لعبة الاستغماية مع الموت: حكاية أم اكتشفت أن ابنتها تخبئ جريمة قديمة بين جدران العائلة وأن الحقيقة المدفونة منذ عشرين عاماً خرجت أخيراً من تحت صخور الجبل لتقتص من الخيانة

لعبة الاستغماية مع الموت: حكاية أم اكتشفت أن ابنتها تخبئ جريمة قديمة بين جدران العائلة وأن الحقيقة المدفونة منذ عشرين عاماً خرجت أخيراً من تحت صخور الجبل لتقتص من الخيانة


لعبة الاستغماية مع الموت

لم أكن أظن أنني سأتعلم في هذا العمر المتأخر درساً جديداً عن الحياة، ولا أنني سأقف وجهاً لوجه أمام الموت بهذه الصورة العارية من كل المجاملات. كنت أظن أنني عرفت كل شيء عن الفقد، عن الخوف، عن الخيانة الصغيرة التي تحدث بين البشر ثم تُنسى مع الوقت. لكنني لم أكن أعلم أنني سأعيش تجربة يمكن أن أختصرها بعنوان واحد: لعبة الاستغماية مع الموت، لعبة لم أخترها، ولم أكن مستعدة لها، لكنها فُرضت عليّ في لحظة واحدة فاصلة بين السقوط والبقاء.

في تلك الليلة، كنت في الثامنة والخمسين من عمري، امرأة عادية جداً، لها تجاعيد خفيفة حول العينين، وشعر بدأ يشيب عند الأطراف، وقلب أنهكته السنوات لكنه لم يتوقف عن الحب. لم أكن بطلة قصة، ولا امرأة تبحث عن مأساة لتمنح حياتها معنى. كنت فقط أمّاً وزوجة، ظنت أن أقسى ما مرّ بها قد انتهى منذ عشرين عاماً، حين فقدت ابنها البكر هشام. لم أكن أعلم أن ذلك الفقد لم يكن نهاية المأساة، بل كان بدايتها الصامتة.

أتذكر جيداً ملمس الصخور تحت ظهري عندما استعدت وعيي جزئياً. كانت الأرض باردة، قاسية، كأنها ترفض أن تحتضنني. حاولت أن أفتح عينيّ، لكن الضوء كان باهتاً، والسماء فوقي تبدو بعيدة جداً، كأنني أنظر إليها من قاع بئر. شعرت بألم منتشر في جسدي، ألم لا يمكن تحديد مكانه، لأنه كان في كل مكان. في ذراعي، في ساقي، في رأسي الذي كان ينبض بقوة، وفي صدري الذي كان يرتفع بصعوبة مع كل نفس.

إلى جواري، سمعت صوت عادل. زوجي منذ أكثر من ثلاثة عقود. كان صوته مبحوحاً، ضعيفاً، لكنه كان حياً. قال لي همساً: “سميرة… متتحركيش… خليكِ زي ما إنتِ… متظهريش إنك عايشة.” لم أفهم في اللحظة الأولى. لماذا أختبئ وأنا مصابة؟ لماذا أتظاهر بالموت؟ ثم جاءتني الذكرى كضربة مفاجئة: الدفعة. السقوط. صرخة قصيرة انقطعت في الهواء. وتلك النظرة في عيني نور قبل أن تختفي الحافة من تحت أقدامنا.

فهمت عندها أننا لم ننزلق. لم يكن حادثاً عابراً في نزهة عائلية. كان شيئاً مدبراً. شيئاً تم التفكير فيه بهدوء، وربما تكراره في الذهن أكثر من مرة. وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لا أواجه مجرد ألم جسدي، بل أواجه خيانة ابنتي الوحيدة.

سمعت خطوات فوقنا، على حافة المنحدر. صوت نور، خافت لكنه واضح: “اتأكد إنهم خلاص.” رد كريم بصوت حاول أن يجعله ثابتاً: “مفيش حد يعيش بعد السقوط ده.” كانا يتحدثان كما لو أنهما يناقشان أمراً إدارياً بسيطاً. لا ارتجاف. لا صدمة. لا بكاء. فقط مراجعة لما سيقولانه لاحقاً.

حبست أنفاسي، كما طلب عادل. حاولت أن أجعل صدري لا يتحرك كثيراً. شعرت بأن الهواء يختنق داخلي، لكنني قاومت الرغبة في السعال. لم أكن أتصور أنني سأعيش يوماً تجربة كهذه، أن أضطر للعب لعبة الاستغماية مع الموت وأنا في هذا العمر، هرباً من ابنتي التي حملتها في بطني تسعة أشهر.

حين ابتعدت الأصوات، عاد الصمت ثقيلاً. لم أعد أسمع سوى دقات قلبي، وأنيناً متقطعاً من عادل. أردت أن أمد يدي إليه، أن أتأكد أنه لا يزال معي، لكنني لم أستطع الحركة بسهولة. في تلك اللحظات، مرّت حياتي أمامي في صور متقطعة: هشام وهو يركض في البيت، نور وهي طفلة تمسك طرف ثوبي، عادل وهو يضحك في أول يوم زواجنا، أمي وهي توصيني بأن “أمسك بيتي بسناني”.

تساءلت في داخلي: كيف وصلنا إلى هنا؟ متى بدأ الشر يتسلل إلى بيتنا؟ هل كنت عمياء؟ أم أن بعض الحقائق تختبئ بإرادتها حتى يحين موعد ظهورها؟

بدأت الحكاية الحقيقية قبل عشرين عاماً، في ليلة ظننت أنها نهاية كل شيء. خرج هشام من البيت بعد مشادة بسيطة مع نور. لم أسمع تفاصيلها. كنت في المطبخ، أعد العشاء، وسمعت الباب يُغلق بقوة. لم أقلق كثيراً، فقد كان في التاسعة عشرة، شاباً يثور أحياناً ثم يعود بعد ساعات. لكن تلك الليلة امتدت، ولم يعد.

في الصباح، جاءنا الخبر. عُثر عليه في منطقة بعيدة، وقد سقط من مكان مرتفع. قيل إنه حادث. قيل إنه ربما كان يجلس على الحافة وفقد توازنه. قيل الكثير، لكن أحداً لم يملك إجابة حقيقية. انهار عالمي في تلك اللحظة. لم أعد أميز الأيام من بعضها. كنت أعيش كمن يسير في ضباب دائم.

نور يومها كانت صامتة. أكثر صمتاً من المعتاد. كانت تقترب مني وتجلس بجواري، تمسك يدي أحياناً، وتبكي معي. ظننت أن الحزن يجمعنا. لم يخطر ببالي أن الصمت قد يكون أثقل مما أتصور.

بعد وفاة هشام، تغيرت نور. أصبحت أكثر التزاماً، أكثر لطفاً، أكثر قرباً. كانت تساعدني في كل شيء، تذكرني بمواعيد الأدوية، تهتم بوالدها، تتفوق في دراستها. كنت أقول لنفسي إن المصيبة نضجتها. إن الفقد جعلها تخاف علينا، فصارت تتمسك بنا أكثر. لم أكن أرى أي شيء غير ذلك.

مرت السنوات، وتخرجت نور، ثم تقدم لخطبتها كريم. بدا شاباً مهذباً، يعرف كيف يتحدث باحترام، وكيف يختار كلماته بعناية. لم أرتح له تماماً، لكنني لم أملك سبباً واضحاً لرفضه. تزوجا، وبقيا قريبين منا. زيارات مستمرة، مكالمات يومية، اهتمام مفاجئ بتفاصيل حياتنا.

قبل أربعة أشهر من الحادث، بدأت نور تتحدث عن المستقبل بطريقة مختلفة. قالت إن الإجراءات أصبحت معقدة، وإن علينا أن ننظم أملاكنا مبكراً حتى لا نعاني لاحقاً. اقترحت أن نمنحها توكيلاً عاماً لتسهيل الأمور. ترددت قليلاً، لكن عادل قال: “دي بنتنا. إحنا واثقين فيها.” وقّعنا.

كان ذلك التوقيع، دون أن نعلم، خطوة أولى في طريق الانحدار.

بدأت نور بعد ذلك تضغط لبيع شقتنا الكبيرة. قالت إنها مرهقة لنا، وإن الأفضل أن ننتقل إلى مكان أصغر. كانت تتحدث عن راحتنا، لكنها كانت تنظر إلى المساحة، إلى الموقع، إلى القيمة السوقية. لم أكن أريد البيع. تلك الشقة كانت تحمل كل ذكرياتنا. لكن الضغط كان يتزايد.

في إحدى الليالي، جلس عادل بجواري طويلاً دون أن يتحدث. كان ينظر إلى الفراغ كأنما يحاول أن يرى شيئاً بعيداً. ثم قال فجأة: “لازم أقولك حاجة.” شعرت بأن قلبي يتجمد. أخبرني أنه في ليلة وفاة هشام، رأى نور تخرج خلفه. تبعهما من بعيد بدافع القلق. سمع شجاراً. رأى هشام يواجهها بشيء يتعلق بسرقة بعض الذهب والمال. وحين اقترب، رأى لحظة لا يمكن نسيانها: دفعة. اختلال توازن. سقوط.

سألته بصوت بالكاد خرج: “وسكت ليه؟” قال وهو يشيح بوجهه: “خفت أخسركم الاتنين. قلت يمكن كانت لحظة غضب. قلت لو اتكلمت هنهدم كل حاجة.” اختار الصمت. ظن أنه يحمي ما تبقى من الأسرة. لكنه لم يكن يعلم أن الصمت قد يمنح الجريمة فرصة لتكبر.

حين دعَتنا نور إلى رحلة الجبل للاحتفال بذكرى زواجنا، كنت قد علمت الحقيقة. نظرت إلى عينيها وهي تبتسم، ولم أستطع أن أرى الطفلة التي كانت تركض في أرجاء البيت. رأيت فقط غموضاً بارداً.

في الطريق، كان عادل صامتاً. لم أكن أعلم أنه ترك هاتفه يسجل كل شيء منذ أن ركبنا السيارة. ربما كان يشعر أن شيئاً سيحدث. ربما كان يحاول أن يكفّر عن صمته القديم.

عند الحافة، طلبت نور أن نقترب لالتقاط صورة. أمسكت بيدي. للحظة، شعرت بحرارة كفها، وداخلي صراع مرير: هل يمكن أن أكون مخطئة؟ هل يمكن أن يكون كل ما سمعته وهماً؟ ثم جاءت الدفعة. قوية، مفاجئة، حاسمة.

السقوط كان سريعاً. لكن الوعي كان أبطأ. حين ارتطمنا، لم أفقد الإحساس تماماً. شعرت بالأرض، بالألم، وبصوتها وهي تقول: “خلصنا.” عندها فهمت أن الأمر لم يكن نزوة. كان قراراً.

نجونا بأعجوبة. سائق شاحنة مرّ في الطريق السفلي، لاحظ شيئاً غير معتاد بين الصخور. أبلغ الإسعاف. استيقظت في المستشفى بعد ساعات، جسدي مكسور في أكثر من موضع، لكن قلبي لا يزال ينبض. عادل كان في غرفة مجاورة، بحالة حرجة لكنه مستقر.

اتفقنا، أنا وهو وأختي صفاء التي حضرت فور علمها، على ألا نعلن نجاتنا فوراً. كان التسجيل الذي التقطه هاتف عادل يحتوي على كلمات كافية. لكننا احتجنا أن نمنح الحقيقة فرصة لتظهر كاملة.

بعد ثلاثة أيام، كانت نور تستقبل المعزين في بيتنا. ترتدي الأسود، تبكي باعتدال، تتحدث عن “الحادث المؤلم”. كان المشهد يبدو حقيقياً لمن لا يعرف التفاصيل. لكنها لم تكن تعلم أننا نراها.

دخلتُ البيت على كرسي متحرك، يرافقني عادل ورجال الشرطة. لم أصرخ. لم أتهم. فقط قلت بهدوء: “انتهت اللعبة يا نور.” لم يكن في صوتي غضب بقدر ما كان فيه تعب. رفعت عينيها نحوي، واتسعتا بدهشة لم تستطع إخفاءها.

التسجيل عُرض أمامها. كلماتها. نبرتها. اعترافها القديم الذي خرج منها وهي تظننا جثتين. لم تعد هناك مساحة للإنكار.

في المحكمة، لم أطلب الانتقام. كنت فقط أريد أن تُقال الحقيقة بصوت عالٍ. الحكم صدر، والقانون أخذ مجراه. لكن العدالة، مهما كانت عادلة، لا تعيد الزمن إلى الوراء.

تبرعنا بجزء كبير من أملاكنا لمؤسسات ترعى أطفالاً بلا عائلات. لم يكن ذلك تعويضاً عن شيء، بل محاولة لتحويل الألم إلى فعل نافع. أما أنا وعادل، فصرنا نعيش حياة أبسط، أكثر هدوءاً، لكن أكثر وعياً أيضاً.

أجلس أحياناً في شرفتي الصغيرة، أراقب الغروب، وأفكر في كل ما حدث. أفكر في هشام، في نور، في عادل، وفي نفسي. أدركت أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس الخطأ، بل الهروب من مواجهته. وأن الصمت، أحياناً، شريك غير مباشر في الجريمة.

تجربتي مع لعبة الاستغماية مع الموت لم تكن مجرد محاولة نجاة من سقوط جسدي، بل كانت مواجهة مع حقيقة دفنت طويلاً. تعلمت أن الحقيقة، مهما اختبأت، لا تموت. وأن الأمومة ليست ضماناً ضد الخيانة، لكنها تظل أقوى من الكراهية.

اليوم، لم أعد أخاف من الموت كما كنت. ما أخافه حقاً هو أن أعيش دون أن أرى الحقيقة، أو أن أسمح للصمت أن يسلبني صوتي مرة أخرى. لقد انتهت اللعبة، لكن الدرس باقٍ ما بقي فيّ نفس يتردد بهدوء، يذكرني بأن النجاة ليست معجزة، بل قرار.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي