عزومة الغدر في أول يوم رمضان: اكتشفت طلاقي وخيانة أختي وزوجي أثناء الإفطار

عزومة الغدر في أول يوم رمضان: اكتشفت طلاقي وخيانة أختي وزوجي أثناء الإفطار


عزومة الغدر


أنا مريم، وعمري ما كنت بحب أبدأ حكايتي بكلمة “أنا ضحية”، لأن الكلمة دي كانت بتوجعني أكتر ما بتريحني. طول عمري بحاول أكون البنت اللي “تستحمل”، اللي بتقفل على وجعها وتفتح على واجبها، اللي بتضحك قدام الناس وتعيط في المطبخ لوحدها. بس اللي حصل أول يوم رمضان… ما كانش مجرد موقف صعب، ولا خناقة عائلية، ولا كلمة جارحة من حماة تقيلة الدم. ده كان سيناريو متكتب، وممثلين حافظين أدوارهم، وستارة اتفتحت فجأة على مشهد اكتشفت فيه إن البيت اللي فرحت بيه… كانوا بيحضّروا يطردوني منه وأنا لسه ريحة الأكل في إيدي.

الليلة دي بدأت من الفجر، صحيت على إحساس غريب مزيج بين الحماس والخوف. كنت لسه ناقلة البيت الجديد من شهرين، بيت صغير بس شيك، كنت شايفاه بداية عمر جديد بعد سنين إيجار ومشاوير نقل ودوشة. قلت لنفسي: “أول رمضان هنا لازم يبقى مميز… لازم أعمل عزومة تفتح النفس، يمكن القلوب تلين، ويمكن حماتي تبطل تحس إني غريبة.” جوزي “حسام” كان طول الوقت بيقولي إن أمه مزاجها صعب، وإن سلايفي طبعهم حاد، وإن الأفضل أسايس وأعدي، لكني كنت دايمًا مصدقة إن اللقمة الطيبة تعمل معجزات، وإن رمضان بالذات بيصلّح اللي الأيام بوظته.

دخلت المطبخ من بدري، وحطيت لنفسي خطة: محشي، فتة، فراخ مشوية، شوربة، سلطة طحينة، وسَمبوسك… وطبق حلو “قطايف” كنت متدربة عليه كأني داخلة مسابقة. عشر ساعات كاملة وأنا واقفة، رجلي بتحرقني، وكتفي بيوجعني من التقطيع والتقليب، بس كنت مبسوطة. كنت كل شوية أبص على الساعة وأقول: “يا رب يتممها على خير.” ومع كل ريحة بهارات بتطلع، كنت بتخيل وشهم وهما بيتفاجئوا: “مريم طلعت شاطرة… مريم طلعت ست بيت بجد.” كنت عايزة اعتراف… مش مدح، مجرد اعتراف إن وجودي مش عبء عليهم.

قبل المغرب بنص ساعة، بدأ البيت يتحول. سفرة اتفردت، أطباق اتلمعت، كوبايات اتصفّت، والبيت اتنضف بعناية كأني مستقبلة ناس غرباء مش أهل جوزي. حسام كان بيتحرك حواليا بس ببرود غريب، يطلع يدخل، يفتح درج يقفله، يبص في التليفون كتير، ويتهرّب من عيني. قلت يمكن صايم ومتعب… يمكن مشغول. ما كنتش عايزة أخلق في دماغي وحش وأنا لسه في أول اليوم.

أول ما أذّن المغرب، جرس الباب رن. فتحت… دخلت حماتي “الحاجة وداد” قدامي كأنها داخلة بيتها. لابسة إسدال أسود، ووشها ثابت ما فيهوش تهنئة ولا “رمضان كريم” من القلب. وراها سلايفي: “سحر” و“هبة”، ومعاهم أكياس صغيرة وعلب حلويات، بس نظراتهم كانت أغرب من الهدايا. كانوا بيبتسموا لبعض ابتسامات سريعة، زي اللي بيأكدوا على بعض إن الخطة ماشية. وأنا؟ أنا كنت بحاول أبان طبيعية، أرحب وأضحك وأخدم، وكأني مش شايفة التفاصيل اللي بتخوف.

قعدنا نفطر. أنا كنت باخد نفسي بالعافية. كل مرة أبص لحسام ألاقيه ساكت، يا إما موطي رأسه في الطبق، يا إما بيلف بصره بعيد عني. حماتي كانت بتاكل ببرود مريب، لا تعلّق على الأكل، ولا تقول “تسلم إيدك” اللي كنت مستنياها، وحتى لما سحر قالت كلمة مجاملة صغيرة، حماتي بصتلها نظرة تخليها تسكت. وسط كل ده، كنت حاسة إن في حاجة مش طبيعية، زي صوت خفيف جوا قلبي بيقول: “خلي بالك.”

