فتاة_السماء: أنا التي سقطت من الغيوم ولم تمت ☁️ الـ “المعجزة”
كنت أسمعهم لاحقًا ينادونني باسم فتاة_السماء، لكن في تلك الليلة لم أكن سوى فتاة عادية تجلس بجوار أمها في طائرة تعبر سماء الأمازون، لا تدري أن حياتها ستنقسم إلى ما قبل السقوط وما بعده. لم أكن أتخيل أن السماء التي أحببت النظر إليها من خلف زجاج النافذة يمكن أن تتحول إلى فراغ هائل أُلقى فيه وحيدة، ولا أن الغيوم التي بدت ناعمة وبريئة ستصبح آخر ما أراه قبل أن أبدأ أطول رحلة في حياتي، رحلة لم تكن باتجاه مدينة أو مطار، بل باتجاه الأرض نفسها.
كانت ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1971، ليلة يفترض أن تمتلئ بالدفء والاحتفال، لكن السماء فوق الأمازون لم تكن هادئة. كانت الغيوم متراكمة، داكنة، تتخللها ومضات بعيدة توحي بعاصفة تتشكل في العمق. جلست بجوار أمي، أراقب الضوء الخافت في المقصورة وأستمع إلى صوت المحركات الرتيب. كان في داخلي قلق خفيف، لكنه لم يكن خوفًا صريحًا، بل إحساسًا بأن الهواء ثقيل، كأن الطبيعة تمسك بأنفاسها.
ثم حدث كل شيء بسرعة لم يسمح لي بفهمه. ومضة بيضاء خاطفة اخترقت النافذة، تلاها صوت انفجار مدوٍ جعل صدري يرتطم بحزام الأمان. شعرت بالطائرة تهتز بعنف، وسمعت صرخات متقطعة، وصوت معدن يتشقق. لم أكن أرى بوضوح ما يحدث، لكنني شعرت أن الطائرة لم تعد كيانًا متماسكًا، بل جسدًا يتفكك في الهواء.
في لحظة ما، اختفى الإحساس بالداخل والخارج. لم أعد داخل الطائرة، ولم أعد أشعر بالأرض تحت قدمي. كان هناك فراغ، هواء بارد يندفع حولي، وصوت صفير حاد في أذني. أدركت، ببطء مذهل، أنني أسقط. كنت مربوطة بمقعدي، والحزام يشدني بقوة، والمعدن من حولي يهتز. الغيوم تمر بسرعة، والسماء تدور، والأرض في الأسفل تقترب ببطء لا يصدق.
لا أذكر أنني صرخت. ربما فعلت، وربما لم أستطع. كان المشهد أكبر من قدرتي على الاستيعاب. لم يكن سقوطًا لحظيًا كما في الأحلام، بل كان زمنًا ممتدًا، ثوانٍ طويلة كأنها دقائق، شعور بالانفصال عن كل شيء. كنت أفكر في أمي، في أبي، في بيتنا، في أشياء صغيرة لا علاقة لها بالموت. ثم انطفأ كل شيء.
حين فتحت عيني، لم أكن في السماء. كنت على الأرض، مستلقية على ظهري، أحدق في شريط ضيق من الضوء يتسلل بين قمم الأشجار. الهواء كان رطبًا وثقيلاً، تفوح منه رائحة طين وأوراق متحللة. حاولت أن أتحرك، فانفجر الألم في كتفي الأيسر كشرارة كهرباء. شعرت بدوار حاد، وبأن رأسي مثقل، ونظارتي لم تكن على وجهي. كنت أرى العالم مشوشًا، بلا تفاصيل واضحة.
جلست بصعوبة، وناديت أمي. لم يجبني أحد. لم يكن هناك صوت لمحركات، ولا صدى لصراخ، ولا أثر لحطام واضح حولي. كان هناك فقط صمت غريب، يتخلله أزيز حشرات بعيدة. أدركت أنني وحدي، وسط غابة لا أرى لها نهاية.
حاولت الوقوف، فسقطت على ركبتيّ. جسدي كان يؤلمني من كل ناحية، وكتفي لا يتحرك كما يجب. كنت في السابعة عشرة من عمري، ولم أكن مستعدة لمواجهة غابة الأمازون وحدي. لكنني أدركت بسرعة أن البقاء في مكاني ليس خيارًا. إن كنت سأنتظر الإنقاذ، فعليّ أن أكون في مكان يمكن أن يجدني فيه أحد.
تذكرت كلمات أبي. كان عالم أحياء، أمضى سنوات طويلة في دراسة هذه الغابة نفسها. كان يقول لي دائمًا: “إذا ضعتِ، ابحثي عن الماء. الماء هو الطريق.” تلك الجملة البسيطة أصبحت خريطتي الوحيدة.
بدأت أمشي ببطء، أتعثر أحيانًا بجذور الأشجار، وأتوقف حين يشتد الألم. كنت أسمع أصواتًا لا أراها: حركة مفاجئة في الأدغال، صرخة طائر بعيد، سقوط ثمرة على الأرض. الغابة لم تكن صاخبة كما تخيلتها في القصص، لكنها كانت حية، تراقبني من كل اتجاه.
بعد ساعات من المشي المتقطع، سمعت خريرًا خافتًا. تبعت الصوت بقلق وأمل، حتى وجدت جدولًا صغيرًا يشق الأرض. جلست على ضفته وشربت ببطء. كان الماء دافئًا، وطعمه ممزوجًا بالطين، لكنه أنقذ حلقي الجاف. قررت أن أتبعه، مهما طال الطريق.
مرّ اليوم الأول وأنا أتحرك بمحاذاة الماء. كنت أتوقف كلما شعرت بدوار، وأغسل وجهي بالماء لأبقى يقظة. الليل في الغابة كان مختلفًا تمامًا. الظلام كثيف، لا يشبه ظلام المدن، وصوت الحشرات يرتفع حتى يبدو كأنه جدار من الضجيج. كنت أستلقي على الأرض، أضم ذراعيّ إلى صدري، وأحاول ألا أفكر في الحيوانات التي قد تقترب.
في اليوم الثاني، بدأ الألم في كتفي يتفاقم. كان هناك تورم واضح، وحرارة غير طبيعية. لم أكن أرى الجرح جيدًا، لكنني شعرت بأن شيئًا ما ليس طبيعيًا. واصلت السير، لأن التوقف يعني الاستسلام.
مع مرور الأيام، بدأ الجوع ينهشني. لم يكن لدي طعام سوى بعض الحلوى الصغيرة التي وجدتها في جيبي، ثم لم يعد هناك شيء. كنت أشرب من الجدول وأواصل المشي. أحيانًا كنت أتحدث مع نفسي بصوت منخفض، أكرر كلمات بسيطة فقط لأتأكد أنني ما زلت واعية.
في اليوم الثالث تقريبًا، شعرت بحركة غريبة في كتفي المصاب. جلست على الأرض، وتحسست الجرح. حين رأيت الديدان الصغيرة تخرج من الجلد، شعرت بالغثيان والدوار. لم أصرخ، بل بكيت بصمت. كان المشهد صادمًا، لكنه لم يكن خيارًا يمكنني تجاهله.
تذكرت كيف كان أبي يعالج الحيوانات المصابة بالطفيليات. كان يقول إن الألم أحيانًا ضرورة، وإن مواجهة المشكلة أفضل من تركها تتفاقم. واصلت المشي، وأنا أعلم أن عليّ إيجاد وسيلة لتطهير الجرح.
مرّت الأيام ببطء شديد. لم أعد أعرف التاريخ، ولم أكن أملك وسيلة لحساب الوقت بدقة. كنت أستيقظ مع الضوء، وأمشي حتى يتعب جسدي، ثم أستلقي قرب الماء. أحيانًا كنت أظن أنني سمعت صوت أمي تناديني، فأقف فجأة، لكن لا أحد كان هناك.
في اليوم العاشر تقريبًا، حين كنت أشعر أن قوتي توشك على النفاد، لمحت شيئًا غريبًا بين الأشجار. كان خطًا مستقيمًا لا يشبه الطبيعة. اقتربت بحذر، وكأنني أخشى أن يختفي. كان قاربًا صغيرًا، وبجواره كوخ خشبي بسيط.
جلست على الأرض وبكيت. لم أبكِ من الخوف، بل من الراحة. كان ذلك أول دليل حقيقي على وجود بشر قريبين.
دخلت الكوخ بصعوبة. كان خاليًا، لكنني وجدت خزان وقود صغيرًا. جلست على الأرض، ونظرت إلى جرحي المتعفن. لم يكن لدي خيار. سكبت قليلًا من البنزين على كتفي. الألم كان حارقًا، جعلني أرتجف وأعض على شفتي بقوة. شعرت وكأن النار اشتعلت في جسدي. لكنني رأيت الديدان تخرج تباعًا. كان مشهدًا مؤلمًا، لكنه منحني أملًا بأن العدوى قد تتراجع.
انتظرت ساعات طويلة في الكوخ. كنت بين النوم واليقظة، جسدي منهك، وروحي معلقة بين الخوف والرجاء. حين سمعت أصوات رجال يقتربون، ظننت في البداية أنني أتخيل. لكن الباب انفتح، ودخل ثلاثة صيادين. توقفوا في دهشة حين رأوني.
كنت هزيلة، مغطاة بالطين، شعري متشابك، وملابسي ممزقة. نظرت إليهم وقلت بصوت بالكاد خرج: “كنت على متن الطائرة التي سقطت.” ساد صمت ثقيل، ثم تبادلوا نظرات سريعة. ساعدوني على الوقوف، وأجلسوني في قاربهم.
سرنا عبر النهر لساعات طويلة. كلما ابتعدنا عن الغابة، شعرت بأنني أتنفس بحرية أكبر. في القرية الصغيرة التي وصلنا إليها، تجمع الناس حولي بدهشة. لاحقًا، نُقلت بالمروحية إلى المستشفى.
هناك، عرفت الحقيقة كاملة. كنت الناجية الوحيدة من بين اثنين وتسعين راكبًا. أمي لم تنجُ. الخبر سقط عليّ بثقل لا يوصف. لم أشعر بالانتصار، بل بالفراغ. لماذا أنا؟ سؤال ظل يرافقني سنوات طويلة.
استغرق التعافي وقتًا، جسديًا ونفسيًا. كانت الكوابيس تزورني، والسقوط يتكرر في أحلامي. لكن مع مرور الوقت، بدأت أفهم أن النجاة ليست حدثًا ينتهي عند الخروج من الغابة، بل رحلة أطول بكثير.
قررت أن أعود إلى الأمازون، لا كضحية، بل كباحثة. درست علم الأحياء، وسرت على خطى والديّ. كنت أريد أن أفهم هذه الغابة التي احتضنتني ولم تبتلعني. أردت أن أتعلم لغتها، أن أرى فيها نظامًا لا فوضى.
عملت في حماية البيئة، وفي دراسة التنوع الحيوي. كل مرة كنت أعود فيها إلى الغابة، لم أعد أراها مكانًا للرعب، بل مكانًا للحياة المعقدة والمتوازنة. لم تكن عدوًا، بل كيانًا حيًا يتبع قوانينه الخاصة.
اليوم، حين ينادونني باسم فتاة_السماء، أبتسم بهدوء. ليس لأنني سقطت من ارتفاع شاهق وبقيت حية، بل لأنني تعلمت أن الإنسان أقوى مما يظن، وأن المعرفة قد تكون الفارق بين الاستسلام والاستمرار.
ما زلت أحيانًا أرفع رأسي إلى السماء، وأتذكر ذلك السقوط الطويل. لا أشعر بالرعب كما كنت أتوقع، بل بشيء يشبه الامتنان. لأنني، رغم الألم والخسارة، عدت لأحكي القصة. ولأن تلك الفتاة التي سقطت من الغيوم لم تمت، بل ولدت من جديد على أرض غابة بعيدة، لتتعلم أن الحياة، مهما بدت هشة، قادرة على أن تتمسك بنفسها حتى اللحظة الأخيرة.