حين حاولوا سرقة طفلي
كانت الرائحة الحادة للمطهرات تملأ المكان، ذلك المزيج الذي لا تخطئه أنوف من مرّوا بتجربة المستشفيات. ضوء أبيض قاسٍ يتسلل من مصابيح السقف، وصفير أجهزة المراقبة الطبية يقطع الصمت على فترات متقطعة. وسط هذا كله، كانت حور تفتح عينيها ببطء شديد، وكأنها تعود إلى الحياة من مكان بعيد. شعرت بثقل غريب في جسدها، وبألم حاد يشق بطنها كأنه جرح ما زال طازجًا. حاولت أن تتذكر أين هي، لكن ذاكرتها كانت ضبابية، كأنها تستيقظ من حلم طويل.
حاولت أن تحرك رأسها قليلاً، فوقع نظرها على السرير الأبيض، والستارة الزرقاء التي تفصل بينها وبين بقية الغرفة. وفجأة، ارتجف قلبها عندما تذكرت شيئًا واحدًا فقط… طفلها. قبل أن تفكر في الألم أو الدواء أو العملية، خرج صوتها ضعيفًا لكنه مليء بالهلع: “فين ابني؟ هو مش على السرير جنبي ليه؟”
كان صوتها مبحوحًا، لكن السؤال كان واضحًا كالصاعقة. التفتت بعينيها باحثة حولها، فوجدت سامر يقف بالقرب من النافذة، يضع يديه في جيبيه، ووجهه خالٍ تمامًا من أي تعبير. لم يكن يبدو كزوج ينتظر زوجته بعد ولادة طفلهما الأول، بل كأنه يقف أمام موظف في اجتماع عمل عادي.
اقترب سامر ببطء، وقال بنبرة هادئة غريبة: “سامر ابنك مع زوجتي جومانه.”
تجمدت الكلمات في أذن حور للحظة، وكأن عقلها رفض أن يفهمها. حاولت أن ترفع جسدها من فوق السرير فجأة، لكن الألم ضربها كتيار كهربائي عبر جسدها. عادت تسقط على الوسادة وهي تتأوه، لكن عينيها بقيتا معلقتين بوجه سامر في ذهول.
قالت بصوت متقطع: “إيه اللي بتقوله ده؟ جومانه مين؟ وإيه اللي ودى ابني عندها؟”
لم يبدُ على سامر أي توتر. بل جلس على الكرسي بجانب السرير، وكأنه يستعد لشرح صفقة تجارية. ثم قال ببرود: “بصي يا حور… لازم تبقي فاهمة حاجة من الأول. جوازك مني كان مجرد صفقة.”
لم تصدق حور ما تسمعه. كانت الكلمات تتساقط عليها كأنها حجارة. حاولت أن ترفع صوتها رغم ضعفها: “صفقة؟! أنت بتتكلم عن إيه؟ أنا سألتك عن ابني!”
ابتسم سامر ابتسامة خفيفة وقال: “كل سكرتيرة بتقرب من مديرها المتجوز بيبقى عندها هدف واحد… الفلوس. وأنا قررت أحقق لك المكسب ده بسرعة.”
كانت حور تشعر أن الأرض تهتز تحتها. لم تكن تصدق أن الرجل الذي وثقت به، وتزوجته، يقف الآن أمامها ويتحدث بهذه الطريقة الباردة. لكنها لم تهتم بكلامه بقدر ما كان يهمها سؤال واحد فقط.
صرخت رغم الألم: “هات ابني دلوقتي حالاً! أنا مش فاهمة الجنون ده… ليه جومانه تاخده؟!”
تنهد سامر، ثم قال وكأنه يكرر جملة حفظها: “ابنك هيتكتب باسم جومانه… زوجتي.”
شعرت حور أن الدم انسحب من وجهها. همست بصوت مرتجف: “زوجتك؟ يعني إيه؟!”
أكمل سامر حديثه وكأنه يلقي تقريرًا: “كل حاجة باسمي وباسم جومانه. وهي ما بتخلفش. وأنا كان نفسي أبقى أب. لما عرفتي الموضوع قربتي مني واتجوزتيني… وده كان مناسب لينا كلنا.”
ثم أخرج من جيبه دفتر شيكات، مزق منه شيكًا فارغًا ومد يده به إليها.
قال ببساطة: “اكتبي المبلغ اللي عايزاه. اعتبريه مقابل الصفقة.”
في تلك اللحظة، تحولت الدموع في عيني حور إلى نار. خطفت الشيك من يده، ورمته في وجهه بكل ما بقي لديها من قوة وهي تصرخ: “شيك إيه؟! أنا عايزة ابني!”
لكن سامر ظل هادئًا بشكل مرعب. قال: “بلّغي لو حابة. بس مين هيصدقك؟ المستشفى مسجل إن جومانه هي اللي ولدت. وكل الفلوس اللي كنتي بتاخديها أثناء الحمل متوثقة إنها مكافآت شغل.”
انهارت حور تمامًا. حاولت نزع أسلاك المحاليل من يدها وهي تبكي: “حرام عليكم… ده ابني!”
وفي تلك اللحظة بالذات، فتح باب الغرفة.
دخلت امرأة أنيقة تحمل الرضيع بين ذراعيها. كانت جومانه.
وقفت تنظر إلى حور بنظرة باردة، ثم قالت بابتسامة خفيفة: “شكراً يا حور. قمتي بالواجب.”
اقتربت قليلاً، ثم أضافت: “الطفل ده بقى اسمه… ابن جومانه السيوفي.”
شعرت حور أن قلبها ينكسر حرفيًا داخل صدرها.
لكن جومانه لم تتوقف. قالت ببرود: “الشيك لسه على الأرض. خديه وامشي بكرامتك. لأنك لو حاولتي تقربي من القصر… هتدخلي السجن بتهمة خطف.”
خرج سامر وجومانه من الغرفة، وتركوا حور وحدها مع الألم.
لكن ما لم يعرفه الاثنان… أن الهاتف الصغير المخفي تحت وسادة حور كان يسجل كل كلمة قيلت في تلك الغرفة.
مرت ساعات ثقيلة. كانت حور مستلقية تحدق في السقف، وعقلها يدور في دوامة من الأفكار. في البداية شعرت بالعجز الكامل، لكن مع مرور الوقت بدأ الغضب يتسلل إلى قلبها بدلًا من اليأس.
أدركت أنها إن استسلمت الآن… فلن ترى طفلها مرة أخرى أبدًا.
ولهذا، عندما استطاعت أخيرًا الإمساك بهاتفها، اتصلت بشخص واحد فقط.
كان اسمه عادل.
محامٍ مشهور… وأيضًا المنافس اللدود لسامر في السوق.
عندما رد على الهاتف، قالت جملة واحدة فقط:
“معايا دليل يهد إمبراطورية سامر السيوفي… بس المقابل ابني.”
لم تمر ساعة حتى كان عادل يقف أمام سريرها في المستشفى.
استمع إلى التسجيل كاملًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة تدل على ذكاء شديد.
قال: “اللي عملوه ده تزوير أوراق رسمية… جناية.”
رفعت حور عينيها نحوه وقالت: “أنا مش عايزة أسجنهم… أنا عايزة ابني.”
أجاب بهدوء: “وهيرجعلك… بس لازم نلعب اللعبة صح.”
بعد أسبوع واحد فقط، كان قصر سامر يضج بالضيوف.
كانت جومانه تقيم احتفالاً كبيرًا بمناسبة قدوم “ابنها”.
الطفل كان يبكي في يد المربية بلا توقف، وكأنه يشعر بغربة المكان.
وفجأة…
فُتح باب القاعة بعنف.
دخل عادل… وخلفه حور.
توقفت الموسيقى، والتفتت الأنظار كلها نحوهما.
ضحكت جومانه بسخرية وقالت: “لسه فيكي نفس تمشي يا حور؟”
لكن عادل وضع ملفًا كبيرًا على الطاولة وقال ببرود:
“ده تقرير طبي من المستشفى… بيثبت إن فصيلة دم الطفل مستحيل تكون فصيلة دمك.”
ثم نظر إلى سامر وأضاف:
“وبالمناسبة… عندنا مفاجأة تانية.”
تقدم خطوة، ثم قال:
“سامر… عنده مشكلة تمنعه من الإنجاب.”
تحولت القاعة إلى صمت ثقيل.
نظرت جومانه إلى سامر بذهول لم تحاول حتى إخفاءه.
همست: “يعني… العيب منك؟”
لكن قبل أن يجيب، كانت حور قد اقتربت من المربية وأخذت طفلها بين ذراعيها.
احتضنته بقوة، وكأنها تستعيد روحها التي سُرقت منها.
ثم نظرت إلى سامر وجومانه وقالت بهدوء حازم:
“اللعبة خلصت.”
وتلك اللحظة… كانت بداية النهاية لهم، وبداية الحياة الجديدة لها مع طفلها.
ساد القصر صمت ثقيل بعد كلمات حور، ذلك الصمت الذي يشبه اللحظات التي تسبق العاصفة. كانت أعين الحاضرين تتنقل بين وجه سامر الشاحب، ووجه جومانه الذي تجمدت ملامحه فجأة، وبين حور التي تقف في منتصف القاعة تحتضن طفلها كأنها تحميه من العالم كله. لم تكن تلك الفتاة نفسها التي كانت تبكي قبل أيام في غرفة المستشفى، بل امرأة مختلفة تمامًا؛ امرأة اكتشفت فجأة أن قلب الأم حين يُجرح يتحول إلى قوة لا يمكن كسرها بسهولة.
لم يرد سامر فورًا، بل ظل ينظر إلى الملف وكأنه يحاول إيجاد مخرج أخير. ثم رفع رأسه ببطء وقال: “وإيه اللي عايزينه بالظبط؟”
كان السؤال بسيطًا، لكنه حمل في داخله اعترافًا غير مباشر بأن الموقف لم يعد تحت سيطرته. تبادل عادل وحور نظرة سريعة، ثم قال المحامي: “حور عايزة حاجة واحدة بس… ابنها.”
تجمدت جومانه في مكانها، ثم انفجرت فجأة: “مستحيل! الطفل ده ابني!”
ضحك عادل ضحكة قصيرة وقال: “ابنك على الورق بس، والورق ده ممكن يتغير في المحكمة خلال يومين.”
نظرت جومانه إلى سامر بحدة، وكأنها تطالبه بالتصرف فورًا. كانت طوال السنوات الماضية ترى نفسها صاحبة القرار، المرأة التي تدير كل شيء خلف الكواليس. لكنها الآن بدأت تشعر بأن الأرض التي وقفت عليها طويلاً بدأت تتشقق تحت قدميها.
قالت بصوت حاولت أن تجعله قويًا: “حتى لو الطفل خرج معاها دلوقتي… أنا ممكن أرجعه بالقانون.”
لكن عادل هز رأسه بهدوء وقال: “مش لو التسجيل اتقدم للنيابة.”
ساد الصمت مرة أخرى. كان واضحًا أن الجميع يفكر في العواقب. فالقضية لن تكون مجرد نزاع عائلي، بل فضيحة كبيرة قد تهدم اسم عائلة السيوفي بالكامل.
في تلك اللحظة، تحدثت حور أخيرًا. كان صوتها هادئًا بشكل غير متوقع: “أنا مش جاية أنتقم… ولا جاية أفضح حد.”
توقفت لحظة ثم أكملت: “أنا جاية آخد حقي… وحق ابني.”
تقدمت خطوة إلى الأمام، والطفل بين ذراعيها، وقالت: “لو خرجت من هنا دلوقتي من غير مشاكل… التسجيل هيفضل معايا بس.”
نظر سامر إليها طويلًا. ربما لأول مرة يرى فيها الإنسانة التي تجاهلها طوال الوقت. لم تكن مجرد سكرتيرة بسيطة كما كان يظن، بل امرأة تحمل في داخلها قوة لم يتوقعها أبدًا.
تنهد ببطء ثم قال: “خدي الطفل… وامشي.”
صرخت جومانه فورًا: “سامر! إنت اتجننت؟!”
لكنه لم يلتفت إليها. كان يعلم أن المعركة خاسرة. وأحيانًا يكون الانسحاب أقل خسارة من الهزيمة الكاملة.
أما حور فلم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه للحظة، ثم استدارت بهدوء نحو الباب. كان قلبها يخفق بقوة وهي تمشي، كأنها تخشى أن يتغير القرار في أي لحظة.
لكن أحدًا لم يتحرك.
خرجت من القصر أخيرًا إلى الهواء الطلق. كان الليل هادئًا، والسماء مغطاة بسحب خفيفة، والشارع شبه خالٍ. وقفت للحظة تحتضن طفلها، ثم رفعت رأسها نحو السماء وكأنها تحاول أن تستوعب ما حدث.
لم تكن تعرف ماذا سيحدث غدًا، ولا كيف ستبدأ حياتها الجديدة، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد فقط.
أن المعركة التي خاضتها لم تكن من أجل المال… ولا من أجل الانتقام.
بل من أجل حضن صغير… كان يستحق أن تحارب العالم كله لأجله.