حلم الأمومة الذي تحول إلى كابوس: حكاية زينب في حي القاهرة القديم

حلم الأمومة الذي تحول إلى كابوس: حكاية زينب في حي القاهرة القديم


حلم الأمومة الذي تحول إلى كابوس: حكاية زينب في حي القاهرة القديم

في حي قديم هادئ من أحياء القاهرة، حيث البيوت العتيقة تقف متلاصقة كأنها تتكئ على بعضها من تعب السنين، وحيث يعرف الجيران تفاصيل حياة بعضهم كما يعرفون أسماء أبنائهم، عاشت زينب. كانت واحدة من تلك الوجوه التي تراها كل يوم في الشارع فتصبح جزءًا من المشهد، امرأة بسيطة، ترتدي ملابس نظيفة لكنها قديمة قليلًا، تمشي بخطوات هادئة، وتلقي السلام على كل من تقابله بابتسامة خجولة.

كان في ملامحها شيء يجعلك تحبها دون أن تعرف لماذا. ربما هو ذلك الهدوء الذي يسكن وجهها، أو ربما تلك اللمعة الصغيرة في عينيها التي تشبه لمعة شخص يحمل حكاية طويلة في قلبه ولا يبوح بها.
لكن من عاشوا في الحي كانوا يعرفون سر تلك اللمعة جيدًا. كانت لمعة حزن خفيف، حزن عاش معها سنوات طويلة حتى صار جزءًا من روحها.

زينب لم تكن فقيرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. كان لديها شقة صغيرة ورثتها عن زوجها، وكانت تحصل على معاش بسيط يكفيها بالكاد. لم تكن تشكو من شيء، ولم تكن تطلب من أحد شيئًا. لكنها كانت تحمل نقصًا واحدًا ظل يطاردها طوال عمرها… نقص الأمومة.

منذ شبابها كانت تحلم ببيت مليء بالأطفال. كانت تحب صوت الضحك في البيوت، وكانت تقف طويلًا في الشرفة عندما ترى أطفال الجيران يلعبون في الشارع. لم تكن تغار منهم، لكنها كانت تنظر إليهم بنظرة فيها شيء يشبه الحنين إلى حياة لم تعشها.

تزوجت وهي في أوائل العشرينات من عمرها من رجل طيب اسمه محمود. كان عاملًا بسيطًا في ورشة نجارة، لكنه كان يحبها بصدق، وكانت حياتهما رغم بساطتها مليئة بالدفء. في أول سنة من الزواج كانا يحلمان بطفل، وفي السنة الثانية أيضًا، ثم الثالثة… لكن الطفل لم يأتِ.

في البداية كان الأمل كبيرًا. كانا يزوران الأطباء، ويجريان التحاليل، ويعودان كل مرة ببعض الأدوية وبعض النصائح. كانت زينب تلتزم بكل ما يقال لها بحماس، وتشعر في كل شهر أن المعجزة قد تقترب. لكنها كانت تستيقظ كل مرة على نفس الحقيقة… لا شيء يحدث.

مرت السنوات، ومعها بدأ الأمل يتراجع ببطء. لم يعد الحديث عن الأطفال يملأ البيت كما كان من قبل. صار الموضوع يُذكر أحيانًا، ثم يسكتان بعدها طويلًا.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

كان محمود يعمل ليلًا في الورشة عندما سقطت عليه ألواح خشب ثقيلة. الحادث كان مفاجئًا وقاسيًا، ولم يمضِ وقت طويل حتى وصلت الأخبار إلى زينب. في تلك الليلة انهار البيت الصغير الذي بنته أحلامهما معًا.

وجدت نفسها فجأة وحدها. لا زوج، ولا طفل، ولا عائلة قريبة تعيش معها. ومن يومها بدأت سنوات الوحدة الطويلة.

كانت الحياة تمضي ببطء شديد. تستيقظ في الصباح، تنظف البيت، تطبخ لنفسها، ثم تجلس في الشرفة تشاهد حركة الشارع. أحيانًا تتبادل الحديث مع الجيران، وأحيانًا تقضي اليوم كله دون أن تتكلم مع أحد.

لكن أكثر شيء كان يؤلمها هو ذلك السؤال الذي لم يتوقف الناس عن طرحه.

“ما خلفتيش ليه يا زينب؟”

كانت تبتسم دائمًا وترد بنفس الجملة:

“رزق… ربنا ما كتبش.”

لكن الحقيقة كانت مختلفة. في كل مرة تسمع السؤال كانت تشعر وكأن أحدهم يفتح جرحًا قديمًا في قلبها. كانت تعود إلى البيت أحيانًا وتبكي بصمت، ثم تمسح دموعها وتقول لنفسها إن الله أعلم بما في القلوب.

مرت السنوات هكذا… حتى وصلت زينب إلى سن لم يعد أحد يتوقع معه أن يحدث شيء جديد في حياتها.

لكن الحياة كانت تخبئ لها مفاجأة لم تخطر ببال أحد.

في أحد الأيام شعرت بتعب شديد. كان دوار غريب وغثيان متكرر لم تفهم سببه. حاولت تجاهل الأمر في البداية، لكنها بعد أيام قررت الذهاب إلى طبيب في عيادة صغيرة تقع خلف السوق الشعبي في الحي.

العيادة كانت بسيطة، وغرفة الانتظار فيها ضيقة، لكن الطبيب الذي يعمل هناك كان معروفًا بين الناس باسم “الدكتور كمال”. قالوا إنه شاطر، وإنه يساعد الناس بأسعار قليلة.

دخلت زينب إلى الغرفة وجلست أمامه. كان رجلًا في منتصف العمر، يتحدث بثقة ويبتسم كثيرًا.

سألها عن الأعراض، وكتب لها بعض التحاليل. وبعد يومين عادت إليه بالنتائج.

نظر إلى الأوراق قليلًا، ثم رفع عينيه إليها وقال الجملة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب:

“مدام زينب… إنتِ حامل.”

في البداية ظنت أنها لم تسمع جيدًا.

حامل؟

بعد كل هذه السنوات؟

ضحكت ضحكة مرتبكة وقالت:

“حضرتك بتهزر يا دكتور… أنا عندي ستين سنة.”

لكن الطبيب هز رأسه بثقة وقال إن التحاليل واضحة، وإن الجسم أحيانًا يفاجئ الأطباء بأشياء نادرة.

خرجت زينب من العيادة يومها وكأنها تسير في حلم. كانت تمسك بطنها بيدها وتبتسم للناس دون أن تشعر.

في الطريق إلى البيت كانت تتحدث بصوت منخفض، كأن أحدًا يسمعها من الداخل.

“يا نور… أنا مستنياك من زمان قوي.”

ومن تلك اللحظة بدأت حياتها تتغير.

صارت تستيقظ كل صباح وهي تضع يدها على بطنها وتتحدث إلى الطفل الذي تعتقد أنه ينمو بداخلها. كانت تخبره عن البيت الصغير الذي سيعيش فيه، وعن الشرفة التي سيجلس فيها، وعن الحارة التي سيكبر فيها ويلعب مع أطفالها.

حتى الجيران بدأوا يلاحظون التغيير. كانت تشتري ملابس أطفال صغيرة من السوق، وتعلقها في غرفة كانت مغلقة منذ سنوات.

بعض الناس تعاطفوا معها، لكن آخرين بدأوا يهمسون بأنها ربما فقدت عقلها من الوحدة.

قريباتها حاولن إقناعها بأن الحمل في هذا العمر خطر، لكن زينب كانت تبتسم وتقول:

“ربنا كتب لي المعجزة دي… وأنا مش هرفضها.”

الأشهر التسعة مرت عليها وكأنها أجمل حلم عاشته في حياتها. كانت تشعر أحيانًا بحركات في بطنها، أو هكذا كانت تظن، وكانت تضحك وتقول إن الطفل يتحرك.

كل زيارة للدكتور كمال كانت تزيدها طمأنينة. كان يؤكد لها أن الحمل يسير بشكل طبيعي، ويعطيها حقنًا وأدوية يقول إنها تساعد على تثبيت الجنين.

لكن اليوم الذي كانت تنتظره طوال حياتها… كان يحمل الحقيقة التي ستدمر كل شيء.

دخلت المستشفى يوم الولادة وهي متعبة لكنها سعيدة. كانت تبتسم للممرضات وتقول إن طفلها سيأتي أخيرًا.

عندما وضعها الطبيب أمام جهاز السونار لفحص الجنين، حدث شيء غريب.

الطبيب الشاب الذي كان يشغل الجهاز توقف فجأة. تغير وجهه، ونظر إلى الشاشة مرة أخرى وكأنه لا يصدق ما يراه.

ثم قال بصوت مرتفع:

“يا دكتور حسني… لو سمحت تعال بسرعة.”

دخل طبيب آخر، ثم ثالث. وقفوا جميعًا أمام الشاشة بصمت ثقيل.

زينب كانت مستلقية على السرير تنظر إليهم بقلق. لم يفهم أحد لماذا يبدو عليهم الارتباك.

أخيرًا التفت أحدهم إليها وقال بتردد:

“مدام… حضرتك متابعة مع مين؟”

قالت بسرعة:

“دكتور كمال… العيادة اللي ورا السوق.”

نظر الأطباء إلى بعضهم بدهشة.

ثم قال الطبيب الكبير بصوت منخفض:

“لازم ندخل عمليات فورًا.”

بعد دقائق كانت زينب تحت تأثير التخدير.

وفي غرفة العمليات، عندما بدأ الأطباء الجراحة… اكتشفوا الحقيقة المرعبة.

لم يكن هناك جنين.

لم تكن هناك مشيمة.

كان هناك فقط كتلة ضخمة من الأنسجة المتحورة.

اتضح لاحقًا أن “الدكتور كمال” لم يكن طبيبًا أصلًا. كان منتحل صفة طبيب، ويجري تجارب غير قانونية باستخدام هرمونات قوية وحقن خلايا مجهولة المصدر.

الحقن التي أعطاها لزينب تسببت في تضخم الورم الليفي في رحمها، وجعلت جسمها يفرز هرمون الحمل، لذلك كانت التحاليل تبدو وكأنها حامل.

أما الكتلة التي كانت تنمو داخلها… فلم تكن طفلًا.

كانت نتيجة تجربة طبية خطيرة.

عندما أفاقت زينب بعد العملية وأخبرها الأطباء بالحقيقة، انهارت تمامًا.

الحلم الذي عاشته تسعة أشهر… لم يكن سوى كذبة.

والطفل الذي كانت تتحدث إليه كل يوم… لم يكن موجودًا.

ألقت الشرطة القبض على كمال بعد أيام وهو يحاول الهرب خارج البلاد، لكن ذلك لم يغير شيئًا بالنسبة لزينب.

جسدها كان قد تضرر بشدة من الحقن، وقلبها لم يتحمل الصدمة.

عاشت فترة قصيرة بين المستشفيات، وقبل أن ترحل كانت تردد جملة واحدة فقط:

“أنا كنت عايزة أبقى أم بس…”

بعد وفاتها بوقت قصير، قرر بعض أهل الخير في الحي تحويل شقتها الصغيرة إلى مكان لرعاية الأطفال الأيتام.

ومع مرور الوقت صار البيت مليئًا بالضحكات التي كانت زينب تحلم بها طوال حياتها.

الأطفال كانوا يركضون في الغرف، ويلعبون في الشرفة، ويملأون المكان بالحياة.

وكان كل من يدخل البيت يشعر بشيء غريب… كأن روحًا طيبة ما زالت تحرس المكان.

كأن زينب تقف في أحد الأركان بهدوئها القديم، تنظر إلى الأطفال وهم يلعبون، وتبتسم ابتسامة حزينة لكنها راضية.

وكأنها تقول لهم بصوت خافت:

“أنا كنت مستنياكم طول عمري.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان