خدعني باسم الحب… حتى اكتشفت الجريمة في ملفي الطبي

خدعني باسم الحب… حتى اكتشفت الجريمة في ملفي الطبي


حين لم تكن الصدمة في الخبر… بل في النظرة

لم تكن الكلمة المفتاحية: الصدمة في حياتي مجرد شعور عابر، ولم تكن لحظة بكاء أو خبر سيئ سمعته ثم تجاوزته. الصدمة الحقيقية كانت في تلك النظرة التي رأيتها في عيني الطبيب، نظرة شفقة ثقيلة كسرت شيئًا داخلي قبل أن ينطق بحرف واحد. كنت قد ذهبت إلى العيادة في ذلك اليوم وأنا أحمل في قلبي سؤالًا بسيطًا، سؤالًا يتردد في داخلي منذ شهور: لماذا لم يحدث حمل مرة أخرى؟ لم أكن أشعر بمرض، ولم أشتكِ من ألم واضح، كل ما في الأمر أنني كنت أبحث عن أمل، عن إجابة، عن تفسير يطمئن قلبي ويعيد إليّ الإحساس بأن المستقبل ما زال مفتوحًا أمامي.

جلست أمامه وأنا أضم حقيبتي إلى صدري، أحاول أن أبدو قوية، بينما كان هو يتصفح أوراقي القديمة ونتائج الفحوصات السابقة. ساد الصمت بيننا لدقائق بدت أطول من سنوات، ثم رفع رأسه ببطء ونظر إليّ تلك النظرة التي لن أنساها ما حييت. كانت نظرة مزيج بين الدهشة والأسف، وكأنني أنا من أتيت إليه بخبر صادم وليس العكس. قال بصوت منخفض متردد: “حضرتك… إزاي بتسألي عن حمل؟ أنتِ… معندكيش رحم.” للحظة ظننت أنني لم أسمع جيدًا، أو أنه أخطأ في اسمي، أو أن الملف الذي أمامه لا يخصني. كررت عليه السؤال، فتنهد وقال بوضوح أكبر: “أنتِ عاملة استئصال كامل من وقت العملية اللي فاتت.”

وقتها شعرت أن الأرض انشقت تحت قدمي. استئصال؟ أي استئصال؟ العملية التي أجريتها قبل عامين كانت – كما أخبرني زوجي – مجرد تنظيف بسيط بعد الإجهاض. دخلت المستشفى وأنا أبكي على جنين فقدته، وخرجت منها أواسي نفسي بأن الله سيعوضني قريبًا. لم يخبرني أحد بشيء عن استئصال، لم أوقّع على ورقة بهذا المعنى، لم يُشرح لي خطر أو ضرورة. جلست على الكرسي عاجزة عن الحركة، أحاول استيعاب ما قيل، بينما الطبيب يشرح أن القرار تم بناءً على موافقة موقعة باسمي، وأن الأمر مسجل رسميًا في ملفي الطبي.

تلك اللحظة كانت بداية الانهيار. لم تكن الصدمة في فقدان القدرة على الإنجاب فقط، بل في إحساسي أن جزءًا من حياتي سُرق مني دون علمي. خرجت من العيادة وأنا أشعر أنني أتحرك داخل ضباب كثيف، لا أسمع جيدًا، ولا أرى بوضوح. الشارع من حولي كان مزدحمًا، الناس تمشي، السيارات تمر، الحياة مستمرة كأن شيئًا لم يحدث، بينما عالمي أنا كان يتهاوى قطعة قطعة.

عندما عدت إلى المنزل، لم أخلع حجابي أو حذائي. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم، إلى تلك الخزنة الصغيرة التي كان زوجي جمال يحتفظ بها دائمًا مغلقة. لم أكن من قبل مهتمة بما بداخلها، كنت أعتبرها خصوصيته، ثقته التي أقدرها وأحترمها. لكن بعد ما سمعته، لم يعد هناك مجال للثقة العمياء. كان داخلي يقين أن الحقيقة كلها هناك، خلف ذلك الباب المعدني الصغير.

حاولت فتحها بالمفتاح الذي أعرف مكانه، لكن القفل كان قد تغير. شعرت أن ذلك التغيير لم يكن صدفة، بل خطوة محسوبة. لم أتردد طويلًا، استعنت بأداة صغيرة من المطبخ، وبعد محاولات مرهقة تمكنت من كسر القفل. فتحت الخزنة ويدي ترتجف، وبدأت أخرج الأوراق واحدًا تلو الآخر. كشوف حسابات، عقود، إيصالات… ثم وجدت ما لم أكن مستعدة لرؤيته.

ورقة رسمية تحمل اسمي وتوقيعي، إقرار بالموافقة على استئصال الرحم بسبب ورم خطير. قرأت اسمي أكثر من مرة، نظرت إلى التوقيع، كان يشبه توقيعي فعلًا، لكنه لم يكن خطي. كانت تزويرًا متقنًا، كأن أحدهم تمرن عليه طويلًا. بجانبها شيك بمبلغ كبير صادر للطبيب الذي أجرى العملية. لم أحتج إلى كثير من الذكاء لأفهم أن الأمر لم يكن خطأ طبيًا، بل اتفاقًا مسبقًا.

في تلك اللحظة لم تكن الصدمة مجرد شعور، بل تحولت إلى نار مشتعلة في صدري. كل السنوات التي عشتها مع جمال مرت أمام عيني. كيف كان يبدو حريصًا عليّ، كيف كان يواسيّني بعد الإجهاض، كيف كان يقول إننا سنعوض قريبًا. هل كان يمثل طوال الوقت؟ هل كانت دموعه مصطنعة؟ هل كان حزنه كاذبًا؟

سمعت صوت المفتاح في باب الشقة. دخل جمال كعادته، خطواته هادئة، صوته عادي وهو يناديني. خرجت إليه وأنا أحمل الأوراق بين يدي. لم أصرخ في البداية، لم أبكِ، فقط سألته بهدوء مريب: “إيه ده يا جمال؟” نظر إلى الأوراق، ثم إليّ، وفي عينيه لمحت شيئًا يشبه الانزعاج، لا الندم. حاول أن يأخذ الأوراق مني، لكنني تراجعت. كررت سؤالي، وهذه المرة ارتفع صوتي.

لم ينكر طويلًا. جلس على الأريكة ووضع ساقًا فوق الأخرى، وكأنه يناقش أمرًا ماليًا بسيطًا. قال ببرود إن القرار كان لمصلحتي، وإنه لم يرد أن أتعرض لخطر محتمل، وإن الطبيب نصحه بذلك. لكن كلماته كانت متضاربة، وملامحه تكشف أكثر مما تخفي. عندما واجهته بورقة الشيك، سكت للحظة، ثم قال جملة لم أنسها: “أنا مكنتش عايز عيل يربطني بحاجة أنا مش مقتنع بيها.”

تلك الجملة كانت طعنة أخرى. لم أكن بالنسبة له زوجة شريكة حياة، بل احتمال قيد يخشاه. حاولت أن أفهم أكثر، أن أعرف لماذا. وهنا خرجت الحقيقة الأكبر. اعترف لي، دون أن يطرف له جفن، أنه لم يتزوجني حبًا، بل لأن ظروفًا معينة جعلت زواجي منه مناسبًا. قال إن قلبه كان معلقًا بامرأة أخرى، وإنه لم يشأ أن يدخل في مسؤوليات أبوة مع امرأة لا يشعر تجاهها بالمشاعر التي يراها ضرورية.

كانت الصدمة تتجدد مع كل كلمة. شعرت أن السنوات التي قضيتها معه لم تكن سوى مسرحية كنت أنا وحدي أجهل نصها. سألته عن حقي، عن اختياري، عن جسدي الذي لا يملك أحد حق التصرف فيه غيري. لم يجبني إجابة مباشرة، بل اكتفى بالصمت، صمت يحمل اعترافًا ضمنيًا بأن ما فعله كان مقصودًا ومدروسًا.

في خضم المواجهة، حدث ما لم أكن أتوقعه. دخلت أختي هبة إلى الشقة. كانت تعلم بوجود جمال، لكن توقيت دخولها ونظرتها نحوي أثارا داخلي شكًا قديمًا كنت أرفض تصديقه. نظرت بيننا، ثم إلى الأوراق في يدي، وتبدلت ملامحها بسرعة. في لحظات انكشفت شبكة معقدة من الخداع، لم يكن جمال وحده طرفًا فيها.

بدأت الصورة تتضح. كان هناك تقارب بينهما لم أره أو لم أرد أن أراه. حديث جانبي، نظرات، تبريرات. ومع ضغط الأسئلة، خرجت اعترافات متقطعة. هبة كانت تعلم بجزء من الحقيقة، ربما ليس كله، لكنها كانت على علم أن العملية لم تكن كما قيل لي. كانت تظن – كما أخبرها جمال – أن الأمر ضروري طبيًا، وأنني وافقت. صدقته، أو أرادت أن تصدقه.

لم أصرخ هذه المرة. شيء داخلي انكسر تمامًا، وحل محله هدوء غريب. عندما تصل الصدمة إلى ذروتها، أحيانًا لا يعود الإنسان قادرًا على البكاء. يصبح كل شيء واضحًا بصورة مؤلمة. أدركت أنني كنت أعيش في دائرة من الخداع، وأن استعادة حقي لن تأتي بالصراخ، بل بالحكمة.

تذكرت فجأة ظرفًا آخر كنت قد وجدته في الخزنة ولم أفتحه بعد. عدت إلى الغرفة وأحضرتُه. كان تقريرًا طبيًا قديمًا باسم جمال، يعود إلى ما قبل زواجنا بفترة قصيرة. قرأته بسرعة، ثم أعدت قراءته بتركيز أكبر. كان يشير إلى مشكلة صحية خطيرة تتعلق بقدرته على الإنجاب. لم أعلق فورًا، بل نظرت إليه وإلى هبة، ووضعت التقرير أمامهما.

تحول لون وجه جمال، بينما قرأت هبة الورقة بارتباك واضح. هنا اكتملت الدائرة. الرجل الذي اتخذ قرارًا بحرماني من الأمومة بحجة أنه لا يريد أطفالًا، كان يخفي حقيقة أنه يواجه صعوبة طبية في الإنجاب. لم يكن الأمر يتعلق بي وحدي، بل بخوفه من انكشاف سره، ومن مواجهة المجتمع بنقص لا يريد الاعتراف به.

في تلك اللحظة، لم أشعر بالشماتة، بل بحزن عميق. لو أنه صارحني بالحقيقة، لربما واجهنا الأمر معًا. الطب يتطور، والحلول متعددة، والأهم أن الحياة الزوجية لا تختصر في الإنجاب فقط. لكن اختياره كان الخداع والسيطرة. اختار أن يسلبني حقي ليحمي صورته.

لم أتصرف باندفاع. تواصلت مع محامٍ موثوق، وشرحت له كل التفاصيل، وقدمت له نسخًا من الأوراق التي وجدتها. نصحني بتقديم بلاغ رسمي بتزوير توقيع وإجراء عملية دون موافقة حقيقية. بدأت الإجراءات القانونية بهدوء وثبات. لم أكن أسعى للانتقام، بل للعدالة، ولإثبات أن ما حدث ليس خطأ عابرًا بل جريمة تمس أبسط حقوق الإنسان.

مرت الشهور ثقيلة، لكنني كنت هذه المرة مختلفة. الصدمة التي كادت أن تحطم حياتي تحولت إلى دافع لأعيد بناء نفسي. حضرت جلسات دعم نفسي، بدأت أقرأ أكثر عن حقوق المرضى، عن الاستقلال الجسدي، عن أهمية الوعي. اكتشفت أن قصتي ليست الوحيدة، وأن هناك نساء كثيرات تعرضن لقرارات طبية اتخذت دون علمهن الكامل.

أما على المستوى العائلي، فقد اتخذت قرارًا صعبًا بإنهاء زواجي. لم يعد هناك ما يمكن ترميمه. الثقة إذا انكسرت في أمر بهذا الحجم، لا يمكن أن تعود كما كانت. كان الطلاق خطوة مؤلمة، لكنه كان أيضًا إعلانًا بأنني أستحق حياة أفضل، قائمة على الصدق والاحترام.

مع الوقت، بدأت أفكر في معنى الأمومة بعيدًا عن المفهوم البيولوجي فقط. صحيح أنني فقدت القدرة على الحمل، لكنني لم أفقد قدرتي على العطاء. زرت دار أيتام بدافع الفضول، ثم بدافع الحنين، ثم بدافع الحب. هناك التقيت بطفلة صغيرة كانت تبتسم رغم كل ما مرت به. شعرت بشيء يتحرك داخلي، إحساس دافئ يذكرني أن الرحمة لا تحتاج إلى رحم لتزهر.

بعد دراسة وتفكير طويلين، بدأت إجراءات كفالة طفلة. لم يكن القرار تعويضًا عن خسارة، بل اختيارًا واعيًا لمنح الحب حيث هو بحاجة إليه. عندما دخلت تلك الطفلة حياتي، أدركت أن الصدمة التي ظننتها نهاية كانت في الحقيقة بداية لطريق مختلف، طريق لم أخطط له، لكنه حمل لي معنى أعمق.

اليوم، عندما أنظر إلى الماضي، لا أنكره ولا أهرب منه. أعترف أنني تألمت، وأنني انكسرت، وأنني بكيت ليالي طويلة. لكنني أيضًا تعلمت. تعلمت أن الثقة لا تعني التنازل عن حقي في المعرفة، وأن الحب لا يبرر السيطرة، وأن الصمت أحيانًا يشجع الظلم. والأهم، تعلمت أن الكرامة يمكن أن تتألم لكنها لا تموت.

ربما لن أنسى أبدًا تلك النظرة الأولى في عيني الطبيب، نظرة الشفقة التي كانت بداية الكشف. لكنها لم تعد تذكرني بالضعف، بل بالقوة التي وُلدت بعدها. لقد فقدت عضوًا من جسدي، نعم، لكنني استعدت نفسي كاملة. واستعدت صوتي، وقراري، وحقي في اختيار مستقبلي.

هذه حكايتي، حكاية امرأة واجهت أقسى أنواع الخداع، لكنها رفضت أن تبقى ضحية. حكاية تؤكد أن العدالة قد تتأخر، وأن الجراح قد تترك أثرًا، لكن الإنسان قادر على النهوض مهما كانت الصدمة كبيرة. وفي النهاية، لم تكن الأمومة حلمًا ضاع، بل روحًا وجدت طريقًا آخر لتتحقق.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان