القلم الذي كشف الحقيقة: رواية مريم وسليم بين الحب والسيطرة والخوف داخل الأسانسير

القلم الذي كشف الحقيقة: رواية مريم وسليم بين الحب والسيطرة والخوف داخل الأسانسير


بين القلم والضلمة

القلم اللي سليم ادهولي فوقني… بس مش فوق وشّي بس، فوق قلبي كله. الضربة مكانتش هي اللي وجعتني قد ما وجعني المعنى اللي وراها، كأنها بتقول إن الكلام اللي قلته له كان أقسى من أي حاجة، وإنه ردّ عليه بنفس القسوة، وكأننا بقينا بنحارب بعض بدل ما نحارب الدنيا سوا. أنا كنت قاعدة جنب الشباك في العربية، ملامح الشارع بتجري قدامي زي شريط فيلم باهت، ووشّي سخن من الإهانة قبل الألم. دموعي كانت واقفة على حافة عيني، مش عايزة تقع عشان ما أديش للصدمة حقها، وما أديش لسليم إحساس إنه كسب الجولة.

سليم سند راسه على شباك العربية، عينه ثابتة على اللاشيء، وبندم حاول يطلع صوته ناعم: “أنا آسف.. اتعصبت أوي.” قالها وكأنه بيحط لاصق على جرح مفتوح، أو بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعني. وبعدين كمل بسرعة، كأنه خايف كلامه يتهز: “إنتي دوستي على وجعي وقلتيلي بتكرهيني، وإنتي عارفة إن دي نقطة ضعفي.” كانت جملة متعودة أسمعها من يوم ما عرفته: نقطة ضعف… وكأن الضعف تصريح مفتوح يبرر أي انفجار، وكأن كلمة في لحظة عصبية تمنح الحق للذراع إنه يسبق العقل.

أنا سكت. سكتت لأن جزء مني كان عارف إني غلطت لما قلت “بكرهك” وأنا مش بكرهه بالمعنى الحقيقي، أنا كنت بكره الحالة اللي بيخليني فيها، بكره الخوف اللي بيكبر جوايا كل مرة صوته يعلى، وبكره نفسي لما أبقى قدامه طفلة بتدور على أمان وهي مش لاقياه. بس غلطتي… مهما كانت… ما تبررش أبداً إنه يمد إيده عليا. بصيت له ودموعي بتلمع من غير ما تنزل وقلت: “كنت سيبني وامشي… لكن ليه تضرب؟” السؤال خرج مني ضعيف، لكن جوّه ضعفه كان فيه صرخة كبيرة، صرخة واحدة اتعلمت طول عمرها تبلع الكلام عشان “البيت ما يخربش”، و”الناس ما تتكلمش”، و”هو أكيد بيحبك”.

قلبي ما بقاش مستحمل. حسيت إن قلبي نفسه بقى بيتنفس بصعوبة، وكأنه بيتحاصر من جوا. غمغمت وأنا باصة قدامي: “سليم… مش قادرة أفضل معاك.” الكلمة لما خرجت، كأنها طلعت من ضلوعي مش من لساني. وبعدين زودت، وأنا بحاول أتمسك بأي حل وسط يخليني ما أتهدش: “ممكن لما نرجع ننفصل شوية… لحد ما أحس إني بقيت تمام؟” ما قلتش “نطلق”، ما قلتش “نهايتها”، قلت “ننفرل شوية”، كأن المسافة الصغيرة ممكن تبرد النار اللي بتاكلني.

سليم لفّ وشه ناحيتي ببطء. الهدوء اللي كان على ملامحه مرعب، هدوء قابل للانفجار في أي ثانية، زي زجاجة مقفولة من برّه بس مليانة ضغط من جوّه. سألني: “يعني إيه ننفصل؟” حسيت إني لازم أختار كل كلمة زي اللي ماشي فوق أرض زلقة. رديت وأنا براقب حركة عينه، نبرة صوته، حتى نفسُه: “يعني كل واحد في أوضة يا سليم… صدقني هيفرق معايا.” كان قلبي بيتمنى إنه يقول: “حقك عليا… أنا غلطان… إحنا لازم نصلح.” لكن اللي حصل كان أسوأ من الغضب: وافق بمنتهى البرود.

البرود ده خوّفني أكتر من أي صريخ. لأن الصريخ بيبان، الغضب بيتشاف، لكن البرود… بيخبي وراه قرارات. وصلنا تحت بيت والدته، في مكان راقي جداً، عمارة كبيرة بواجهة لامعة، بوابة حديد شكلها زي بوابات الفنادق، وحارس ببدلة واقف يفتح ويقفل بهدوء كأنه جزء من الديكور. نزلت من العربية وأنا بحاول أقنع نفسي إن سليم لسه بيحبني، إنه مكنش عمل كل ده عشاني لو ما كانش فيه حب. الحب… الكلمة اللي بتبقى أحياناً آخر شماعة بنعلق عليها خوفنا عشان ما نعترفش بالحقيقة.

أول ما دخلنا العمارة وشفت الأسانسير، جسمي اترعش. العرق طلع في إيدي من غير سبب واضح غير إني عارفة الرعب ده من زمان. قلت بلهفة: “بلاش أسانسير يا سليم.” خرجت مني كأنها استغاثة. سليم ضحك بخفة وهو ماسك إيدي: “هنطلع الدور العاشر على رجلينا يا مجنونة؟” كان بيحاول يطلعها هزار، لكن أنا كنت جد. مسكت في دراعه بخوف: “بخاف منه أوي… هنفضل محبوسين فيه لحد العاشر؟” كلمة “محبوسين” هي اللي كانت بتفزعني، مش الطلعة نفسها.

شدني بهدوء ودخلني القفص الحديدي. القفص… آه، ده كان اسمه في دماغي. الباب قفل بصوت معدني، زي قفلة سجن صغيرة. سليم سجل بالشريحة عشان الأسانسير يتحرك، وبدأ يطلع. في اللحظة دي، السكوت اللي بينا كان أتقل من الهوا اللي بنتنفسه. لا أنا قادرة أعتذر عن كلمة “بكرهك”، ولا هو قادر يعتذر عن القلم من قلبه، ولا أي واحد فينا قادر يعترف إن اللي بيننا بقى خطر.

وأنا واقفة، ضهري لازق في الحيطة الباردة، كنت بحس بنبضات قلبي بتخبط في ضلوعي كأنها بتدور على مخرج. عيني على الأرقام اللي بتتغير: خمسة… ستة… صوت موتور الأسانسير بيغني غنوة رتيبة، فيها طمأنينة سطحية، لكن جوّا رأسي كان فيه صور كتير: صورة بابا، وهو دايمًا بيقول لي “اللي يمد إيده مرة يمدها تاني”، وصورة أمي وهي بترد “الراجل ساعات يغلط… المهم يندم.” وصورتي أنا، وأنا صغيرة بخاف من الضلمة وأجري على حضن بابا من غير ما أتكلم. كأن القلم اللي أخدته دلوقتي كان بيصحي كل الذكريات دي مرة واحدة.

فجأة… الأسانسير اتهز هزة قوية. مش هزة خفيفة، دي هزة خلت دماغي تتخبط في خوفي. وبعدين وقف. كأنه اتجمد بين لحظة ولحظة. الأرقام سكتت، والموتور سكت، والنور طفى تماماً. لحظة واحدة اتحولت الدنيا فيها لصندوق عتمة. صرخت من غير ما أحس، ويدي اتعلقت في سليم بكل قوتي، نسيت القلم، نسيت الانفصال، نسيت أي حاجة غير إن الضلمة ابتلعتني.

في العتمة، صوت أنفاسي كان عالي، كأنه صوت حد غريب. حسيت إني بتخنق. حاولت أفتح فمي عشان أتكلم، بس الكلمة اتحشرت في حلقي. سليم اتحرك ناحيتي. كنت حاسة بوجوده أكتر من ما شايفاه. قرب مني في الضلمة، وصوته طلع واطي، قريب من ودني، كأنه مش بيدي كلامه للهواء، كأنه بيديه لدماغي مباشرة. همس: “شايفة يا مريم؟ الدنيا كلها ممكن تقف… والأوض اللي عايزة تنفصلي فيها ممكن تتهد.” كأن توقف الأسانسير إثبات لوجهة نظره، وكأن الخوف اللي جوايا دليل إن ماينفعش أسيبه.

وقبل ما أقدر أرد أو حتى أفهم أنا سامعة إيه، كمل، ونبرة صوته كانت فيها حاجة تهز الكيان: “لكن في الآخر… مفيش حد هيضمك ويحميكي من ضلمة خوفك غيري أنا.” الجملة دخلت في قلبي زي سكينة من غير دم. لأنها اتقالت بنعومة… بس معناها كان قاسي. هو ما قالش “أنا بحبك” بس، هو قال “أنا أمانك الوحيد.” ودي أخطر جملة ممكن تسمعيها من إنسان ضربك من دقائق. لأن الحب لما يتحول لوعد بالأمان الوحيد… يبقى مش حب، يبقى قيد متغلف بشال حرير.

حسيت بأنفاسه قريبة قوي. قربه كان بيخوفني وبيريحني في نفس الوقت، وده اللي قتلني. إحساسين متضادين بيتخانقوا جوايا: جزء بيقول “امسكي فيه، انتي مرعوبة”، وجزء بيصرخ “ده اللي وجعك، ده اللي ضربك، ده اللي بيستغل خوفك.” وأنا وسط الصراع ده، كنت بتخيل إني لو سبت إيده هقع، حتى لو الأسانسير واقف. كنت بتخيل إن الضلمة هتبلعني لوحدي، وإنه هو النور الوحيد… رغم إن النور ده كان بيحرق.

حاولت أتمالك نفسي. قلت بصوت متقطع: “سليم… افتح نور الموبايل.” ماكانش الطلب بس عشان أشوف، كان عشان أرجع السيطرة لنفسي. هو سكت لحظة، وبعدين فعلاً طلع موبايله وفتح الكشاف. النور الأبيض شق العتمة، وظهر وشّه قدامي واضح. عينين ثابتتين… نظرة فيها انتصار صغير. كأنه بيقول “شفتي؟” وأنا بصيت له، وحسيت إني عايزة أبص بعيد، بس ماقدرتش. لأن الحقيقة كانت واقفة بيننا، في المساحة الضيقة دي.

في اللحظة دي، استوعبت إن خوفي من الأسانسير مش خوف من مكان مقفول وبس، ده خوف من فكرة إن باب يتقفل عليا ومابقاش ليّا قرار. خوف من إن “لازم أستحمل” عشان ماينفعش أعمل حاجة. والمرعب… إن نفس الشعور ده هو اللي كنت بحسه ساعات مع سليم. باب بيتقفل على كلامه، على مزاجه، على غضبه، وأنا بحاول أتنفس جواه وأقنع نفسي إن ده طبيعي.

سليم ضغط على زر الطوارئ، الصوت طلع بعيد ومشوش، وحاول يتكلم مع حد، لكن الإشارة كانت بتقطع. قال بحدة: “فيه حد؟ الأسانسير واقف!” وبعدين رجع بصلي، وملامحه اتشدت: “مش شايفة؟ حتى هنا أنا اللي بتصرف.” كنت عايزة أقول له: “ليه لازم تحسسني إني ضعيفة؟” لكن الكلمات كانت بتتبعثر. جسمي كله كان بيترعش. الهدوء اللي اتكلم بيه من شوية اتحول لسيطرة واضحة، جملة ورا جملة، بيبني حيطان حوالين قراري.

وأنا في النور الأبيض ده، شفت أثر القلم على خدي. خطوط حمرا خفيفة، بس معناها كان تقيل. اتذكرت أول مرة اتخانقنا فيها قبل شهور، لما كان بيغير عليا زيادة، ولما أنا اعترضت قال: “أنا بحبك… انتي مش فاهمة.” يومها ضحكت، قلت لنفسي “غيرة حلوة.” بعدها بوقت، بقى يحب يعرف كل تفصيلة: رحت فين؟ كنتي مع مين؟ ليه اتأخرتي؟ وبعدين بقى يتوتر لو ردّي اتأخر. والليلة دي… القلم جه كأنه خطوة تالية طبيعية في سلم مشيت عليه وأنا ساكتة.

قلت له وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت: “سليم… اللي حصل برا مايتلغيّش عشان أنا خفت جوّا.” كنت بكلمه كأني بكلم نفسي، عشان ما أضعفش. هو ابتسم ابتسامة صغيرة، ما كانتش فرح، كانت ابتسامة حد شايف إنه محاصرني من غير ما يلمسني. قال: “أنا ما قولتش يتلغي… أنا بقولك الحقيقة… انتي بتخافي، وأنا اللي بعرف أتعامل مع خوفك.” الجملة دي وجعتني تاني، لأنها كانت بتعيد تعريف العلاقة: هو مش شريك… هو “مدير” خوفك.

حاولت أرجع لنقطة “الانفصال” اللي قلتها في العربية، لعلها تمسك في الأرض وسط الاهتزاز. قلت: “أنا لما قلت كل واحد في أوضة… كنت بحاول أهدى… أنا محتاجة أمان يا سليم، مش محتاجة حد يثبتلي إن أنا ضعيفة.” سليم قرب خطوة. المسافة ضاقت. قال بنبرة هادية جدًا: “الأمان عندي.” وبعدين زوّد، وكأنه بيحط ختم: “انتي من غيري بتتكسري.” حسيت إني لو سيبته يقول الجملة دي كده وتمشي، هتتحول لحقيقة في عقلي مع الوقت، هتتحول لصوت داخلي يكررها كل ما أفكر أطلع برا القفص.

فجأة سمعت صوت خفيف، كأنه موتور بيرجع للحياة. الأسانسير اهتز تاني، والنور الأصلي رجع يرمش قبل ما يثبت. اللحظة اللي سبقت الحركة كانت زي آخر ثانية قبل سقوط مطر. وبعدين… الأسانسير اشتغل. بدأ يطلع ببطء كأن مافيش حاجة حصلت. وأنا… أنا اللي ما رجعتش زي ما كنت. لأن قلبي هو اللي فضل واقف عند اللحظة دي.

لما وصلنا الدور العاشر وفتح الباب، الهواء اللي برا الأسانسير حسّيته مختلف، كأنه أوسع. خرجت وأنا بحاول أتماسك، وسليم ماسك إيدي بنفس الطريقة اللي لو حد شافنا هيقول “يا سلام على الحب.” لكن جوايا كان فيه سؤال مرعب: هل أنا بمسك فيه لأنه بيحبني… ولا لأنني بخاف من فكرة إني أبقى لوحدي؟ وهل الخوف ده طبيعي… ولا اتزرع فيّ بالتدريج لحد ما بقى جزء منّي؟

مشينا في طرقة طويلة مفروشة سجاد تقيل، ريحة معطرات غالية، وأبواب شقق مقفولة كأن كل باب بيخبي قصة. سليم وقف قدام باب والدته، طلع المفتاح، وقبل ما يفتح، بصلي وقال بصوت خفيض: “هتعملي اللي قولتي عليه؟ كل واحد في أوضة؟” كان بيختبرني. وأنا كنت بختبر نفسي. حسيت إني واقفة عند مفترق طريق حقيقي، مش باب شقة. طريقين: طريق أرجع أهون، وأقول “خلاص”، وأخلي القلم حادثة، والأسانسير درس، وهو أمان… وطريق تاني أصعب، طريق أقول فيه “الأمان مش لازم يبقى مع حد بيأذيني.”

ما رديتش بسرعة. كنت محتاجة أتنفس قبل ما أقرر. دخلنا الشقة، والدته كانت في الصالة بتشاهد التلفزيون، ولما شافتنا ابتسمت ابتسامة اجتماعية وقالت: “اتأخرتوا ليه؟” سليم ردّ طبيعي جداً: “زحمة.” وأنا ابتسمت ابتسامة باهتة. في اللحظة دي، فهمت قد إيه الحياة بتعرف تلبس أقنعة. جملة “زحمة” غطت على قفص الحديد اللي وقف في الضلمة، وعلى القلم اللي فضل أثره على خدي، وعلى فكرة إن حياتي ممكن تتغير بقرار بسيط أو بجبن بسيط.

دخلت أوضة الضيوف بحجة إني “هبدّل”، وقعدت لوحدي دقيقة. بصيت في المراية. شفت أثري… وشفت عيني اللي بقت مش قادرة تكدب. لمست خدي بخفة. الوجع خفيف، لكن وجع قلبي كان تقيل. اتذكرت بابا… مش لأنه كان هيحميني بس، لكن لأنه كان دايمًا يقول إن الحب الحقيقي ما يخوّفكيش من نفسك. وأنا مع سليم… كنت بخاف من نفسي، من ردّي، من كلمتي، من دموعي، من ضحكتي حتى، عشان ما تتحسبش ضده وتطلع منه حاجة تجرحني.

سمعت خبط خفيف على الباب. صوت سليم: “مريم… افتحي.” فتحت وأنا مترددة. هو وقف على العتبة، ملامحه اتبدلت، نبرة صوته اتنزلت، قال: “أنا غلطان… بس انتي كمان غلطتي.” نفس الجملة، نفس التوازن المزيف اللي بيحط الذنب نصين عشان يخفف عن نفسه. بصيت له وقلت بهدوء، لأول مرة من غير انهيار: “أنا غلطت في كلامي… وده مش سبب إن إيدك تتكلم.” سليم حاول يقاطعني، لكني كملت: “وأنا مش هقبل إن خوفي يبقى سلاح في إيدك.”

للحظة، وشه اتشد. حسيت إن العاصفة جاية. لكن العاصفة ما طلعتش صريخ… طلعت صمت. صمت طويل. وبعدين قال: “انتي بتكبّري الموضوع.” الكلمة دي كانت آخر حجر في الحيطة. لأن “بتكبري الموضوع” معناها إن ألمي مش مهم، وإن حدودي رفاهية. حسيت إن كل حتة فيّ بتقول: “لو سكتّي دلوقتي، هتسكتي للأبد.”

قلت: “مش هكبره… أنا هفهمه.” وبصيت في عينه من غير ما أهرب. “هفهم إن اللي حصل مش مجرد عصبية. ده معناه إن في حاجة غلط في طريقة حبنا.” سليم ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح: “طريقة حبنا؟” قلت: “أيوه… الحب مش قفص… ومش ضلمة… ومش قلم.” والليلة دي، وأنا بقولها، كنت عارفة إن القرار مش هييجي فجأة، مش هطلع من الشقة وأقفل الباب وأخلص. الحياة مش كده. بس كنت عارفة إن أول خطوة إنّي ما أصدقش جملة “مفيش حد هيضمك غيري.” لأن دي الجملة اللي لو صدقتها… هخسر نفسي.

خرج سليم من قدام الباب، وهو بيحاول يرجّع سيطرته بأي شكل، وقال بصوت مسموع عشان يوصل لي: “اعملي اللي انتي عايزاه… بس ما ترجعيش تلومي غير نفسك.” تهديد مقنّع، ورسالة واضحة: الاستقلال ثمنه الوحدة واللوم. وأنا، لأول مرة، ما اتهزتش زي زمان. قفلت الباب بهدوء، قعدت على طرف السرير، وفضلت بصوت منخفض أكرر لنفسي: “الأمان مش لازم يبقى عند اللي بيخوفني… الأمان لازم يبقى جوايا.”

برّه، أصوات التلفزيون كانت شغالة، وضحكة والدته بتطلع في الصالة، كأن البيت بيتنفس حياة طبيعية. وأنا جوّا الأوضة، كنت بحاول أتعلم أتنفس حياة جديدة… حتى لو كانت صعبة. كنت عارفة إن اللي جاي مش سهل: مواجهة، حدود، قرار، ويمكن ألم أكبر قبل الراحة. لكن اللي كنت متأكدة منه إن الأسانسير لما وقف في الضلمة ما كشفش ضعفي بس… كشف كمان لعبة سليم: إنه يحول الخوف لحبل، والحبل لقيد، والقيد لاسم تاني اسمه “حب.”

الليلة دي انتهت والأسانسير اشتغل تاني… بس أنا ما رجعتش زي ما كنت. قلبي فضل واقف عند اللحظة اللي همس فيها: “مفيش حد هيضمك غيري.” لأن اللحظة دي كانت اختبار. وأنا، رغم رعشتي، بدأت أفهم إن الهروب من سليم مش أصعب من الهروب من الأسانسير… الهروب الحقيقي كان من الفكرة اللي حاول يزرعها فيّ: إنني من غيره ضلمة. وأنا قررت، ولو ببطء، إني أتعلم أخلق نوري بنفسي.

تنبيه تحريري: النص يتناول إساءة داخل علاقة بصورة سردية توعوية/درامية دون تفاصيل عنف صادمة، وبما يحافظ على سياق اجتماعي مناسب للنشر.

نهاية مفتوحة: هل هتقدر مريم تحط حدود وتحمي نفسها؟ ولا هتتسحب تاني لجملة “أنا أمانك الوحيد”؟ الإجابة مش في الأسانسير… الإجابة في أول مرة هتختار فيها نفسها حتى وهي خايفة.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان