أوضة رقم 6: الشقة التي لا تخرج منها كما دخلت

أوضة رقم 6: الشقة التي لا تخرج منها كما دخلت


من أول يوم دخلت فيه الشقة، وأنا حاسس إن المكان مش مرتاح لي. مش خوف صريح، ولا قلق واضح، لكن إحساس خفيف كده، زي لما تدخل بيت حد تاني وتقعد على كرسيه المفضل. تحس إنك ضيف، حتى لو محدش قالك كده.

العمارة قديمة، خمس أدوار، سلالمها واسعة زيادة عن اللزوم، وصوت الخطوات فيها بيرجع صدى غريب. الغريب أكتر إن السكان قليلين جدًا. كل دور فيه شقة أو اتنين، ومعظم الوقت السلم فاضي، لا أصوات، لا حركة، كأن العمارة نفسها مستنية حاجة.

صاحب الشقة سلّمني المفتاح، وفضل واقف شوية عند الباب. قبل ما يمشي، قال جملة واحدة بنبرة حاول يخليها عادية:
“في أوضة رقم 6… مقفولة. متفتحهاش، مهما سمعت.”
ضحك بعدها ضحكة قصيرة، وقال إن الكلام ده هزار قديم من أيام ساكنين قبل كده.

ضحكت معاه. كنت فاكر إن كل عمارة قديمة لازم يبقى ليها حكاية.

أول أسبوع عدّى طبيعي. شغل، رجوع متأخر، أكل سريع، نوم متقطع. كنت بتعامل مع الشقة كمساحة مؤقتة، مجرد مكان أنام فيه. لحد الليلة اللي كل حاجة اتغيرت.

الساعة كانت 3:17 الفجر. صحيت فجأة من غير سبب واضح. لا حلم، لا صوت عالي. بس إحساس إن حد نده عليك وانت نايم. فضلت ساكت شوية، بحاول أسمع.

وساعتها سمعته.

خبط خفيف… منتظم… مش على باب الشقة.
الخبط جاي من جوه.

من اتجاه أوضة رقم 6.

دَق… دَق… دَق…

قعدت في السرير دقيقة كاملة، بحاول أفسر. يمكن تمدد خشب، يمكن مواسير، يمكن صوت من شقة جنبنا. لكن الصوت كان أوضح من كده. قريب، محسوب، كأن حد واقف وبيخبط بإيد عارفة هي بتعمل إيه.

قمت من السرير، مشيت على أطراف صوابعي، وقفت قدام باب الأوضة. حطيت ودني على الخشب.
الصوت وقف فجأة.

سكت كامل.

وبعد ثانيتين، سمعت حاجة خلت جسمي كله يتجمد.

سمعت صوتي.

مش تسجيل، ولا صدى.
صوتي أنا، بنفس النبرة اللي بكلم بيها نفسي أحيانًا.
بينادي اسمي.

“افتح… أنا محبوس هنا.”

رجعت خطوة لورا، قلبي كان بيخبط في صدري بقوة غير طبيعية. حاولت أتكلم، صوتي ما طلعش. حسيت إن رجلي مش طاوعاني. في لحظة، جريت على أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، وقعدت على الأرض لحد الصبح.

قعدت أقول لنفسي إن ده إرهاق، ضغط شغل، أي تفسير يخلي اللي حصل يعدّي. الصبح صحيت على ضوء الشمس، وكل حاجة كانت طبيعية. باب أوضة رقم 6 مقفول، مفيش صوت، مفيش حركة.

نزلت أسأل الجيران.

في الدور التاني، ست كبيرة في السن، أول ما قلت لها رقم الأوضة، وشها اتغير. بصّت لي من فوق لتحت، وقالت بصوت واطي:
“إنت لسه عايش؟”

قعدت تحكي. قالت إن ساكن قديم كان عايش لوحده، انعزل تمامًا، وقفل على نفسه الأوضة دي أيام. كانوا بيسمعوا خبط وصريخ، ولما كسروا الباب… ملقوش حد. لا جثة، ولا آثار. بس من اليوم ده، الأوضة ما بقتش فاضية.

ضحكت ضحكة باهتة، وشكرتها، وطلعت. كنت متأكد إنها خرافات. بس جزء صغير جوايا ما كانش مرتاح.

الليلة اللي بعدها، الصوت رجع.
بس المرة دي… كان بيضحك.

“إنت فاكر إنك مختلف؟”

المفتاح اللي كان على الترابيزة اتحرك لوحده. وقع على الأرض، ودخل في قفل أوضة رقم 6. حاولت أمنعه، بس إيدي ما لحقتش.

الباب اتفتح.

الأوضة كانت ضلمة، لكن في آخرها مراية كبيرة. قربت خطوة، وشفت نفسي… بس مش أنا. نفس ملامحي، بس بعينين سودا، وابتسامة ثابتة زيادة عن اللزوم.

مدّ إيده من المراية.

وآخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تظلم:
“دورك بقى.”

فوقت وأنا مرمي على الأرض قدام الأوضة. الباب مقفول، والمفتاح مش موجود. حاولت أضحك وأقول لنفسي: كابوس.

دخلت الحمّام. بصّيت في المراية. وشي كان أنا… بس الابتسامة سبقتني بنص ثانية.