لما خلصنا، قمت أجيب الحلو. كنت فرحانة إني أخيرًا هاقعد دقيقة، بس وأنا رايحة للمطبخ سمعت همس من الصالة… مش واضح، بس فيه كلمة اتكررت: “الخزنة.” رجعت بسرعة كأني بدوّر على حاجة، لقيت حماتي بتبصلي بنظرة ثابتة، نظرة مش فيها حنان ولا حتى شماتة، نظرة واحدة بس: “أنا جاية أخد حاجة.” قبل ما أفتح بقي، رمت المعلقة على الطبق… صوتها كان عالي كأنه صفارة نهاية مباراة، وبعدها قالت بجملة واحدة سكنت قلبي: “تسلم إيدك يا مريم… بس خسارة الأكل ده ملوش صاحب، لأن جوزك طلقك الصبح، ومستنيين نخلص فطار عشان يرمي هدومك برّه.”

حسيت الدنيا بتلف. قعدت مكان ما أنا واقفة، لا أنا عارفة أصرخ ولا أعرف أتكلم. بصيت لحسام… لقيته موطي راسه زي طفل اتقفش، لا بيبصلي ولا بيبص لأمه، كأنه قرر من زمان إن أسهل طريقة للهروب هي الصمت. قلت بصوت طالع من بين سناني: “إنت… طلقتني؟” ما ردش. حماتي طلعت ورقة من شنطتها، ورقة رسمية مطبوعة، ومدت إيدها بيها كأنها بتديني فاتورة كهربا. وقالت ببرود: “ده الطلاق… غيابي… وكل حاجة قانوني.”

كنت عايزة أضحك، مش لأن الموقف مضحك، لا… لأن عقلي رفض يصدق إن ده بيحصل في بيتي، على سفرتي، بعد عشر ساعات مطبخ، وفي أول يوم رمضان. حاولت أتماسك، وقلت: “وليه العزومة؟” هنا سحر ضحكت ضحكة قصيرة، وكأنها اتزحلقت منها، قبل ما تخبيها بسرعة. حماتي ردت: “العزومة تمثيلية… عشان ناخد مفتاح الخزنة اللي في أوضتك من غير ما تحسي. إنتِ كنتي فاكرة نفسك أذكى؟”

الكلمة الأخيرة جرحتني أكتر من الطلاق نفسه. لأن الطلاق ممكن يكون قرار، لكن الإهانة دي كانت مقصودة. حسام أخيرًا رفع عينه وقال بصوت متعب: “مريم… ما تكبّريش الموضوع.” الجملة دي كانت كف لوحدها. أنا اللي اتكسرت؟ أنا اللي اتسرقت؟ وأنا اللي أكبّر؟ هنا حسيت إن جسمي كله بيترعش، بس جوا الرعشة كان في حاجة بتصحى… حاجة اسمها كرامة، كانت نايمة ومخدّرة بسنين مسايسة.

وقبل ما أقدر أفهم اللي بيحصل، حماتي قالت الجملة اللي خلتني أدوّخ بجد: “وبعدين… الفيديو جاهز. بالمرة نبقى نقفل عليكِ الباب من ناحية حقوقك. إنتِ فاكرة المؤخر هتخديه؟” بصيت لها بذهول: “فيديو إيه؟” هنا هبة اتكلمت لأول مرة: “فيديو يثبت إنك خاينة… وده كفاية يخليك تطلعي من الجوازة دي من غير حقوق.” الكلام وقع عليا زي حجر. حسيت إني بتخنق. خيانة؟ أنا اللي سهرانة على بيتهم وسمعتهم؟ أنا اللي بشتغل وأصرف وأطبخ وأتحمل؟!

في اللحظة دي، صرخة طلعت من جوه قلبي من غير صوت: “مين؟ مين عمل كده؟” وكأن الإجابة كانت واقفة ورا ظهري. لأن الباب اتفتح فجأة، ودخلت أختي “هالة” بابتسامة متوترة، ماسكة كيس حلويات صغير كأنها كانت مستنية تدخل مشهدها بالضبط في التوقيت ده. لما شفتها حسيت قلبي بيقع. أختي… اللي كنت فاكرة إنها سندي، اللي كنت بحكيلها كل تفصيلة، اللي كانت بتقولي “إنتِ أقوى واحدة أعرفها”… واقفة قدامي وسطهم.

حماتي بصتلها وقالت: “اتفضلي يا هالة… قولي لأختك الحقيقة.” هالة حاولت تتكلم، لكن صوتها اتلخبط، وبعدين قالت جملة واحدة كسرتني: “مريم… أنا… أنا عملت كده عشان مصلحتنا.” مصلحتنا؟! حسام بص لهالة بسرعة وبعدين بص للأرض. سحر وهبة كانوا بيبصوا لبعض بنفس الابتسامات القديمة. وأنا كنت واقفة في النص، كأني اتسحبت فجأة من حياتي ورُميت في حياة تانية كلها غدر.

حاولت أفهم. سألتها: “إيه اللي عملتيه يا هالة؟” هنا هالة قالت وهي بتبلع ريقها: “الفيديو… مش حقيقي… ده تركيب… تزييف… بس… بس هيخلي الأمور تمشي أسرع.” اتجمدت. فكرة إن وشّي يتحط على جسم واحدة تانية في فيديو مزور… فكرة قذرة ومهينة، والأقذر إن أختي هي اللي شاركت. قلت لها بصوت مكسور: “ليه؟” قالت بهروب: “عشان حسام… هو… هو وعدني.” وعدها بإيه؟! قبل ما أسأل، حماتي قطعت الكلام: “مش وقته. دلوقتي المفتاح.”

وقتها فهمت إن الهدف الحقيقي مش الطلاق ولا الفيديو… الهدف الخزنة. الخزنة اللي جوه أوضتي، اللي فيها دهب بسيط من أيام جوازي، وأوراق ورثتها عن أبويا، وإيصالات شغلي، وحاجات كنت مخبياها لأن حسام كان بيستلف وينسى يرجّع، وأمه كانت دايمًا بتسألني: “معاكي كام؟” وأنا أهرب من الإجابة. الخزنة كانت زي نقطة ضوء في عينهم، وانا كنت فاكرة إن “العيلة” مش بتاكل بعض.

حماتي مدت إيدها لشنطتي اللي كانت على الكرسي، وبدأت تدور فيها بجرأة. في لحظة كنت عايزة أوقفها، لكن جسمي كان تقيل. وبعدين… حصلت حاجة غريبة. حسام قام بسرعة واتجه ناحيتي، وقال: “هاتِ المفتاح يا مريم… خلينا نخلص.” جملته كانت متفق عليها، طريقة لإرهابي، لكني لأول مرة ما خفتش. لأنني افتكرت همس “الخطة” اللي سمعته قبل المغرب، وافتكرت نظراتهم، وافتكرت برود حسام، وفجأة… كل القطع ركبت.

بصيت لحماتي وقلت بهدوء حاولت أطلعه من تحت النار: “إنتوا متأكدين إنكم عايزين تفتحوا الخزنة دلوقتي؟” حماتي ضحكت بسخرية: “هو فيه أحلى من أول يوم رمضان؟” سحر قالت: “افتحي يا مريم بدل ما نضطر نجيب حد يفتحها.” هالة كانت واقفة في الركن، عينها بتتهرب مني، كأنها عارفة إن اللي جاي مش لعبة.

اتحركوا ناحية أوضتي، كأن البيت أصبح ملكهم. وأنا مشيت وراهم بخطوات بطيئة، قلبي بيدق، بس مش دقات خوف… دقات قرار. فتح حسام باب الأوضة، واتجه مباشرة ناحية الخزنة، كأنه حافظ مكانها من كتر ما كان بيتمنى اللحظة دي. حماتي كانت واقفة وراه، وسحر وهبة بيحاولوا يبانوا هاديين لكن عيونهم متعلقة بالمعدن البارد كأنه كنز. حسام فتح الخزنة… وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه… واختفت في نفس الثانية.

الخزنة كانت فاضية. لا دهب. لا فلوس. لا أوراق ميراث. بدل ده… كان فيه جهاز تسجيل صغير، وراوتر صغير، وفلاشات متعلقة بميدالية، وورقة واحدة مطوية بعناية. حماتي قربت بسرعة، وشها اتغير، وسحر فتحت بُقها في صدمة، وهبة سحبت نفسها خطوة لورا، وحسام فضل ثابت للحظة كأنه مش قادر يبلع اللي شايفه. حماتي خطفت الورقة وفتحتها… قرأت بصوت مسموع من غير ما تقصد: “كنتُ أعلم منذ اللحظة التي بدأتِ فيها يا أختي بالتقرب من زوجي… رمضان كريم.”

في اللحظة دي، لأول مرة في حياتي، شفت الخوف على وش حماتي. مش خوف على فلوس، خوف من إن اللعبة اتقلبت. حسام بصلي بعينين واسعة: “إيه ده؟” سحر قالت بانفعال: “هو إنتِ بتلعبينا؟” وأنا… أنا مسحت دمعة كانت على خدي، لكني ما كنتش بعيط. الدموع دي كانت دموع وداع لشخصية قديمة، شخصية كانت بتسكت عشان “البيت ما يخربش”. قلت لهم وأنا واقفة على باب الأوضة: “لا… أنا مش بلعبكم… أنا كنت بحمي نفسي.”

ساد صمت تقيل، الصمت اللي بييجي قبل الانفجار. قلت: “من أسبوع، وأنا بعمل ترتيب رمضان، سمعت مكالمة… مش منكم… من هالة. كانت بتتكلم مع حسام وبتقول: ‘خليها تعمل عزومة أول يوم… ده أسهل وقت.’ ساعتها ما صدقتش، قلت يمكن بهزر. لكن يومها… ركبت كاميرات صغيرة في الصالة والممر من غير ما حد يحس، وركبت جهاز تسجيل في الخزنة، وحطيت الراوتر عشان يبعت نسخة من التسجيلات أوتوماتيك على إيميل مشترك بيني وبين محامي قديم كان صديق أبويا. كنت عايزة أطمن… بس الحقيقة اتأكدت.”

حماتي حاولت تمسك نفسها وقالت: “كاميرات؟! في بيتك؟!” قلت بهدوء: “آه… في بيتي. وبما إني مطلقة ‘غيابي’ من الصبح زي ما حضرتك بتقولي، يبقى دخولكم أوضتي ومحاولة فتح الخزنة… مش ‘عيلة’ ولا ‘قعدة ميراث’… ده تعدّي موثق بالصوت والصورة.” حسام اتوتر وقال: “مريم… إنتِ بتقلبّي الدنيا ليه؟” قلت: “أنا ما قلبتش… إنتوا اللي جيتوا تقلبوا حياتي.”

في اللحظة دي، هالة انهارت. قالت وهي بتبكي: “أنا ما كنتش عايزة كده… أنا اتزنقت… هو قالي إنه هيطلقك كده كده… وإن أنا لو وقفت جنبه هنبقى مع بعض… وإننا هنسكن هنا…” سكتت لحظة وكملت بألم: “أنا غِرت منك يا مريم… غِرت من بيتك… ومن صبرك… ومن إنك دايمًا بتطلعي قوية… وأنا كنت… كنت عايزة أبقى مكانك.” الكلمة الأخيرة كانت زي سكينة في قلبي، بس مش سكينة دم… سكينة خيانة.

حسام قاطعها بعصبية: “اسكتي!” كأنه خايف تتكلم أكتر. حماتي زعقت: “مش ناقصين فضايح!” وسحر قالت: “طب والفلوس؟ فين الورق؟” وهنا قلت الجملة اللي رجّعت لي نفسي: “الورق والدهب… مش هنا من شهر. أنا نقلتهم لمكان آمن لما بدأت أحس إن في عيون بتعدّ اللي في إيدي أكتر ما بتعدّ اللي في قلبي.” وبصيت لهالة تحديدًا وقلت: “ولما لقيت عقد الشقة اتصور واتبعته على واتساب، عرفت إنكم مش ناويين توقفوا عند الخزنة.”

حماتي قربت مني خطوة، وحاولت تبتزني بنبرة ناعمة فجأة: “مريم يا بنتي… احنا عيلة… ممكن نحلها.” ضحكت ضحكة قصيرة، لأن التحول ده كان فضيحة. قلت: “عيلة؟ العيلة ما تعملش فيديو مفبرك عشان تسقط بنت.” حسام قال: “الفيديو ده… مش هيتنشر.” قلت: “ومين يضمن؟” وهنا طلعت تليفوني بهدوء، وفتحت رسالة كانت واصلة من المحامي قبل دقائق: “تم الاستلام… وكل شيء موثق.” وقلت: “قبل أذان المغرب بساعة، اتبعتت نسخة من تسجيلاتكم… تسجيلات الخطة… وتسجيلات كلامكم عن الفيديو… للمحامي. لو اتجرأتوا تستخدموا أي تشهير، الرد جاهز.”

سحر اتلخبطت وقالت: “يعني إيه… محامي؟” قلت: “يعني الليلة دي مش هتخلص بطردي من بيتي… الليلة دي هتخلص باسترداد حقوقي.” حسام حاول يقلب الطاولة: “إنتِ كده بتدمري البيت.” قلت: “البيت اتدمر يوم ما اتفقتوا على غدري في رمضان… أنا بس بلمّ بقاياي.” وبعدين وجهت كلامي لحماتي: “ورقة الطلاق اللي مع حضرتك… هاتِها.” قالت بتحدي: “ليه؟” قلت: “عشان أعرف تاريخها وبياناتها… وعشان المحامي يشوفها… لأن الطلاق الغيابي مش لعبة. وإنتوا دخلتوا بيتي بعده… يبقى أنتم اللي حطيتوا نفسكم تحت المساءلة.”

حسام اتراجع، وكأن لأول مرة يفهم إن اللعبة أكبر من ترويع واحدة في بيتها. هالة كانت بتبكي بصوت مكتوم، وسحر وهبة بقوا متوترين، ووش حماتي كان بين الانكسار والغضب. وفي وسط كل ده، أنا حسيت بسلام غريب… مش سلام الانتصار الشرير، سلام إن الحقيقة ظهرت، وإن اللي كنت بحسه جوه قلبي ما طلعش وهم.

سبتهم في الأوضة وخرجت للصالة، وفتحت الباب الخارجي. لقيت الجارة العجوز اللي فوق واقفة بتسأل: “كل حاجة تمام يا بنتي؟” ابتسمت لها ابتسامة صغيرة وقلت: “تمام… بس لو سمحتي… خليكي شاهدة لو احتجت.” دخلت تاني، وجبت شنطة كبيرة، وبدأت أحط فيها هدوم حسام اللي كانت في الدولاب. حسام صرخ: “إنتِ بتعملي إيه؟” قلت: “إنتوا قلتوا هترموا هدومي… بس واضح إن اللي هيتلمّ الليلة دي مش هدومي.” حماتي قالت: “ما تعمليش كده يا مريم…” قلت: “اللي عملتوه النهاردة… كان أكبر من أي رجوع.”

طلعت الشنطة على الباب، وحطيتها جنب كيس قمامة كبير، وقلت بحسم: “الليلة دي… مش هتباتوا هنا. وأنا هافطر الحلو اللي عملته… مع جيراني… ومع اللي بابهم مفتوح للغلبان… مش مع اللي قفلوا قلبهم على الطمع.” سحر حاولت تقول: “بس إحنا…” قطعتها: “مش هسمع.” وبعدين بصيت لهالة، وقلبي موجوع بس صوتي ثابت: “أنا مش هافضحك… لكن أنا كمان مش هاغطيكي. اختياراتك… هتدفعِي تمنها.”

لما خرجوا، كانوا ماشيين كأنهم خرجوا من حلم اتكسر. حماتي سحبت شنطتها بسرعة، وسحر وهبة كانوا بيبصوا حواليهم خوفًا من نظرات الجيران، وحسام ما قدرش يرفع عينه في عيني. هالة كانت آخر واحدة… وقفت لحظة على العتبة، كأنها مستنية مني كلمة، أي كلمة. لكني ما قلتش. لأن بعض الخيانات ما ينفعش تتعالج بجملة، ولا بدمعة، ولا حتى باعتذار.

قفلت الباب، وسندت ضهري عليه، وخدت نفس طويل… نفس عمره كان متخزن جوه صدري سنين. سمعت أذان العشاء من بعيد، وحسيت إن رمضان النهاردة مش يوم انكسار… ده يوم بداية. بداية واحدة اتعلمت إن اللقمة الطيبة ما تعميش العين عن الغدر، وإن الصبر مش معناه إنك تسيب نفسك للذبح، وإن البيت اللي يتبني على خوف… لازم يتبني من جديد على كرامة.

في آخر الليل، لما البيت هدي، فتحت الموبايل ولقيت رسالة من المحامي: “اطمني… بكرة نبدأ إجراءات حفظ الحقوق… ونثبت التزوير… ونوثق محاولة الاقتحام.” قفلت الرسالة، وبصيت على سفرتي اللي لسه عليها آثار الأكل. ما حسيتش بالقهر زي ما كنت متوقعة. حسيت بحاجة تانية… إحساس إن ربنا كشف سترهم في أول يوم رمضان، بدل ما يفضلوا ينسجوا خيوطهم شهور. وقلت لنفسي: “يمكن دي كانت عزومة الغدر… بس كمان كانت عزومة النجاة.”

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان