محمد فين؟ عشرة أيام والبحر سايب بيت كامل بين الرجاء والخوف
في مدينة العلمين، على الشاطئ المجاني اللي الناس بتروحه عشان يهربوا من زحمة الدنيا وحرّ الصيف، حصلت حكاية قلبت يوم البحر لكابوس طويل. حكاية طفل اسمه محمد أحمد سيد، عنده عشر سنين، كان المفروض يرجع البيت وهو بيضحك ورمل البحر لسه متعلق في رجليه… لكن اللي رجع فعلاً كان صمت تقيل، وأسئلة ملهاش إجابة واضحة، وعشرة أيام بتعدّي كأنها عمر كامل.
الجمعة قبل الماضية بدأت عادية جدًا. أسرة محمد خرجت بدري، زاد وأكل خفيف، وزجاجات مية، وشمسية كبيرة، وشنطة فيها فوط وهدوم زيادة. محمد كان طول الطريق متحمّس. طفل في سنه بيبقى البحر عنده مغامرة، والموج عنده لعبة، والعوامة البيضاء اللي بيقعد جواها كانت بالنسبة له “سفينة”، زي ما كان بيقول وهو بيضحك. ماكانش راكب مركب ولا طالع رحلة صيد ولا داخل مغامرة خطرة عن قصد. كان عايش لحظة طفولة صافية زي آلاف اللحظات اللي بتحصل كل صيف.
لما وصلوا الشاطئ، كان الجو مختلف شوية. الريح واضحة، والموج عالي عن المعتاد. ناس كتير كانت واقفة تتفرج على البحر من بعيد، وناس تانية بتنزل الميه على استحياء. في كل مرة موجة تعلى، تسمع همهمة: “النهارده البحر هادر.” ومع ذلك، في الزحمة، ناس كتير بتفتكر إنها مسيطرة، وإن اللي بيحصل لغيرهم مش هيحصل لهم.
محمد لبس عوامته البيضاء، عوامة لعب خفيفة، من النوع اللي الأطفال بيقعدوا جواه ويحرّكوا رجليهم وإيديهم. أمه كانت واقفة قريبة، عينها عليه طول الوقت، وأبوه بيرتّب مكانهم على الرمل. في لحظة، محمد قال: “هخش شوية… متخافيش.” الأم ردّت بشكل تلقائي: “خليك قريب… وخلي بالك.” والطفل هز راسه كأنه فاهم كل حاجة، وهو أصلاً شايف البحر ملعب كبير.
اللحظة اللي قلبت كل شيء ماكانتش لحظة “قرار” قد ما كانت لحظة تيار. تيار البحر بييجي من غير مقدمات مفهومة للعين، زي سكة مخفية بتفتح تحت الميه. العوامة خفيفة، والموج بيشيلها كأنها ورقة. محمد كان جواه، والضحكة لسه على وشه، لحد ما حسّ إن الميه بقت بتسحبه لبرا. في ثواني قليلة، بدل ما يبقى قدامهم على مسافة قريبة، بقى أبعد… أبعد بسرعة ماحدش قدر يستوعبها. الأم ندهت اسمه مرة، وبعدها مرة تانية بصوت أعلى، وفي نفس الوقت ناس حوالين المكان بدأت تبص، لأن في حاجة في نبرة الأم تخضّ.
“محمد!” الصوت خرج من صدرها مش من حنجرتها. الأب جري ناحية الميه، وفي نفس اللحظة كان فيه شاب بيحاول يدخل بسرعة، لكن موجة عالية رجّعته. اتقالت جُمل كتير في ثواني: “هاتوا منقذ!” “فين رجال الإنقاذ؟” “اتصلوا!” “الولد راح بعيد!” والناس اللي كانت واقفة تتفرج من بعيد فجأة بقت كتلة متحركة من القلق والفزع.
محمد نفسه كان شايفهم. كان شايف أمه وهي بتلوّح بإيديها وكأنها بتحاول تشده من الهوا. كان شايف أبوه وهو بيحاول يسبق الموج. وكان شايف العوامة وهي بتتحرك غصب عنه. حاول يحرّك إيده، حاول يلف جسمه جوه العوامة، وحاول يصرخ، لكن الصوت في البحر ساعات بيتوه قبل ما يوصل. اللي شافه من بعيد قال بعدين: “إيده كانت بتتحرك… كأنه بيقول حد يلحقني.”
الزحمة في الشاطئ ساعات بتوهمك بالأمان. كتير، جدًا. لكن البحر لما يعلى، ما بيفرقش معاه مين واقف ومين بيصرخ. في أقل من دقيقة، محمد اتحول من طفل واضح للعين… لنقطة صغيرة. نقطة بتطلع وتنزل مع الموج. وبعدها… اختفى عن النظر. مش لأنه غرق قدّامهم بشكل صادم، لأ. اختفى لأن المسافة اتسعت بسرعة، ولأن موجة ورا موجة كانت بتقف قدام عيونهم زي حائط بيطلع وينزل. لحظة غريبة، لحظة ممكن تبقى فيها شايف الحاجة، وفجأة ما تبقاش شايفها، مش عشان راحت، لكن عشان البحر غطّاها عن عينك.
في نفس اليوم، البلاغ اتسجل. مش بس “غياب”، لكن واقعة اتعاملت بجدية من البداية. بدأ بحث رسمي، وتم التواصل مع فرق الإنقاذ والغواصين، وناس من المنطقة اللي عندها خبرة بالتيارات. تمشيط الشاطئ بدأ، ونزول للمياه في مناطق قريبة، وسؤال للعاملين والسكان، وكل واحد كان بيحاول يعمل اللي يقدر عليه. الأب كان بيقف على حافة الميه بالساعات، كأنه لو بصّ كفاية، هيشوف ابنه راجع مع الموج. الأم كانت قاعدة على الرمل بس مش قادرة تقعد، كل دقيقة تقوم، ترجع تقف، تمسك في أي حد قريب وتسأله: “ما شفتوش؟” السؤال نفسه يتكرر، والإجابات تتكرر: “لا… ربنا كريم.”
أول ليلة كانت أصعب من الوصف. البيت رجع من غير محمد. الشنطة اتشالت، الفوط اتنشرت، والهدوم اتغسلت، لكن فيه حاجة في البيت ما اتغسلتش: الرهبة. سرير محمد كان مرتب. شنطته المدرسية في ركنها. لعبته الصغيرة فوق الدولاب. كل تفصيلة بتقول إنه “كان هنا” من شوية، والفرق بين “كان هنا” و”فينه” فرق بيكسّر القلب.
في اليوم التاني، البحث اتوسع. ناس من أقارب الأسرة جم يقفوا معاهم. أصحاب الأب. جيران الأم. كل واحد جاي شايل دعوة في قلبه، وشعور بالعجز على وشه. اتعملت مجموعات تتواصل، وأرقام تتبادل، وحد قال: “لازم نفصّل الخط الزمني: من إمتى؟ كان لابس إيه؟ العوامة شكلها إيه؟” اتقال: عوامة بيضا، واضحة، من عوامات اللعب. التفاصيل الصغيرة دي بقت فجأة مهمة كأنها مفتاح باب مقفول.
ومع كل يوم بيعدّي، كانت القصة تنتشر أكتر. مش انتشار “فضول”، لكن انتشار وجع. لأن أغلب الناس عندها طفل أو ابن أخ أو ابن أخت، وبتعرف تحط نفسها مكان الأسرة. الناس على الشاطئ بقت بتدور بعينها على أي عوامة بيضا، وعلى أي شيء ممكن يكون علامة. ناس كتير شاركت التحذير: “خلي بالكوا من العوامات الخفيفة مع التيارات.” وناس كتير شاركت الدعاء: “يا رب يرجع.”
وبعد أيام، ظهر تفصيل زوّد الوجع وأشعل الأمل في نفس الوقت: كاميرات أحد فنادق المنطقة سجّلت مشهد صعب جدًا. العوامة واضحة… ومحمد جواها. هو لسه حي في اللحظة دي، وبيحرّك إيده. كأنه بيستغيث، كأنه بيدور على عين تشوفه. لكن المفارقة المؤلمة إن اللحظة دي، ماكانش حد بيتابع الكاميرات. ماكانش فيه إنذار لحظي، ماكانش فيه شخص يلتقط الاستغاثة في وقتها. والكاميرا سجلت، بس التسجيل ما ينقذش لوحده.
لما الخبر ده وصل للأسرة، كان كأنه سكين وسلّم في نفس الوقت. سكين لأنه أكد إن محمد كان قريب من بشر وبعيد عنهم في لحظة واحدة. وسلّم لأنه فتح احتمال جديد لمسار التيار: “البحر أخده ناحية الشرق.” ناحية الشرق دي مش مجرد كلمة. دي امتداد ساحل طويل، مفتوح، وكل نقطة فيه ممكن تكون محطة. وفي نفس الوقت، كل نقطة فيه ممكن تكون متاهة.
الأب بقى يمسك في الخرائط كأنه بيمسك في خيط. يسأل: “التيار هنا بيروح فين؟” ويستمع لأهل الخبرة اللي يقولوا إن البحر ساعات بيودّي الحاجة لمسافات بعيدة جدًا، وإنه لازم يتاخد بالمرونة والصبر. الأم كانت بتتعلق بصور بسيطة: “هو كان جوه عوامة… العوامة ممكن تفضل طافية.” كانت بتقولها كأنها بتقنع نفسها قبل ما تقنع غيرها. والناس حوالينها ماكانوش بيكسروا أملها. كانوا بيحاولوا يثبتوا معاها على نفس النفس: الدعاء، والدعاء، والدعاء.
عشرة أيام مش رقم بسيط. عشرة أيام معناها عشر صباحات الأم فيها بتصحى على نفس السؤال: “النهارده هييجوا يقولوا إيه؟” وعشر ليالي الأب فيها بيقعد قدام تليفونه مستني رنة. كل مرة يرن فيها رقم غريب، القلب يسبق اليد. وفي كل مرة يكون الخبر مش الخبر اللي نفسهم فيه، يفضلوا يرجعوا للصمت اللي بيستنى على جنب.
في وسط الألم، ظهرت حكايات صغيرة عن محمد نفسه، الحكايات اللي بتخلّي الناس تحس إنه مش “خبر”، لكنه طفل حقيقي. قالوا إنه كان بيحب الكورة، وإنه دايمًا بيجري في الشارع وهو شايل شبشب في إيده بدل ما يلبسه. قالوا إنه كان بيغنّي أحيانًا من غير ما يحس، وإنه كان بيخاف على أمه لو تعبت، ويجيب لها الميه وهو بيقول: “أنا راجل البيت.” أمّه كانت تبتسم لما تسمع الجملة دي قبل ما تختنق من العبرة، لأن “راجل البيت” اتسحب من حضنها في لحظة تيار.
وفي العلمين، وعلى الساحل، فضل البحث مستمر. تمشيط مناطق واسعة تحت الميه وعلى الشاطئ، ومراجعة الكاميرات شغالة، مش بس كاميرات الفندق، لكن أي كاميرا قريبة من خط الساحل ممكن تكون التقطت مرور عوامة أو نقطة بيضا. فيه ناس بقت تتعامل مع الموضوع كأنه قضية إنسانية تخصهم شخصيًا. حد يقول: “أنا هلف بعربيتي على الطريق الساحلي وأبص على الشط.” حد تاني يقول: “أنا أعرف صيادين في منطقة كذا.” وكل محاولة كانت بتضيف خيط، حتى لو ما جابش نتيجة فورية.
ومع كل ده، ماكانش فيه هجوم على حد، ولا نشر شائعات، ولا كلام يزيد خوف الأسرة. كان فيه نداء واضح: أي معلومة، حتى لو صغيرة، ممكن تفرق. اللي شاف عوامة بيضا على الساحل الأيام اللي فاتت… يبلغ فورًا الجهات المختصة. لأن البلاغات الرسمية هي اللي بتتحرك عليها فرق البحث، وهي اللي بتحول القلق لخطة. والموضوع في النهاية مش حكاية تتقال، ده مصير طفل وأسرة كاملة.
في يوم من الأيام، حد كان واقف على شاطئ تاني بعيد، شاف حاجة بيضا بتلمع وسط الموج. جري وبص، وطلعت مش عوامة. كانت قطعة بلاستيك. الموقف ده وحده كان كفاية ينهك القلب. تخيّل أب وأم يعلقوا على “لمعة” البحر، وتطلع “ولا حاجة.” لكن حتى “ولا حاجة” دي كانت بتعمل حاجة واحدة: بتثبت لهم إنهم مش هيسكتوا. وإنهم هيفضلوا يدوروا.
الأم كانت بتتكلم مع ربنا بصوت واطي. مش دعاء عادي. دعاء بيطلع من قلب شاف ابنه وهو بيتسحب ومقدرش يعمل حاجة. كانت تقول: “يا رب… يا رب… يا رب.” وتعيدها كأنها بتبني جسر بين الغيب والقلب. الأب كان بيحاول يفضل واقف. مرة ينهار، مرة يتماسك. عشان أمه، عشان أهله، عشان محمد نفسه لو كان محتاجه في لحظة. وفي وسط كل ده، كان فيه ناس بتفتكر إن الرجالة ما بتعيطش، لكن الحقيقة إن الرجالة بتعيط جوهها كتير… وبتظهر دموعها في الصمت الطويل، وفي العصبية المفاجئة، وفي العيون اللي بتزوغ مع كل صوت تليفون.
مرّت الأيام، والناس على السوشيال بقت تكتب: “القصة لسه ما خلصتش.” لأن النهاية لسه مش مكتوبة، ولأن الأمل مش رفاهية هنا، الأمل ضرورة. الدعوة لسه مفتوحة. والبحث لسه قائم. وأي خط جديد من الكاميرات أو أي بلاغ عن شيء أبيض طافٍ أو أي شاهد في مكان بعيد ممكن يغير الاتجاه كله.
والأهم من كل ده، إن الحكاية دي بقت درس موجع للكل. مش درس مكتوب في منشور، لكن درس محفور في قلب كل أم شافت ابنها بيلعب في البحر، وكل أب افتكر إن “العوامة أمان.” البحر جميل، لكن البحر قوي. والتيارات مش بتستأذن. والاحتياط مش خوف، الاحتياط حب. حب يمنع وجع زي ده يتكرر.
محمد فين؟ السؤال لسه في الهوا. في صوت الأم وهي بتفتح الباب كل شوية كأنها مستنية ييجي يجري. في صوت الأب وهو بيقول لنفسه: “أنا لازم أرجّعه.” وفي عيون ناس كتير ما تعرفش الأسرة شخصيًا، لكنها عايشة معاهم نفس الوجع من بعيد. عشرة أيام عدّوا… وعشرة ليالي على أسرة كل أملها إن محمد يرجع يجري عليهم، يترمي في حضنهم، ويقول بصوت طفل بسيط: “أنا جيت.”
لحد ما الخبر المؤكد ييجي من الجهات المختصة، تفضل الحقيقة الوحيدة اللي الكل قادر يمسك فيها: إن البحث مستمر، وإن أي معلومة صغيرة ممكن تفتح باب، وإن ربنا قادر يبدّل حال بحال في لحظة. وفي بلدنا، لحظات كتير حصل فيها اللي الناس كانت فاكرة إنه مستحيل. عشان كده، الدعوة لسه مفتوحة… وربنا قادر يرجّعه لأهله في لحظة.