من اليوم ده، حاجات غريبة ابتدت تحصل. نسيت أرقام ناس قريبة مني. لقيت صور على موبايلي أنا مش فاكرها. وفي كل صورة، كنت واقف قدام أوضة رقم 6.

الساعة 3:17 بقت تتكرر كل ليلة. باب الأوضة كان بيتفتح، وصوت خطوات بيطلع… خطواتي.

نزلت لصاحب العمارة. أول ما شافني اتلخبط. قال:
“إنت… إنت مين؟”

طلع عقد قديم. العقد باسمي… بس الصورة مش صورتي. قال بصوت واطي:
“إنت الخامس.”

حكالي الحقيقة. الأوضة دي ممر. بتختبر الناس. اللي يقدر يعيش بالذنب، واللي يقدر ينسى، هو اللي يطلع.

رجعت الشقة. الأوضة كانت مفتوحة. وصوتي الحقيقي بيصرخ من جوه:
“لو خرجت إنت… أنا هموت.”

دخلت. سمعت صوت قفل بيتقفل.

دلوقتي أنا جوه. مش عارف أنا الأصلي ولا النسخة. بس متأكد إن صاحب العمارة دلوقتي معلّق إعلان جديد.

للإيجار… شقة هادية… أوضة واحدة مقفولة.

ولو انت بتقرا الكلام ده، وحسيت إن في باب مقفول بيناديك…
ما تفتحوش.
مش عشان اللي جوه خطر…
لكن عشان اللي هيطلع… مش دايمًا بيبقى إنت.
ما كنتش عارف الوقت بيعدّي إزاي جوّه أوضة رقم 6.
مفيش ساعة، ولا شباك، ولا حتى إحساس ثابت بالليل أو النهار.
الإحساس الوحيد اللي كان واضح هو إن الزمن واقف، مستني حاجة تحصل.

الصوت اللي جوّه كان صوتي…
بس أهدى، وأثبت، كأنه النسخة اللي اتعلمت تعيش من غير أسئلة.
كنت سامعه بيتحرّك برا، في الشقة، في العمارة، في الدنيا كلها.
ضحكتي مع الجيران، مكالمات بتترد باسمي، وخطواتي على السلم.

أول مرة سمعت حد ينادي عليّ من برّه، قلبي شدّ جامد.
كان صوت صاحب العمارة، عادي جدًا، بيقول:
“كل حاجة تمام؟”

كنت عايز أرد، أخبط، أثبت إني لسه موجود.
بس الأوضة ما استجابتش، ولا حتى للصوت.
ساعتها بدأت أفهم إن المكان ده ما بيحبسش الجسم…
هو بيحبس الإحساس إنك لسه ليك مكان.

مع الوقت، الندم بقى أوضح من أي صوت.
مواقف قديمة رجعت، بس مش زي ما فاكرها.
كلمة قلتها وسكت بعدها، موقف مشيت فيه وأنا كان لازم أستنى،
حاجات صغيرة كنت فاكرها عدّت، طلعت لسه عايشة.

كنت فاكر إن الأوضة بتنسخ الناس.
الحقيقة إنها بتصفّيهم.

في مرة، وأنا قاعد في الضلمة، المراية ظهرت تاني.
بس المرة دي ما كانش فيها وش شبه وشي.
كان فيها أنا… مرهق، متكسر، باصص كأني مستني حكم.

قال لي:
“مش كل اللي خرج أحسن،
بس كل اللي فضّل جوّه كان شايف نفسه غلط.”

سألته بصوت طالع بالعافية:
“هو أنا غلطت قوي؟”

رد بعد سكوت طويل:
“الغلط مش إنك غلطت…
الغلط إنك عايش كأنك ما عملتش حاجة.”

في اللحظة دي فهمت ليه الأوضة ما بتطلعش حد بسهولة.
هي ما بتستحملش اللي بيهرب من نفسه.

سمعت حركة برا.
حد جديد بيعاين الشقة.
صوت صاحب العمارة وهو بيقول الجملة المعتادة:
“شقة هادية… بس في أوضة مقفولة.”

سمعت ضحكة خفيفة.
صوت حد لسه ما يعرفش.

المراية قرّبت، والباب ظهر تاني.
الصوت قال لي بهدوء غريب:
“لو خرجت دلوقتي… هتعيش.
بس هتعيش وإنت عارف إن في حد غيرك كان أولى.”

سألته آخر سؤال:
“طب لو فضلت؟”

ابتسم وقال:
“هتختفي…
بس يمكن تسيب غيرك يعيش بصدق.”

مدّ إيده.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت، ما خفتش.
الخوف كان قبل كده،
دلوقتي كان في هدوء.

لمست الزجاج،
وفي اللحظة دي سمعت صوت بعيد،
صوت حد بيقرأ إعلان:

“أوضة رقم 6… للإيجار.”

ساعتها فهمت الحقيقة كاملة.
الأوضة ما بتاخدش ناس،
الناس هي اللي بتيجي لها لما تتعب من مواجهة نفسها.

ولو في يوم دخلت شقة،
وحسيت إن في باب مقفول بيشدّك،
اسأل نفسك الأول:

إنت هارب من إيه؟

مش كل باب مقفول محتاج يتفتح.
في أبواب مقفولة
علشان تحمي اللي جوّه
واللي برّه
في نفس الوقت.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان