طبخة الغدر.. قصة “منة” والوليمة المسمومة
منة كانت من النوع اللي الناس تقول عليه “ست أصيلة” من غير ما يفكروا مرتين؛ ست بيتها ما يتسمعش فيه صوت غير صوت الملاعق وهي بتتقلب في الحِلَل، وصوت الميه وهي بتغسل رز المحشي، وصوت الفرن وهو بيتنفس سخنته كأنه شريك في العِشرة. كانت بتصحى قبل الفجر بدقايق، تلم شعرها بسرعة وتربط المريلة على وسطها، وتبتدي معركة اليوم كأنها داخلة تطلع “ثواب” لا أكلة وخلاص. ريحة البط وهو بيتحمر، والمحشي وهو بيتصفّ في الصواني، والرقاق وهو بيتعمل طبقة طبقة، كانت بتملأ الشقة وتخلي أي حد يعدّي في السلم يبلع ريقه غصب عنه. ومنة كانت فرحانة… مش عشان الأكل بس، لأ؛ عشان محروس جوزها كان بيمثل عليها دور الرجل الطيب اللي بيوزع الأكل “لله” على الغلابة اللي عند الجامع. كل يوم تقريبًا، أول ما يلمح الصواني بتطلع سخنة، يدخل عليها المطبخ يفرك إيده بلهفة، ويقول بصوت كله حماس: “بسرعة يا منة، الغلابة مستنيين الوجبات دي على نار.. لولاكي يا أصيلة ما كنتش عرفت أعمل الثواب ده!” فتبتسم منة، ابتسامة فيها تعب وفيها رضا، وترد: “يا حبيبي ده واجبي… واللقمة اللي تروح لبطن جائع أحسن من ألف عزومة.” كانت حاسة إن بيتها بيتبارك، وإن تعبها له معنى، وإن ربنا شايفها حتى لو محدش شايفها.
محروس كان شاطر في الحكاية دي… شاطر لدرجة إن منة ما عمرها ما شكّت لحظة. كان يرجع بالليل يقعد قدامها كأنه خارج من “ميدان خير” مش من شارع عادي، ويحكيلها إن الست العجوز اللي عند الجامع دعت لها دعوة “تفتح أبواب السما”، وإن عيل صغير مسك إيده وهو بيسلمه الشنطة وقاله: “ربنا يكرمك يا عمو.” كان بيحط الحكايات دي جنب رغيف العيش، فتبلعها منة مع لقمتها وتزيد شوية حب وشوية ثقة وشوية تضحية… من غير ما تحس إنها بتدي أكتر ما تاخد. وفي وسط الكلام كان يرمي جملة كده تخليها تفتخر بنفسها: “إنتي ست بمليون ست، وربنا يكتبهالك في ميزان حسناتك.” فتسكت منة، وتبص في الأرض، وتقول: “الحمد لله.” وهي من جوّا كانت بتحلم إن ربنا يعوضها عن سنين التعب والحرمان اللي عاشتها قبل الجواز، وعن الشغل اللي كانت بتشتغله وهي صغيرة عشان تساعد أبوها، وعن الليالي اللي نامت فيها وهي بتحضن وسادتها وتقول: “يا رب ستر.” كانت فاكرة إن ستر ربنا جه على هيئة محروس… وتعبها في المطبخ بقى طريقها للجنة.
لكن الدنيا ساعات بتتسلل للبيوت من أضيق فتحة… فتحة صغيرة اسمها “محفظة” اتنسيت على السفرة. اليوم ده كان عادي في شكله، بس كان متخبي جواه زلزال. محروس جه بدري وقال إن النهارده لازم الوجبات تتوزع قبل المغرب عشان “الناس مستنية”، ومنة وقفت خمس ساعات كاملة، محشي هنا، بط هناك، رقاق يتشرب شربة، وسلطات تتظبط، وشرايط فويل تتفرد، وشنط كبيرة تتجهز وتتشال. محروس كان بيتحرك في الصالة زي قائد حملة، يدخل يطمن، يخرج يشوف الشنط، يرجع يزودها كلمة حلوة، وكل ده وهو بيستعجل. وأخيرًا شال الشنط الكبيرة ونزل بسرعة البرق… لكن المحفظة فضلت على السفرة، مفتوحة شوية، كأنها بتستغيث: “أنا هنا.” منة لمحتها، وقلبها اتقبض: “يا نهار أبيض… لو وقف في سكة أو احتاج يدفع حاجة أو يركب مواصلة… هيتصرف إزاي؟” لبست إسدالها على عجل، ونزلت تجري وراه… كانت ناوية تلحقه وتدي له المحفظة وترجع تكمل ترتيب المطبخ وتغسل بقايا اليوم، وتنام وهي راضية. بس أول ما خرجت من باب العمارة… لقت نفسها بتدخل في فيلم عمرها ما كانت تتخيله.
منة شافت محروس من بعيد وهو رايح ناحية عربيته، حط الشنط في الشنطة الخلفية، وقفلها وهو بيصفّر، وبعدين ركب. قالت لنفسها: “الحمد لله لحقته.” جريت خطوتين… لكنه اتحرك بالعربية فجأة، ومشي في طريق عكسي تمامًا للطريق اللي بيودّي للجامع. منة وقفت مكانها، ورموشها بتترعش من الاستغراب. يمكن في حاجة؟ يمكن هيمر على حد ياخد معاه؟ يمكن هيروح يشوف مكان التوزيع؟ حاولت تدي نفسها مبرر، لكن العربية كانت بتبعد بسرعة، وفضول الست… أو إحساس الست… شدها من قلبها شد. منة رفعت إيدها لأول تاكسي عدّى، ركبت وهي بتقول للسواق: “امشي ورا العربية اللي قدام دي… بس من بعيد.” السواق بص لها في المراية باستغراب، وهي اتوترت وقالت بسرعة: “دي عربية جوزي… ناسي حاجات مهمة ومش عايزاه يتعطل.” السواق هز راسه، ومشى.
الطريق اتطوّل، والجامع اختفى من الخيال، وأحياء تانية بدأت تظهر؛ شوارع أوسع، عمارات أشيك، محلات أنضف، ناس ماشية بلبس مختلف، كل حاجة بتقول إن الاتجاه غلط. منة كانت قاعده في الكنبة الخلفية حاسة إن قلبها بيتسلق في صدرها، وإيديها بتتعصر في بعضها. كل ما العربية تقرب، محروس يزيد سرعة، كأنه فرحان… مش متوتر ولا مستعجل للصدقة زي ما بيقول. وبعد دقائق، العربية وقفت قدام عمارة شيك في منطقة تانية خالص. منة بَصّت من شباك التاكسي، واتسمرت… محروس نزل وهو شايل الشنط، ووشه بيضحك… بيضحك ويغني! نفس الراجل اللي كان عامل فيها “فاعل خير” عندها، واقف هنا في منطقة راقية كأنه رايح لعزومة. منة دفعت الأجرة بيد مرتعشة، ونزلت وهي بتحاول تستخبى ورا أي حاجة؛ عربية مركونة، عمود نور، شجرة صغيرة. كانت شايفة محروس داخل من باب العمارة كأنه صاحب المكان، لا متردد ولا خايف.
طلعت وراه على السلم بسرعة، بس بحذر، وكأن كل خطوة بتدق على أعصابها. وقفت في مدخل الدور اللي فوقيه، واتنفست ببطء تحاول تهدي رعشة جسمها، وقالت: “يمكن دي شقة حد من الغلابة… يمكن مستأجرين هنا.” لكنها كانت بتكدّب نفسها وهي عارفة إن الغلبان مش بيسكن في عمارة بالشكل ده. جرس الباب رن… ومنة سمعت الصوت اللي هز كيانها. صوت ست بنعومة ودلع، بتضحك وهي بتفتح: “تأخرت ليه يا محروس؟ البيبي كان هيموت من الجوع… والريحة قلبت الشقة!” كلمة “البيبي” دخلت في ودان منة زي سكينة، وماتت جواها ألف حاجة في ثانية. محروس رد بصوت كله حنية… حنية ما سمعتهاش من سنين: “يا روحي… ده أنا واقف من الفجر في المطبخ عشان أعملك البط والمرتة اللي بتحبيهم… وأمك كمان تأكل وتدعي لي.. قوليلي بقى يا صافي حبيبتي… عايزة تأكلي إيه بكرة؟”
منة حسّت الدنيا بتلف… “الغلابة” طلعوا صافي وأمها! والصدقة اللي كانت بتطبخها بدم قلبها طلعت وجبات فندقية لمراته التانية اللي مخبيها، وحامل كمان. كانت واقفة ماسكة في درابزين السلم كأنها هتقع، ودقات قلبها بتخبط في صدرها زي طبول جنازة. حاولت تبقى ثابتة، لكن رجليها خانتها… رجعت خطوة ورا خطوة، نزلت السلم وهي بتعض على شفايفها عشان ما تصرخش. ركبت تاكسي تاني ورجعت البيت، مش شايفة الشوارع، ولا السواق، ولا الناس… شايفة بس صافي وابتسامتها، وكلمة “يا روحي” اللي محروس قالها، وسنينها اللي راحت في المطبخ وهي فاكرة نفسها بتبني بيتها على خير.
دخلت منة الشقة وجسمها بيتنفض. المطبخ كان واقف زي شاهد… الحِلَل على النار لسه سخنة، الريحة لسه مالية المكان، المريلة متعلقة على الكرسي، والسكين اللي قطعت بيه البصل لسه جنب الحوض. بصت لكل ده وكأنها بتشوفه لأول مرة. اكتشفت إنها كانت “الشيف” اللي بيتعب عشان ضرتها تتغذى ببلاش، وإن جوزها كان بيبني بيت تاني على أنقاض صحتها ونيتها الطيبة. وقفت في نص المطبخ، والسكوت اللي في البيت كان أرعب من أي صرخة. بصت لإيدها اللي لسه فيها أثر تقشير البصل وريحة الثوم، وبصت للحلل اللي كانت فاكراها باب للجنة وطلعت خدمة فندقية لحد تاني. في اللحظة دي… منة ما بكتش. منة اتبدلت.
هي عمرها ما كانت من النوع اللي يعمل فضايح، ولا من النوع اللي ينهار ويعيط قدام اللي خانها. كانت دايمًا تقول لنفسها: “أنا بنت أصول… اللي يتغدر بيا مش لازم أصرخ، يكفيني إني أفهم.” قعدت على كرسي المطبخ، وفضلت تفكر تفكير بارد… غريب حتى عليها. هل تواجهه دلوقتي؟ هل تستناه؟ هل تروح لحد من أهله؟ بس فجأة افتكرت حاجة أهم: محفظته… سبب المصيبة. فتحتها، لقت فيها إيصالات، كروت، وأوراق. قلبتها واحدة واحدة بعينين ثابتة، لحد ما لقت ورقة مطوية، فيها عنوان… نفس العمارة اللي راحتها. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت الباب بيتفتح في آخر الليل، ومحروس داخل يمثل دور “فاعل الخير” التعبان. صوته من الصالة: “يا منة… يا أصيلة… ربنا يبارك فيكي، النهاردة الغلابة دعولك دعوات تفتح أبواب السما.” منة ما ردتش. دخل هو المطبخ، واتفاجئ إنها مجهزة سفرة تفتح النفس… أكل تاني، وشاي سخن، وقاعدة مستنياه بابتسامة هادية زيادة عن اللزوم.
محروس قعد وهو بيحاول يبان طبيعي، ومد إيده للعيش وقال: “يا سلام… ده انتي ما بتبطليش خير.” منة بصت له بعين ثابتة، وقالت بصوت منخفض لكنه كان حاد زي الموس: “بالهنا والشفا للي أكل يا محروس… قولي بقى… صافي عجبها البط؟ والبيبي اللي في بطنها شبع؟” اللقمة وقفت في زوره. وشه قلب ألوان زي شاشة فاسدة. حاول يضحك ضحكة قصيرة وقال: “صافي مين؟ وبيبي إيه؟ انتي شكلك تعبتي من الوقفة في المطبخ.” منة ما اتحركتش… قامت بهدوء، وطلعت المحفظة من جيب إسدالها وحطتها قدامه على السفرة: “المحفظة دي هي اللي ودتني وراك يا محروس… هي اللي خلتني أشوفك وأنت شايل شنط الأكل للغلابة بتوع العمارة الشيك. مبروك عليك البيبي… ومبروك على صافي… الست اللي كنت مسخّرني أخدمها ببلاش.”
محروس ابتدى يلف ويدور، الكلام يتلخبط في لسانه، يحاول يخلق قصة تنقذه: “يا منة افهمي… دي ظروف… أنا ما كنتش عايز أجرحك… الموضوع حصل غصب عني… و…” منة قاطعته وهي بتفك المريلة من على وسطها ببطء، وترميها قدامه على السفرة كأنها بتخلع شغلانة مش زوج: “تنسى خالص إن ليك شيف هنا. من بكرة… صافي هي اللي تقف تطبخ لنفسها ولأمها، وأنا هاخد مؤخري… وكل مليم دفعته في الأكل ده من مالي الخاص… والبيت ده مالكش فيه غير هدومك… تلمها وتخرج تروح للغلابة بتوعك.” محروس قام وهو بيحاول يقرب منها: “استني… ما تهدي… أنا هعدل… أنا هقسم… أنا…” منة رفعت إيدها بإشارة واحدة وقفت كل الكلام: “اللي بدأ بكذبة… نهايته دايمًا وجع. وأنا مش هعيش بقيت عمري أقسّم نفسي بينك وبين غيري.”
اللي حصل بعد كده كان أسرع مما توقع. منة ما استنتش وعود ولا دموع، لأنها كانت عارفة إن الدموع في النوع ده بتبقى وسيلة نجاة مش ندم. تاني يوم الصبح، جمعت أوراقها بهدوء، واتصلت بمحامية كانت صاحبتها القديمة ترشحها لها، وقدمت قضية خلع. واجهت كلام الناس، ونظرات الشفقة، ومحاولات التليين من أهل محروس اللي فجأة افتكروا إنها “ست بنت ناس”، لكن منة كانت أخيرًا شايفة نفسها. خرجت من البيت وهي موجوعة، بس مرفوعة الرأس، وقررت إنها بدل ما تضيع عمرها في مطبخ واحد ما يستاهلش، هتفتح مطبخها هي… لنفسها.
بدأت بمشروع أكل بيتي صغير. في الأول كانت بتعمل صواني محشي للطلبية، وصينية بسبوسة للجيران اللي شجعوها، ووجبات بسيطة للموظفين اللي حوالين بيتها. الناس حبت أكلها، مش بس عشان طعمه، لكن عشان كان فيه روح… روح واحدة اتغدرت بس ما اتكسرتش. ومع الوقت، المشروع كبر، وبقى ليها اسم، وبقى اللي كان بييجي ياخد “وجبة صدقة” زمان، بييجي دلوقتي يدفع وهو راضي عشان ياكل من إيد “الشيف منة”. أما محروس… فالحياة علمته اللي منة ما كانتش لازم تعلمه. صافي اللي كانت عايشة على شنط الأكل، ما بقتش تلاحق على طلبات الدليفري، ومصاريف البيبي، ومزاج أمها، وبقى محروس يلف ورا منة من بعيد، يترجاها بالكلمة، مرة برسالة، مرة بوسيط… لحد ما وصل بيه الحال يبعت يقولها: “ممكن تعمليلي أي حاجة… حتى بيضة مسلوقة.” ومنة ساعتها بس ابتسمت ابتسامة قصيرة، مش شماتة… ابتسامة واحدة فهمت أخيرًا إن رد الاعتبار مش دايمًا صراخ… أحيانًا بيبقى نجاح هادي، وبداية جديدة من غير ما تلتفتي لورا.
وهنا ييجي السؤال اللي كل واحد بيسأله بطريقته: هل منة كان المفروض تسامحه لو حلف إنه هيعدل بينهم؟ ولا اللي بدأت بكذبة، نهايتها دايمًا كده؟ منة ما ادّعتش إنها ملاك، ولا قالت إن قلبها ما وجعهاش… بس قررت إن اللي يحول بيتها لمسرح تمثيل، ما يستحقش يعيش فيه. وقررت كمان إن الطيبة مش معناها إنك تسيبي حد يسرق تعبك باسم الدين أو “الثواب”. ومن يومها، كل ما حطت بهارات في حلّة جديدة، كانت بتفتكر إن الحياة ممكن تكون مرة… بس عمرها ما بتفضل مرة على طول، طالما الواحد عرف إمتى يقوم… ويمشي.