة، والاستماع إلى شهادات الشهود.
في البداية لم يظهر أي دليل واضح يقود إلى القاتل.
ومع مرور الوقت ظهرت بعض المعلومات عن خلافات بسيطة وقعت سابقًا بين معتمد وبعض التجار في السوق القريب. كان من بينهم رجل يدعى فتحي مفتاح، وآخر اسمه سمير العايق.
تم استدعاؤهما إلى النيابة للاستماع إلى أقوالهما.
جلس فتحي أمامي وهو يبدو متوترًا بعض الشيء. اعترف بحدوث مشاجرة كلامية بينه وبين معتمد قبل أيام بسبب خلاف تجاري بسيط، لكنه أكد أن الأمر انتهى في نفس اليوم.
أما سمير، فكان أكثر هدوءًا. قال إن معتمد قد يكون حاد الطباع أحيانًا، لكنه لم يكن يعتقد أبدًا أن الخلافات العادية قد تنتهي بجريمة قتل.
لم تكن أقوالهما كافية لإثبات أي اتهام، ومع مرور الأيام بدأت القضية تبدو وكأنها تتجه نحو الغموض.
لكن بعد عدة أسابيع حدث تطور غير متوقع.
وصل بلاغ عن جريمة قتل أخرى في منطقة قريبة. هذه المرة كان الضحية طالبًا جامعيًا شابًا.
الشيء المثير للانتباه أن طريقة القتل كانت متشابهة بشكل واضح مع الجريمة الأولى.
عند هذه النقطة بدأ الشك يتسلل إلينا أن الأمر قد لا يكون مجرد صدفة.
تمت مراجعة حياة الضحيتين بعناية. في البداية لم يظهر أي ارتباط مباشر بينهما. لكن مع التعمق في التفاصيل، بدأت تظهر ملاحظات صغيرة.
بعض الشهادات تحدثت عن مواقف سابقة كان الضحيتان قد أساءا فيها معاملة أشخاص آخرين أو مارسوا نوعًا من الضغط النفسي عليهم.
لم يكن ذلك دليلًا كافيًا، لكنه فتح بابًا لتفسير جديد.
ومع تكرار الحوادث لاحقًا، بدأ يتضح أن القاتل يختار ضحاياه بعناية. جميعهم كانوا أشخاصًا عاديين في حياتهم اليومية، لكنهم تركوا أثرًا سلبيًا في حياة آخرين.
وبعد مراجعة الكاميرات والتحريات، ظهر شخص يتكرر وجوده بالقرب من مواقع الحوادث.
كان شابًا هادئ الملامح، صغير البنية، لا يلفت الانتباه بسهولة.
اسمه علي الغانم.
عندما تم القبض عليه وإحضاره للتحقيق، جلس بهدوء غير معتاد. ظل صامتًا لفترة طويلة قبل أن يبدأ الحديث.
وفي النهاية اعترف بأنه هو من ارتكب الجرائم.
قال إن الدافع لم يكن مجرد غضب عابر، بل قصة قديمة تعود إلى طفولته. تحدث عن والدته التي تعرضت لسنوات طويلة من التنمر والسخرية من بعض الأشخاص في محيطها.
ومع مرور الوقت تراكمت الضغوط عليها حتى لم تعد قادرة على التحمل.
تلك النهاية المأساوية تركت أثرًا عميقًا في نفس علي، وجعلته يعيش سنوات طويلة وهو يحمل شعورًا ثقيلًا بالظلم والغضب.
ومع مرور الزمن تحولت تلك المشاعر إلى فكرة واحدة في عقله: معاقبة الأشخاص الذين يؤذون الآخرين نفسيًا.
كان يراقب ضحاياه لفترة طويلة قبل أن يقرر مهاجمتهم. وفي نظره، كان ينفذ نوعًا من العدالة الخاصة.
لكن الحقيقة القانونية كانت واضحة: ما فعله لم يكن عدالة، بل سلسلة من جرائم القتل.
انتهت التحقيقات بإحالته إلى المحكمة لتبدأ مرحلة جديدة من القضية.
أصبحت تلك القضية حديث الناس لفترة طويلة. البعض رأى خلفها مأساة إنسانية، والبعض الآخر رأى أنها جريمة لا يمكن تبريرها بأي شكل.
أما بالنسبة لي، فقد بقيت تلك القضية مثالًا واضحًا على أن الماضي قد يترك أثرًا عميقًا في حياة الإنسان، وأن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بالانتقام.
وهكذا انتهت رحلة التحقيق في القضية التي أصبحت معروفة باسم جرائم من الماضي: رحلة النيابة في مسار القتل.