لعبة الوجه الآخر: عندما عادت الميتة لتطالب بالانتقام

لعبة الوجه الآخر: عندما عادت الميتة لتطالب بالانتقام


لعبة الوجه الآخر

بدأت الحكاية في تلك الليلة التي بدت مثالية أكثر مما ينبغي، الليلة التي أضاءت فيها فيلا “عالية” الساحرة كأنها قطعة من حلم فاخر سقطت فوق الأرض. الأضواء الذهبية انعكست على الزجاج الواسع، والموسيقى الهادئة انسابت بين الضيوف الذين وقفوا مبهورين بصاحبة المكان. كانت عالية تتحرك بينهم بثقة أميرة تعرف جيدًا تأثير حضورها، فستانها الأبيض المطرز ينساب حولها برقة، وابتسامتها الهادئة تمنح الجميع إحساسًا بأن الحياة يمكن أن تكون عادلة أحيانًا.

بجوارها وقف سليم، الزوج المثالي في أعين الجميع. رجل ناجح، أنيق، يعرف كيف يضع يده حول خصر زوجته أمام الناس بالطريقة التي تجعل الحاضرين يحسدونهما معًا. خمس سنوات زواج بدت وكأنها قصة نجاح مكتملة، ولهذا كان الاحتفال بذكرى زواجهما الخامسة حدثًا ينتظره الجميع.

لكن وسط التصفيق والضحكات، اهتز هاتف عالية داخل حقيبتها الصغيرة. أخرجته بلا اهتمام، ظنًا أنها رسالة تهنئة جديدة، إلا أن الصورة التي ظهرت على الشاشة أوقفت الزمن حولها للحظة قصيرة جدًا.

سليم… داخل مكتبها الخاص.
يجلس أمام مكتبها الخشبي… يوقّع أوراقًا رسمية.
أوراق تنازل عن ممتلكاتها بالكامل باسمه.

الصورة لم تكن عادية، بل ملتقطة من زاوية مرتفعة… من كاميرا سرية لا يعرف مكانها سوى شخصين فقط: عالية… وليلى.

رفعت عالية رأسها ببطء. لم تصرخ. لم ترتبك. بل ابتسمت أكثر، وضغطت على ذراع سليم بحنان أمام الحضور وكأن شيئًا لم يحدث. لكن داخل عينيها، اشتعل وعي بارد، وبدأ عقلها يعمل بسرعة مذهلة.

عيناها تحركتا نحو ليلى… صديقة عمرها.
كانت ليلى تضحك، لكنها لم تكن تنظر إلى عالية… بل إلى سليم. نظرة قصيرة، متفاهمة، تحمل سرًا مشتركًا.

في تلك اللحظة، انتهت الحفلة بالنسبة لعالية… وبدأت اللعبة.

في اليوم التالي، استيقظت عالية مبكرًا على غير عادتها. لم تواجه أحدًا، ولم تفتح الموضوع. بل بدأت تراقب. الهاتف، الحسابات، التحويلات البنكية، زيارات ليلى المتكررة، الاجتماعات السرية مع ياسين محامي العائلة… كل قطعة بدأت تركب مكانها.

الخطة كانت واضحة وبسيطة بشكل مرعب:
إعلانها مريضة نفسيًا.
إثبات إصابتها بهلاوس.
الحجر القانوني عليها.
ثم الاستيلاء على الشركة والثروة بالكامل.

ليلى كانت تدخل البيت يوميًا حاملة عصائر وأدوية “مهدئة”، تمثل القلق والخوف عليها. كانت تراقبها بعين الشفقة المصطنعة، بينما عالية تدلق العصير بهدوء داخل أصص الزرع وتتمدد على الأريكة ممثلة الدوار بإتقان.

سليم بدأ يصدق أنه انتصر. صار أكثر جرأة، أقل حذرًا. وياسين المحامي بدأ تجهيز المستندات النهائية التي ستعلن نهاية عالية رسميًا.

لكن ما لم يعرفه أحد… أن عالية لم تكن تحاول النجاة.
بل كانت تبني مسرح النهاية.

بعد أسبوعين، أرسلت لهم دعوة مفاجئة. عشاء خاص في الفيلا القديمة المطلة على البحر. قالت إنها مستعدة “لإنهاء كل شيء”. وصلت الرسالة كهدية غير متوقعة.

