اليوم الذي قررت فيه أن أكون “سيدة أعمال” حقيقية لم يكن يوماً عادياً في حياتي، بل كان أشبه بمسرحية كوميدية كتبها القدر بنفسه، وأصر أن أكون بطلتها بلا أي فرصة لإعادة المشهد. كنت أظن أنني أخيراً أمسكت بطرف الخيط الذي سيقودني إلى الحلم الذي انتظرته سنوات، وأنني سأدخل عالم الشركات من أوسع أبوابه بخطوات ثابتة ونظرة واثقة، لكن الحقيقة أن الكون أحياناً يحب أن يختبر قدرتك على التوازن… حرفياً ومعنوياً. منذ اللحظة التي وصلني فيها اتصال تحديد موعد المقابلة، وأنا أعيش في حالة بين الحماس والرهبة، أراجع في ذهني كل الاحتمالات، أتخيل نفسي جالسة أمام المدير أجيب بثقة، أبتسم برزانة، وأصافحهم في النهاية مصافحة المنتصر. كنت أريد أن أبدو “شيك” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، امرأة تعرف ما تريد، تمشي بخط مستقيم نحو هدفها دون أن يزعزعها شيء.
استيقظت في صباح يوم المقابلة قبل المنبه بساعة كاملة، وكأن قلبي كان يعمل بدوام إضافي منذ الفجر. جلست على السرير أحدق في السقف وأعيد في رأسي إجابات الأسئلة المتوقعة، وأحاول إقناع نفسي أن الأمر بسيط، مجرد مقابلة مثل غيرها، مع أنني كنت أعلم في داخلي أن هذه الشركة تحديداً كانت حلماً مؤجلاً منذ سنوات. اخترت ملابسي بعناية مبالغ فيها، الشميز الأبيض الذي كنت أحتفظ به للمناسبات المهمة، والبنطلون الرسمي الذي يمنحني إحساساً فوريًا بالجدية، والسكربينة السوداء التي تصدر صوت “تك تك” واضح على الأرض، صوت كنت أراه موسيقى الثقة. وقفت أمام المرآة طويلاً أعدل الطرحة وأتأكد أن كل تفصيلة في مكانها، حتى أنني ابتسمت لنفسي وقلت مازحة: “اليوم سنمثل دور سيدة الأعمال كما يجب”. لم أكن أعرف أن الدور سيتحول إلى مشهد أكشن غير مخطط له.
خرجت من البيت وأنا أشعر أنني أمشي على إيقاع خاص، خطواتي محسوبة، ظهري مستقيم، ونظرتي للأمام مباشرة. الطريق إلى الشركة بدا أقصر من المعتاد، ربما لأن رأسي كان ممتلئاً بالأفكار، وربما لأن الحماس كان يختصر المسافات. عندما وصلت إلى المبنى، نظرت إليه من الخارج لحظة قصيرة، مبنى أنيق بواجهة زجاجية تعكس السماء، فشعرت برهبة جميلة تسري في جسدي. قلت في نفسي إنني أستحق أن أكون هنا، وأن سنوات التعب والمذاكرة والسهر لم تكن عبثاً. دخلت من الباب الزجاجي بخطوات ثابتة، وصوت الكعب على الأرض الرخامية كان يمنحني إحساساً بأن الجميع يلاحظ حضوري، حتى لو لم يكن أحد ينظر إلي فعلاً.
استقبلتني الموظفة بابتسامة رسمية وسألتني عن اسمي، ثم أشارت إلى مقعد في صالة الانتظار قائلة إن المدير سيناديني بعد قليل. جلست بأناقة مصطنعة بعض الشيء، وضعت ساقاً فوق الأخرى كما رأيت في الأفلام، وأخرجت هاتفي وكأنني أراجع عرضاً تقديمياً مهماً، بينما الحقيقة أنني كنت أفتح الكاميرا الأمامية لأتأكد أن الطرحة مستقيمة وأن ملامحي لا تعكس التوتر الذي يسكنني. كنت أريد أن أبدو وكأنني معتادة على هذه الأجواء، امرأة تدخل وتخرج من المقابلات بلا ارتباك، لكن داخلي كان يركض بسرعة تفوق أي عدّاء.
فجأة انفتح باب المكتب، وسمعت اسمي يُنادى بصوت جهوري عميق. في تلك اللحظة شعرت وكأن المسرح أضيء بالكامل وأن دوري قد بدأ. نهضت ببطء محسوب، أغلقت هاتفي بثقة، التقطت حقيبتي، وعدّلت كتفي وكأنني أرتدي عباءة غير مرئية من الوقار. خطوت أول خطوة نحو الباب، ثم الثانية، وأنا أبتسم ابتسامة هادئة مدروسة. كنت أظن أن أصعب ما في الأمر هو الأسئلة التي ستُطرح علي، ولم يخطر ببالي أن التحدي الحقيقي ينتظرني عند العتبة.
كانت هناك سجادة صغيرة عند مدخل المكتب، سجادة عادية جداً، لكنها في تلك اللحظة تحولت إلى خصم عنيد. طرف السكربينة تشابك فيها دون إنذار، وفي أقل من ثانية فقدت توازني بالكامل. شعرت أن الزمن تباطأ بشكل درامي، وأنني أرى المشهد من الخارج: جسدي يميل للأمام، الحقيبة تفلت من يدي، الهاتف ينزلق، وأنا أحاول عبثاً أن أستعيد توازني. لكن الجاذبية كانت أسرع من محاولاتي، فوجدت نفسي أندفع إلى الأمام في حركة أشبه بقفزة غير مقصودة، ثم ارتطام خفيف بالأرض داخل المكتب، وسط صمت ثقيل يكاد يُسمع فيه صوت أنفاسي.
تلك اللحظة كانت أطول ثانية عشتها في حياتي. كنت ممددة على الأرض، أشعر بحرارة الخجل تتصاعد من وجهي حتى أطراف أذني، وأتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعني. كل التصورات الأنيقة التي رسمتها في خيالي تبخرت دفعة واحدة، وحل محلها مشهد لا يمت إلى الرزانة بصلة. رفعت رأسي ببطء، فرأيت المدير واقفاً خلف مكتبه بعينين متسعتين ووجه تبدلت ألوانه، وهو يسأل بقلق واضح إن كنت بخير. خلفه كانت السكرتيرة تحاول جاهدة أن تخفي ضحكة كادت تنفجر. في تلك اللحظة كان أمامي خياران لا ثالث لهما: إما أن أستسلم للخجل، أعتذر وأغادر، وأسمح لهذا الموقف أن يعرّفني للأبد، أو أن أتمسك بما تبقى من كرامتي وأحاول تحويل السقوط إلى بداية مختلفة.
نهضت ببطء، جمعت حقيبتي وهاتفي، ونفضت ملابسي وكأنني أنفض غبار لحظة عابرة لا تستحق. كنت أشعر أن قلبي يخبط في صدري بعنف، لكنني قررت أن أستعير شجاعة لا أعرف من أين جاءت. نظرت إلى المدير بابتسامة خفيفة، وقلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتاً: “لا تقلق، هذا مجرد تمرين سريع قبل المقابلة لتنشيط الدورة الدموية والتركيز.” للحظة خُيّل إلي أن كلماتي علقت في الهواء بلا أثر، لكن بعد ثوانٍ قليلة انفجر المدير ضاحكاً، ضحكة صادقة كسرت التوتر بالكامل، حتى أنني شعرت أن الجدران نفسها تنفست الصعداء.
قال وهو يشير إلى المقعد أمامه إن هذا الرد هو أذكى طريقة لإنقاذ موقف محرج كهذا، وإنني حصلت بالفعل على أول نقطة في المقابلة. جلست وأنا ما زلت أشعر بحرارة وجهي، لكن شيئاً ما تغيّر. الضحكة التي ملأت المكتب أزاحت الحاجز الرسمي الصلب، وجعلت الأجواء أكثر إنسانية. لم أعد تلك المتقدمة المتوترة التي تحاول إثبات كمالها، بل أصبحت شخصاً حقيقياً تعثر ثم وقف وابتسم. بدأت الأسئلة تتوالى، ووجدت نفسي أجيب بثقة أكبر مما توقعت، وكأن السقوط حررني من ضغط المثالية الذي كنت أفرضه على نفسي.
تحدثنا عن خبراتي، عن المشاريع التي عملت عليها، عن طموحي ورؤيتي للمستقبل. كنت ألاحظ أن المدير يستمع باهتمام حقيقي، لا بدافع المجاملة. كلما تذكرت المشهد قبل دقائق، كنت أبتسم في داخلي وأقول إن الحياة أحياناً تحتاج إلى هزة صغيرة لتضعك في مكانك الصحيح. لم أعد أحاول أن أبدو كنسخة مصقولة من صورة مثالية، بل تكلمت ببساطة وصدق، وهذا الصدق كان أقوى من أي مظهر خارجي.
انتهت المقابلة بعد وقت شعرت أنه مر بسرعة، وخرجت من المكتب بخطوات أكثر هدوءاً، لكن هذه المرة لم أكن أفكر في صوت الكعب على الأرض، بل في الدرس الذي تعلمته. عدت إلى البيت أستعيد المشهد مراراً، أضحك أحياناً وأشعر بالحرج أحياناً أخرى، لكنني في العمق كنت فخورة بأنني لم أهرب. بعد يومين، وصلني البريد الإلكتروني المنتظر، يحمل خبر قبولي في الوظيفة، ومعه تعليق طريف عن انتظارهم لتمرين الضغط اليومي قبل بدء العمل. ضحكت بصوت عالٍ، وشعرت أن تلك السجادة الصغيرة لم تكن عدواً، بل كانت اختباراً قصيراً لمرونتي.
في أول يوم عمل رسمي، دخلت المبنى نفسه، ونظرت إلى السجادة عند الباب بنظرة مختلفة. هذه المرة مشيت بحذر، نعم، لكن دون خوف. أدركت أن الهيبة الحقيقية لا تأتي من خطوات مدروسة أو ملابس لامعة، بل من القدرة على الوقوف بعد السقوط، والابتسام رغم الاحمرار، وتحويل الموقف المحرج إلى قصة تُروى بفخر. كلما واجهت تحدياً جديداً في العمل، تذكرت تلك اللحظة، وتذكرت أن الثقة ليست غياب التعثر، بل حسن التعامل معه.
مرت الشهور، وتدرجت في مهامي، واكتسبت خبرات لم أكن أحلم بها. أحياناً كان المدير يمازحني أمام الفريق بسؤال خفيف عن “التمرين الصباحي”، فأبتسم وأجيبه بأنني احتفظت به كخطة طوارئ. تحولت القصة إلى حكاية يتداولها الزملاء بابتسامة، لا باعتبارها سقطة، بل دليلاً على خفة الروح وسرعة البديهة. ومع كل مرة أروي فيها ما حدث، أضيف تفصيلاً صغيراً عن شعوري في تلك اللحظة، عن الرعشة التي سبقت النهوض، وعن القرار الذي اتخذته في ثانية واحدة غيّرت مسار يومي وربما مسار حياتي المهنية.
تعلمت من ذلك اليوم أن السعي للكمال قد يكون عبئاً ثقيلاً، وأن محاولة الظهور بصورة مثالية طوال الوقت تستنزف طاقتنا بلا داعٍ. نحن بشر، نخطئ ونتعثر ونقع، لكن ما يميزنا حقاً هو الطريقة التي ننهض بها. السجادة لم تكن سوى قطعة قماش صغيرة، لكنها كشفت لي درساً أكبر من حجمها بكثير: أن سرعة البديهة أحياناً أهم من أي شهادة، وأن الضحكة الصادقة قد تفتح أبواباً تعجز عنها السيرة الذاتية وحدها.
اليوم، كلما استعددت لاجتماع مهم أو عرض تقديمي كبير، أتذكر نفسي وأنا أطير بلا إرادة داخل مكتب المدير، فأبتسم بدلاً من أن أتوتر. أقول لنفسي إن أسوأ ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل، ونجوت منه. تلك الذكرى أصبحت درعاً خفياً يحميني من رهبة المواقف الجديدة، وتذكرني بأنني أقوى مما أظن، وأنني قادرة على تحويل العثرة إلى نقطة انطلاق.
العبرة التي خرجت بها ليست مجرد طرفة تُحكى، بل قناعة راسخة بأن الحياة لا تختبرنا بما نخطط له، بل بما يفاجئنا. قد تسقط هيبتك في ثانية بسبب سجادة صغيرة، لكنك تستطيع استعادتها في الثانية التالية إذا امتلكت الشجاعة لتضحك على نفسك قبل أن يفعل الآخرون. ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت صوت “تك تك” الكعب على الأرض، لا أفكر في الصورة التي أبدو عليها، بل في القوة التي أحملها داخلي، قوة أن أكون إنسانة حقيقية، تتعثر وتنهض، وتكمل طريقها بثقة أكبر مما كانت عليه قبل السقوط.