ليلة “الصلح” المزيف.. حين عاد القميص الرمادي من تحت التراب
تنويه: هذه القصة عمل أدبي خيالي للتشويق فقط، ولا تقصد اتهام أشخاص أو جهات بعينها. تمت صياغتها بأسلوب سردي إنساني مناسب للنشر.
عمري ما كنت من الناس اللي بتصدق الحكايات اللي بتتقال عن البيوت القديمة، ولا كنت باخد كلام “القرين” و”اللي بيظهروا بالليل” على محمل الجد. كنت دايمًا بقول لنفسي: كل حاجة ليها تفسير، بس إحنا ساعات بنخاف فنلخبط الحقيقة بالخيال. لحد الليلة اللي اتعلمت فيها إن في بيوت بتفضل واقفة… لكن جواها حاجات بتتكسّر من غير صوت، وحاجات بتكبر زي العفن على الحيطان، ومش لازم تكون شايفها عشان تبقى موجودة.
الليلة دي كانت امبارح. الساعة كانت 2:13 بعد نص الليل بالظبط، وبصراحة أنا فاكر الرقم ده كأنه محفور في دماغي، مش عشان دي ساعة عادية… لأ، دي ساعة اتغير فيها البيت كله، واتغيرت علاقتي بأبويا وأمي، واتغيرت فكرتي عن الأمان نفسه. الجو كان ساكت سكات تقيل، السكات اللي تحس فيه إن البيت حابس نفسه، حتى صوت التلاجة في المطبخ كان بيطلع ويختفي كأنه بيخاف يكمّل رنّته.
صحيت من النوم على عطش، يمكن من البرد. البيت كان ساقع بطريقة غريبة، لدرجة إن نفسي كان طالع منه بخار خفيف وأنا ماشي في الطرقة. لمبة الممر كانت منوّرة نص نور، زيه زي كل حاجة في بيتنا من سنين: لا هي مطفية ولا هي منوّرة على حق. مشيت على أطراف صوابعي عشان ماصحّيش حد، وكنت هلف ناحية المطبخ… لكن وقفت فجأة لما لمحت ظل بيتحرك ناحية أوضة أمي.
شفت أبويا خارج من أوضة أمي. مش خارج بالعافية ولا متوتر، لأ… كان خارج ببطء شديد، ظهره محني سنة، كأنه شايل هم كبير على كتفه. اللي شدني أكتر إنه كان لابس القميص الرمادي… القميص اللي أمي كانت بتقسم من سنة إنها “ضيّعته” ومش لاقياه، وكانت كل ما تفتكر سيرته تحلف إن القميص ده اتشال من الدولاب في يوم زعل كبير ومشوفناهوش تاني.
أنا اتسمّرت مكاني. في لحظة حسيت بفرحة صغيرة بتطلع من جوايا من غير ما استأذن. قلت لنفسي: “أهو الصلح حصل… أهو البيت هيهدى أخيرًا.” من فتحة الباب شفت أمي قاعدة قدام المراية، بتسرّح شعرها… وبتضحك ضحكة صافية، ضحكة ما سمعتهاش من سنين، ضحكة كانت شبه ضحكتها زمان قبل ما الخلافات تبقى جزء من يومنا زي المية والهواء. أبويا مرّ من قدامي وكأنه مش شايفني، وبصراحة أنا ما ناديتش عليه، يمكن عشان ما أقطعش اللحظة الجميلة اللي انتظرتها كتير.
رجعت أوضتي وقلبي مرتاح. لأول مرة من شهور أحس إن في نهاية للشد والجذب اللي بين أبويا وأمي. نمت على أمل إن بكرة الصبح ألاقيهم قاعدين على السفرة بيتكلموا عادي، أو حتى ساكتين بس من غير تجهم ووشوش مقفولة. لكن الصبح جالي بحقيقة مختلفة… الحقيقة اللي بتدخل من الشباك مرة واحدة وتخبط في دماغك قبل ما تلحق تفتح عينك.
نزلت المطبخ لقيت أبويا قاعد بيشرب قهوة، ووشه عليه تعب وكسرة، نظرة حد ما نامش طول الليل. كان لابس تيشيرت أسود… مش القميص الرمادي. ولما شافني ابتسم ابتسامة سريعة وبعدين رجع يبص في فنجانه كأنه بيحاول يفتكر هو مين وإحنا فين. أنا قربت منه بحماس، وقلت له وأنا بحاول أهوّن عليه: “شكراً يا بابا إنك صالحت ماما امبارح… أنا شوفتك خارج من عندها وهي كانت طايرة من الفرحة.”
أبويا رفع عينه ليّا فجأة، نظرة ذهول حقيقية، وقال بصوت واطي لكنه حاد: “صالحت مين يا ابني؟ أنا منمتش طول الليل في الصالة من كتر التفكير… وأمك قفلت باب أوضتها بالمفتاح من الساعة تسعة ومفتحتش لحد دلوقتي.” أنا حسيت الدم يسحب من وشي. حسيت الأرض بتميل تحت رجليا. واللي زاد خوفي إن أبويا قال الجملة وهو متأكد، مش بيهزر، مش بيحاول ينكر، هو فعلاً… مكنش في أوضتها.
جريت معاه ناحية أوضة أمي. خبطنا مرة واتنين وتلاتة… مفيش رد. أبويا نادى باسمها بصوت أعلى… ولا حاجة. طلع مفتاح احتياطي من درج الكومودينو اللي جنب باب الأوضة، المفتاح ده ماكنش بيطلع غير وقت الطوارئ. إيده كانت بتترعش وهو بيدخله في القفل، وكأن القفل نفسه رافض يفتح. أول ما الباب اتفتح… دخل علينا هواء بارد غريب وريحتُه مش ريحة أوضة نوم. كانت ريحة تراب… وشيء تاني مش قادر أوصفه غير إنه ريحة “مكان مقفول من زمان”.
اللي شفناه جوه كان كابوس على مهل. المراية اللي أمي بتحبها… كانت مشروخة نصين، كأن حد ضربها من جوه مش من بره. وأمي كانت نايمة على السرير في وضع غريب، لا هي مرتاحة ولا هي متكوّرة، كأن النوم جالها فجأة وهي بتقاومه. لون وشها كان باهت، وأنفاسها بالكاد بتتبين. وعلى رجليها… القميص الرمادي. نفس القميص. بس كان مبلول مية… مية تقيلة، كأن اللي كان لابسه لسه طالع من بحر أو من مطر غزير. أبويا قرب منها بسرعة، ناداها، هز كتفها… مفيش استجابة. اتصلنا بالإسعاف، وكل ثانية كانت بتعدي وأنا حاسس إن قلبي بينزل درجة تحت.
في المستشفى، بعد ساعات طويلة من الانتظار والخوف، أمي فتحت عينها. فتحتها ببطء كأنها بتطلع من بئر. بصت لأبويا نظرة متلخبطة، وبعدين قالت جملة واحدة خلت شعري يقف: “أنا كنت فاكرة إنك صالحتني يا محمد… كنت حاسة بيك بتطبطب على كتفي وتقولّي إنك مش هتسيبني لوحدي أبدًا… بس كان ريحة هدومك تراب… وقبر.” قالت “قبر” وكأنها بتبلع الكلمة بالعافية، وبعدها عينيها دمعت من غير ما تعيط بصوت.
أبويا اتجمد. وأنا اتجمدت. لأن أمي مستحيل تقول الجملة دي من فراغ. أمي مهما كانت عصبية… مش من النوع اللي بيحب الدراما أو الحكايات الغريبة. أمي ست واقعية، بتشتم الكهربائي لو اتأخر، وبتحسب كل جنيه. فلما تقول إنها شمت ريحة “قبر” وهي في أوضتها… يبقى في حاجة حصلت فعلاً.
في طريق العودة للبيت، أبويا سكت كتير. كان سايق وهو متشنج. وأنا كنت ساكت لأن الكلام بقى تقيل. لحد ما وصلنا قدام البيت، وقف العربية، وما نزلش. بص قدامه وقال بهدوء مخيف: “القميص الرمادي ده… كان بتاع أبويا. جدك.” أنا بصيت له، حسيت بكلمة “جدك” بتتحول لكتلة باردة. كمل وهو بيبلع ريقه: “أبويا اتدفن بيه… أنا اللي شوفته بعيني. ومن يومها… القميص ده كل ما الزعل يزيد بيني وبين أمك، يظهر. مرة نلاقيه على كرسي الصالة، مرة في الدولاب، مرة تحت المخدة. افتكرناها صدفة… لحد ما بقت صدفة بتتكرر كتير قوي.”
أنا كنت عايز أصدق إن في تفسير منطقي: يمكن حد بيهزر، يمكن القميص اتخزن في مكان وبيتنقل بالغلط. لكن المية اللي عليه… المراية المشروخة… جملة أمي عن ريحة القبر… كل ده كان خارج حدود المنطق العادي. أبويا قال إنه لازم ينهي الرعب ده أو على الأقل يفهم “ليه” بيحصل. وطلع مفتاح قديم كان مخبيه في درج مكتبه، مفتاح شكله متهالك، كأنه شايل عمرين مش عمر واحد.
نزلنا سوا للبدروم. بيتنا قديم ومقسوم، وتحته قبو صغير بابُه الحديد بيصرّ كل ما يتفتح، وريحتُه دايمًا تراب ورطوبة. وأنا كنت بتفادى أنزل هناك طول عمري، لأن المكان بيحسسك إنك لو وقفت دقيقة زيادة هتسمع دقات قلبك من الخوف. أول ما نزلنا، النور كان ضعيف، لمبة واحدة معلقة في السقف تهتز كأنها بتتخانق مع الهوا. أبويا مشي قدامي، وأنا وراه، وكنت حاسس إن في حد تالت ماشي معانا… من غير ما أشوفه.
في ركن ضلمة، كان فيه صندوق خشب تقيل، مربوط بسلاسل حديد مصدية. أبويا ركع قدامه، ومسح بإيده على السلسلة كأنه بيعتذر. قال: “الصندوق ده كان بتاع أبويا… وأنا عمري ما فتحته من يوم ما مات.” وأنا سألت: “وليه مخبيه هنا؟” رد بسرعة: “عشان ما حدش يفتحه.” الجملة كانت بسيطة بس معناها كان كبير. فتح القفل بالمفتاح القديم… والغطا اتزحزح ببطء… وطلعت ريحة غريبة، ريحة بخور مخلوطة بريحة مية بحر مالحة.
كنت متوقع ألاقي صور قديمة، سبحة، قرآن، حاجات تذكار. لكن اللي لقيناه كان غير كده تمامًا. أول حاجة كانت ساعة جدّي… الساعة دي أنا فاكرها من صغري، كانت دايمًا في إيده. لقيناها واقفة بالظبط عند 2:13. نفس التوقيت اللي شوفت فيه “أبويا” خارج من أوضة أمي. كأن الوقت بيتثبت كل مرة عند نفس اللحظة، وكأن اللحظة دي هي الباب اللي بيتفتح.
تاني حاجة كانت جوابات قديمة… أوراق صفرا متنية، مكتوبة بخط إيد جدّي، لكن الغريب إن العنوان في أول صفحة كان اسمي أنا… اسمي بالكامل، كأنه كان كاتبلي من زمان وهو متأكد إن الورق ده هييجي في إيدي يوم من الأيام. وأنا وقتها حسيت بغصة: “ليه جدي يكتبلي؟ أنا كنت طفل صغير وهو مات.” أبويا كان بيقلب في الورق وهو مش قادر يبلع ريقه، وأنا كنت بقرأ سطور متقطعة: تحذيرات عن “البيت” وعن “الغضب” وعن “الزعل” اللي بيفتح أبواب ما تتقفلش بسهولة.
وبعدها لقينا قطعة مراية مكسورة من مراية أقدم. مسكتها وأنا خايف من انعكاسي فيها. بصيت… وما شفتش وشي. شفت ظل أبويا… لابس القميص الرمادي… واقف ورايا في الصورة. قلبي وقف. لفيت بسرعة… مفيش حد ورايا غير الحيطة. أبويا كان قدامي عند الصندوق. رجعت بصيت تاني في المراية… الظل موجود. ولما رفعت صوتي أقول لأبويا يبص، المراية من إيدي اتلوت سنة كأنها بتتنفس.
فجأة، نور البدروم بدأ يرعش ويطفي ويولع. الباب اللي فوق اتقفل “رزع” بقوة، لدرجة إن الهوا اتكهرب للحظة. سمعنا صوت خطوات تقيلة جاية من سقف البدروم… خطوات حد ماشي في الصالة فوقنا “حافي”، الصوت واضح وبطيء كأنه بيتعمد يخضّنا. أبويا همس بصوت مخنوق: “اسكت خالص… هو مش عايزني أفتح الصندوق.”
قبل ما أستوعب كلمة “هو”، سمعنا صرخة مكتومة من فوق… صوت أمي. الصرخة كانت قصيرة، كأن حد كتمها بإيده في آخر لحظة. وبعدها… سكت كل شيء. أبويا جري على السلم، حاول يفتح الباب، لكن الباب كان كأنه ملحوم في الحيطة. ضربه بكتفه مرة واتنين، وأنا واقف مش قادر أعمل حاجة غير إني أسمع صوت أنفاسنا وهي بتتخبط في المكان الضيق.
بصيت ناحيه الركن… وشفت “أبويا” تاني. بس ده مش أبويا. كان واقف في الضلمة، لابس القميص الرمادي، ووشه ملوش ملامح، مجرد سواد سايب مكان العيون والمناخير والفم. مد إيده ناحيتي… وقال بصوت واطي لكنه كان زي الفحيح: “ماما مبسوطة يا حبيبي… متبوّظش اللحظة… اطلع نام.”
أنا حسيت رجلي بتسخن من الرعب. حاولت أرجع لورا فخبطت في الحيطة. أبويا الحقيقي كان بيحاول يفتح الباب فوق، لكن الصوت اللي في الضلمة كان أقرب مني، كأنه واقف جوه رأسي مش في الركن. لحد ما أبويا قدر يكسر السلسلة اللي كانت ماسكة الباب من فوق، وطلعنا جري… وأنا كل اللي في بالي: لازم أشوف أمي.
لقينا أمي قاعدة في الصالة… في ضلمة كاملة، حتى ستارة الشباك كانت مسدودة. كانت بتغني أغنية قديمة، نفس الأغنية اللي جدتي كانت بتغنيها لجدّي زمان. صوتها كان رخيم… لكن مرعوب. وكانت ماسكة مقص، وبتقص القميص الرمادي لحتت صغيرة وهي بتضحك ضحكة مش بتاعتها، ضحكة فيها تكسّر. رفعت عينيها لينا… عينين واسعة جدًا… وقالت: “هو قالي إنك هتفتح الصندوق… وقالي أجهز لكم العشا… بس العشا النهاردة مش أكل… العشا حكايات… مش هتخلص.”
من يومها… البيت ما بقاش بيظلم. مش لأننا حبينا النور، لكن لأننا لو طفينا اللمبات… بنسمع خطواته. “أبويا التاني” بيمشي في الطرقة ببطء، وبيوقف قدام الأبواب ويقرب وشه من الخشب كأنه بيشمّ الناس. والقميص الرمادي اللي أمي قصّته؟ رجع سليم زي ما كان، نضيف، ومفرود على سرير أبويا كأنه بيعلن وجوده كل ليلة.
الهروب ماكانش حل. اكتشفنا إن الحكاية مش حيطان. الحكاية كانت بتتسلل في التفاصيل: في دخان السجاير اللي أبويا كان بيشربها لما يتوتر، في صمت أمي لما تزعل، في أي لحظة يتحول فيها البيت من حضن لخصام. أبويا قرر يفتح الجزء المخفي في الصندوق… “القاع المزدوج”. كسر الخشب بإيده وهو بينهج، وطلع صورة فوتوغرافية قديمة أبيض وأسود. صورة جدّي وهو شاب… واقف جنب نسخة منه بالظبط، نفس القميص الرمادي، لكن النسخة التانية عينها بيضا تمامًا، وابتسامتها واصلة لودانها.
على ضهر الصورة كان مكتوب بخط مهزوز: “القرين لا يموت… هو ينتظر الزعل ليعيش، وينتظر الفرح ليسرق الروح.” أبويا قراها بصوت مبحوح… وحسيت إن الجملة مش كلام على ورق… دي تعليمات. أو تهديد. أو اعتراف متأخر قوي.
الليلة اللي بعدها، الساعة قربت من 2:13… وبمجرد ما العقرب وصل، النور بدأ يرعش كالعادة. البيت اتملّى بريحة بحر، ريحة ملح. سمعنا خربشة ورا باب أوضة أمي. أبويا مسك كشاف وقرب من الباب وهو بيترعش. قلت له وأنا قلبي بيتقطع: “بابا… بلاش تفتح… الريحة ملت البيت.” رد وهو بيحاول يبان قوي: “لازم أنهي المهزلة دي… أمك بتموت جوه وهي بتضحك.”
فتح الباب بقوة… الأوضة كانت غرقانة مية. مش مية على الأرض بس… مية نازلة من السقف زي مطر. وأمي كانت واقفة فوق السرير، شعرها مبلول ومغطي وشها، وبترقص ببطء شديد… كأن في موسيقى محدش غيرها سامعها. قدامها كان “الخيال” الطويل، لابس القميص الرمادي. لف وشه لينا… ماكانش له ملامح، كان دخان أسود متجمع على شكل أبويا.
صوته طلع من كل ركن في البيت في نفس الوقت: “أنت زعلتها… أنا فرحتها… هي ملكي دلوقتي.” أبويا الحقيقي اتراجع خطوة… وبعدين شال الصورة من إيدي ورماها في وسط المية وولّع فيها بالولاعة. أول ما النار لمست الصورة، البيت كله اتهز بصوت صرخة مش بشرية، صرخة تخليك تحس إن الجدران بتتوجع. الخيال بدأ يدوب زي الشمع، والمية اتحولت لسواد زي الحبر، وأمي وقعت مرة واحدة على الأرض كأن حد قطع الخيط اللي ماسكها.
الفجر جه… والبيت ريحته حريق. أمي وأبويا قعدوا في الصالة ساكتين. أمي بصت لأبويا وقالت بصوت خافت: “هو مشي؟” أبويا رد: “الصورة اتحرقت… المفروض يكون مشي.” وأنا حاولت أصدق. حاولت أقول لنفسي إننا خلّصنا. لكن وأنا واقف، بصيت على المراية اللي ورا أبويا… ولقيت انعكاسه لابس القميص الرمادي… وبيغمزلي بعينه.
ساعتها فهمت الحقيقة اللي مكنتش عايز أفهمها: الحريق ما أنهى الكيان… الكيان بدّل الأماكن. أبويا اللي قدامي… يمكن يكون النسخة، والنسخة دي اتعلمت تقلد كل حاجة: الصوت، المشية، حتى التعب في العين. وأبويا الحقيقي… يمكن محبوس جوه المراية، في الجانب التاني اللي محدش بيرجع منه بسهولة.
حاولت أتكلم… لكن لساني نشف. “أبويا” قرب مني ببطء، وحط إيده على كتفي بحنان بارد، وقال بنبرة حنينة مرعبة: “ماما مبسوطة يا حبيبي… مش عايز تبقى مبسوط أنت كمان؟” وأنا في اللحظة دي شفت في طرف عيني… يد بتخبط من جوه المراية. يد أبويا الحقيقي. بتخبط من غير صوت. وعيونه… مليانة دموع وتحذير.
اتراجعت لورا لحد ما ضهري لمس إطار المراية البارد. تذكرت الجملة المكتوبة: “ينتظر الفرح ليسرق الروح.” هو ما بياخدش بالحزن بس… بياخد بالخداع. مسكت قطعة صغيرة من القميص الرمادي كانت متعلقة في إيد أمي من ليلة القص، وحطيتها بسرعة على نار شمعة كانت منسية على ترابيزة جنب المراية. في ثانية… البيت اتحول لدوامة أصوات، كأن كل حائط بيصرخ. “أبويا المزيف” جسده بدأ يتشقق كأنه فخار قديم، وملامحه ساحت لملامح جدّي… وهو بيصرخ: “أنا لم أمت… أنا حيّ في حزنكُم!”
بدل ما أكسر المراية، خدت قرار مجنون: دفعت “أبويا المزيف” بكل قوتي ناحية الزجاج. أول ما جسمه لمس المراية… الزجاج ما اتكسرش. اتحول لمية سودا. انفجر ضوء أسود لحظة، وشفت دوّامة كأنها فم مفتوح. وفي نفس اللحظة… أبويا الحقيقي اندفع من جوه المراية كأنه كان بيغرق، وقع على الأرض وهو بيشهق، والكيان اتسحب للناحية التانية كأنه اتسجن في فراغ ملهوش نهاية.
سقطنا كلنا… والبيت سكت. سكت سكات مرعب، بس كان أحسن من أي صوت سمعناه قبل كده. تاني يوم الصبح، دخلنا الأوضة… ماكانش في مية، ماكانش في صندوق، وماكانش في مراية. كأن كل حاجة كانت حلم. لكن الحيطان كانت متفحمة في أجزاء، كأن نار قديمة عدت من هنا. وأنا لما بصيت لإيدي… لقيتها مغطاة برماد رمادي.
رفعت عيني للمراية الوحيدة اللي كانت لسه موجودة في الصالة… وما شفتش نفسي. شفت الصالة فاضية، وشفت أبويا وأمي ماسكين إيدين بعض وبيبصوا ناحية السرير… وفي السرير كان في جسد ممدد. جسد صغير. جسدي أنا. لحظتها فهمت اللي حصل من غير ما حد يشرح: أنا اللي اندفعت ناحية المراية… وأنا اللي ما رجعتش بالكامل. أبويا الحقيقي خرج، وأمي فاقت… لكن أنا اتعلّقت في الناحية التانية، في العالم اللي بيبدأ من جوه الزجاج.
من ساعتها… أنا بقيت أشوفهم من خلف المراية. أشوفهم وهم بيبكوا، وهم بيحاولوا يقنعوا نفسهم إنهم نجوا. وأشوف ورا ضهري… الكيان، لابس القميص الرمادي، بيقف قريب مني ويحط إيده على كتفي ويهمس: “دلوقتي… صرنا عيلة واحدة للأبد.” وأحيانًا، لما النور يضعف، بسمع خطواته وهو بيتحرك جوه الفراغ زي ما كان بيتحرك في بيتنا… بس المرة دي جنب أذني مباشرة.
لو في يوم دخلت بيت قديم وشفت مراية مشقوقة سنة، وشفت طفل يلوّحلك من جوه الزجاج… ما تلوّحش له. ما تقربش. مش لأن الطفل وحش… لكن لأن العالم اللي جوه المراية دايمًا بيدوّر على حد يبدّل مكانه. وحكاية “الصلح” ساعات بتبقى مجرد طُعم… عشان حد تاني يلبس وشّ أب، أو يسرق روح بيت كامل، وهو بيقول بكل هدوء: “متبوّظش اللحظة… اطلع نام.”