الليلة كانت عاصفة. الرياح تضرب النوافذ بقوة، والبحر يزأر في الخلفية كأنه شاهد ينتظر الاعتراف الأخير.

دخل سليم بثقة المنتصر، بجواره ليلى التي لم تحاول إخفاء ابتسامتها، بينما حمل ياسين حقيبة الأوراق القانونية.

جلسوا أمام عالية التي بدت هادئة بشكل غريب.
وضعت الأوراق أمامها.

قال سليم بنبرة ناعمة مزيفة:
“إمضي يا عالية… وننهي الكابوس ده.”

ضحكت ليلى وقالت بانتصار واضح:
“أنا خدت منك كل حاجة… جوزك، فلوسك… حتى حياتك.”

ساد صمت طويل.

ثم… وقفت عالية.

تغير شيء في ملامحها. اختفت الرقة تمامًا. أصبحت نظرتها حادة، ثابتة، كأن امرأة أخرى خرجت من داخلها.

قالت بهدوء قاتل:
“تفتكروا إني ساذجة؟”

فتحت الحاسوب أمامهم، وظهرت تسجيلات… توقيعات… تحويلات مالية… اعترافات صوتية كاملة بعمليات غسيل أموال وتهريب آثار.

وجه سليم شحب.

وقبل أن يتكلم، نزعت الخاتم من إصبعها وقذفته نحوه.

ابتسمت وقالت:
“أنا مش عالية.”

تجمدت الأنفاس.

“أنا نور… أختها التوأم.”

الصمت الذي تلا الجملة كان أثقل من العاصفة بالخارج.

اقتربت منه وأشعلت سيجارة، ونفثت الدخان ببطء أمام وجهه المرتجف.

“فاكر العربية اللي فراملها قطعت؟ فاكر الحادثة اللي خلصت بيها على عالية عشان الورث؟ المشكلة الوحيدة إنك ماكنتش تعرف إنها عندها نسخة تانية… نسخة صبرت سنين.”

صرخ سليم محاولًا الإنكار، لكن نور واصلت ببرود:
“عشت مكانها… اتعلمت صوتها، حركاتها، ذكرياتها… كنت بخليك تبني نهايتك بإيدك.”

في اللحظة نفسها، اقتحم رجال الشرطة الفيلا.

ليلى انهارت. ياسين حاول الهرب. سليم وقف عاجزًا، يحدق في المرأة التي عاش معها سنوات دون أن يعرف من تكون.

اقتربت نور منه وهمست:
“أجمل حاجة في الانتقام… إنك طول الوقت كنت بتخطط قدام الضحية نفسها.”

ثم استدارت بهدوء، عدلت شعرها أمام المرآة، ومسحت أحمر شفاهها كأنها أنهت عرضًا مسرحيًا ناجحًا.

خلفها، كانت القيود تُغلق حول معاصمهم.

أما هي… فخرجت إلى شرفة الفيلا، تنظر إلى البحر الهادئ بعد العاصفة، وهمست لنفسها:
“حقك رجع يا عالية… اللعبة خلصت.”

ظن الجميع أن القصة انتهت ليلة القبض على سليم وليلى وياسين، وأن العدالة أخذت مجراها أخيرًا، لكن نور كانت الوحيدة التي تعرف أن النهاية الحقيقية لم تبدأ بعد. الوقوف فوق أنقاض انتقام ناجح لا يمنح الراحة دائمًا، بل يفتح أبوابًا جديدة لم تكن في الحسبان.

بعد مغادرة الشرطة الفيلا، بقيت نور وحدها أمام البحر. الرياح هدأت، والموج صار أبطأ، لكن داخلها لم يكن هناك أي هدوء. كانت تتوقع شعورًا بالنصر، دموعًا ربما، أو حتى ارتياحًا طال انتظاره… لكنها لم تشعر بشيء. الفراغ فقط.

أخرجت هاتفها، وفتحت ألبوم الصور القديم. صورة لها ولعالية وهما طفلتان، متشابكتا الأيدي بنفس الابتسامة. توقفت عندها طويلًا. لأول مرة منذ سنوات، تساءلت: هل فعلًا أعادت حق أختها… أم أنها تحولت إلى نسخة أخرى من الرجل الذي قتلها؟

الصحف انفجرت بالقضية خلال أيام. رجل أعمال متهم بالقتل وغسيل الأموال، صديقة خائنة، ومحامٍ متورط. أما نور، فقد ظهرت أمام الإعلام كالأرملة الناجية التي اكتشفت الحقيقة في اللحظة الأخيرة. أدت الدور بإتقان كما فعلت طوال السنوات الماضية.

لكن المشكلة لم تكن في الإعلام… المشكلة بدأت عندما وصلها ظرف بني بلا اسم مرسل.

وجدته فوق مكتبها في الشركة صباحًا.

داخل الظرف… صورة.

الصورة كانت لها.

ليست نور… بل “عالية”.

تقف أمام قبر… بتاريخ حديث جدًا.

ارتجفت أصابعها. لأن الصورة التُقطت قبل أسبوع فقط… بينما كانت هي طوال الوقت داخل الفيلا تستعد للمواجهة.

أسفل الصورة جملة قصيرة:
“مش كل اللي ماتوا… ماتوا فعلًا.”

لأول مرة منذ سنوات، شعرت نور بالخوف.

بدأت تراجع كل خطوة في خطتها القديمة. حادث السيارة… الجثة المتفحمة… التعرف الرسمي… كل شيء كان مؤكدًا. هي بنفسها حضرت الدفن. بنفسها أقسمت أن أختها رحلت.

لكن من أرسل الصورة يعرف تفاصيل لا يعرفها أحد.

في تلك الليلة، عادت إلى الفيلا الرئيسية. البيت بدا مختلفًا بدون سليم. صامت أكثر… فارغ أكثر. وبينما كانت تمر في الممر، سمعت صوتًا خافتًا صادرًا من غرفة الملابس القديمة.

توقفت.

الباب كان مغلقًا.

لكن الضوء بالداخل كان مشتعلًا.

دفعت الباب ببطء… لتجد شيئًا جعل أنفاسها تتجمد.

الفستان الأبيض… نفس فستان عيد الزواج… معلق حديثًا، وكأنه استُخدم منذ ساعات.

اقتربت أكثر، ولمحت على المرآة عبارة مكتوبة بأحمر الشفاه:

“اشتقتلك يا نور.”

تراجعت خطوة للخلف.

ذاكرتها انفجرت فجأة بتفصيلة حاولت نسيانها لسنوات… يوم الحادث، لم ترَ وجه الجثة بوضوح. الحريق كان شديدًا، والتعرف تم عبر الخاتم فقط.

والخاتم… كان يمكن تبديله.

جلست على الأرض ببطء. فكرة واحدة فقط سيطرت على عقلها:

ماذا لو كانت عالية حية؟

وماذا لو كانت تراقب كل شيء… تمامًا كما راقبت نور سليم؟

رن الهاتف فجأة.

رقم مجهول.

ترددت قبل الرد، ثم ضغطت زر الإجابة.

الصمت استمر ثانيتين.

ثم جاء الصوت…

صوت مطابق لصوتها تمامًا.

“شغل نظيف يا نور… بس اللعبة لسه مخلصتش.”

تجمد الدم في عروقها.

“عالية؟”

ضحكة هادئة خرجت من الطرف الآخر.

“قولي… حسّيتي بإيه وإنتي عايشة حياتي؟”

نور لم تجد ردًا. كل سنوات الانتقام انهارت في لحظة واحدة. لأنها أدركت الحقيقة المرعبة:

ربما لم تكن هي الوحيدة التي خططت.

ربما كانت مجرد قطعة في خطة أكبر.

الصوت تابع:
“أنا سيبتك تنتقمي… كنت محتاجة أشوفهم يقعوا. بس دلوقتي دوري أنا.”

انقطع الخط.

وقفت نور ببطء أمام المرآة. حدقت في انعكاسها طويلًا. لأول مرة لم تستطع التمييز:

هل تنظر إلى نور؟

أم إلى عالية؟

في الخارج، كانت سيارة سوداء تقف أمام الفيلا منذ دقائق… ومحركها يعمل.

ومن داخلها… كانت عينان تراقبان الباب.

وهكذا، تحولت قصة الانتقام إلى لعبة أخطر:

توأمان…
كل واحدة منهما تعتقد أنها الناجية الوحيدة.

والحقيقة؟

أن المواجهة الحقيقية… لم تبدأ بعد.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان