أنا عايزة أتجوز… خلاص قرفت منك وكرهتك
الجملة نزلت عليّ كأنها حجر اتحدف في صدري وأنا نايمة. ماكنتش نايمة نوم، قد ما كنت مستسلمة لتعب بقاله شهور بيقرصني من جوّه. السرير كان دافي، بس جسمي كان بارد، والنهار كان باين من شق الستارة زي خط رفيع بيعلن إن يوم جديد بدأ… وأنا لسه محبوسة في نفس الوجع.
معتز كان واقف عند طرف السرير، مش شايفني… أو يمكن شايفني، بس شايفني بطريقة تانية: شايفني عبء، شايفني نقص، شايفني سبب تعاستُه. صوته كان عالي، أعلى من اللازم، كأنه بيزعق في مرضي مش فيا.
“أنا عايزة أتجوز خلاص… قرفت منك… وكرهتك!”
فتحت عيني بصعوبة. بصّيتله بعيون دبلانة، فيها دموع قبل ما الدموع تنزل. كنت عارفة إن في حاجة اتكسرت بينا من بدري، بس ماكنتش متخيلة إن الكسر يوصل لدرجة إن الكلمة تطلع منه كده… بلا تردد، بلا رحمة.
نفخ بقرف، زي واحد بيبعد ريحة مش طايقها، وقال وهو مقلّب شفايفه:
“هو ده اللي إنتِ فالحة فيه؟”
الكلمة دخلت في لحمي. مش لأنها جارحة وبس، لكن لأنها جاية من نفس الشخص اللي كان زمان بيخاف عليّ من النسمة. الشخص اللي كان بيشيلني من الشارع لو حس إني تعبت، واللي كان بيحلف إن وجعي وجعه.
حاولت أقعد، بس جسمي خانني. رجعت لورا، وحطّيت إيدي على قلبي كأني بحاول أثبته مكانه.
قلت بصوت مبحوح، طالع من قاع التعب:
“حرام عليك يا معتز… حصلك إيه؟ أنا بموت… اتقي الله. عايز تتجوز؟ اتجوز… بس بطل تكسّرني. أنا فيّا اللي مكفيني.”
بصلي بكره. كره صريح، ما اتلفّش ولا اتجمّل. سكت لحظة كأنها طويلة، وبعدين قال وهو بيتمشى قدامي في الأوضة زي واحد بيتخانق مع نفسه:
“أنا تعبت يا مي… تعبت من اللف على الدكاترة. تعبت من إننا عايشين زي الإخوات. تعبت من الانتظار ومن الصبر اللي مالوش آخر. تعبت وقررفت.”
حاولت أبلع ريقي. ماعرفتش. حسّيت إن حلقي ناشف، وإن كل كلمة بتطلع مني محتاجة مجهود كأني بطلّع حجر من جوّه.
كمل وهو بيرمي الكلام رمي:
“حتى حتة عيل… ولا عيل عرفتي تجيبيه. أنا عايش معاكي ليه؟ إيه اللي خلاني أتجوزك؟ إيه اللي خلاني أصبر ده كله؟”
كل كلمة كانت بتقطع حتة مني. أنا ماكنتش “مقصّرة”، أنا كنت مريضة. كنت بحاول. كنت بصحى كل يوم وأنا ماسكة في أمل صغير، وبنام وأنا بتمنى بس يوم واحد من غير وجع.
قلت وأنا دموعي بتغرق وشي:
“أنا مش مصدقة… إزاي حبك يختفي كده؟ إيه اللي غيرك يا معتز؟ مرضي؟! مش مفروض تحبني وتستحملني؟ مش مفروض تقف جنبي؟”
ضحك ضحكة قصيرة، متلخبطة، فيها قسوة مش طبيعية.
“أقف جنبك إزاي وأنا مش عارف أعيش؟ أنا بني آدم. ليّا احتياجات. ليّا حلم. ليّا بيت وعيال. أنا مش هضيع عمري.”
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت رجلي ترتعش حتى وأنا قاعدة:
“أنا هتجوز. عاجبك عاجبك، مش عاجبك نتطلق. كده كده مفيش عيال بينا… والحمد لله.”
خرج وسابني. لا حضن، لا كلمة تهوّن، لا حتى نظرة أخيرة فيها ذرة إنسانية. الباب اتقفل، وأنا اتقفلت معاه من جوّه.
انهرت على السرير. حطّيت وشي بين كفوفي وبكيت… بكاء طويل، مالوش شكل ولا نظام، بكاء واحد اتاخد منه الأمان فجأة.
أنا ومعتز اتجوزنا عن حب. حب حقيقي، مش حكاية تتقال للناس. أول ست شهور كانوا زي حلم حلو. كان بيقولي “إنتِ العوض”، وكنت بصدّقه. كنت بحس إن ربنا بعد كل اللي شفته بيحط في حياتي حد يرمم.
وبعدين… في يوم واحد، الدنيا اتشقلبت.
تعب شديد. مش برد عادي، مش صداع يومين. تعب غريب، بييجي مرة في العضلات ومرة في النفس ومرة في القلب. وجعي كان بيغير مكانه زي عدو بيجرّب أنهي نقطة فيّ أضعف.
لفينا على دكاترة كتير. كل دكتور يقول كلام غير التاني. تحاليل، أشعة، أدوية، حقن… وولا حاجة بتثبت على تشخيص. تلات شهور وأنا بين معمل وعيادة وصيدلية، لحد ما حسّيت إن جسمي اتبهدل من كتر التجارب.
ولما فشلت كل المحاولات، بدأت أسكت. مش لأن الوجع راح… لكن لأن الوجع بقى كبير على الكلام.
قعدت في البيت. وكان المفروض إن البيت يبقى ملجأ… لكنه بقى قفص.
معتز في الأول كان بيحاول. كان بيجيبلي الدوا، يقعد جنبي، يسألني “حاسّة بإيه؟” لكن مع الوقت، السؤال اتبدّل. بقى يسأل “إمتى هتخفّي؟” وبعدين بقى مايسألش خالص.
وبدأت أحس بحاجة أبشع من المرض: النفور.
كان بيبعد عني من غير ما يقول. ينام بظهره ناحيتي. يهرب من عيني. يفتعل شغل. يفتعل صداع. يفتعل أي سبب عشان مايقربش.
لحد ما اكتشفت اللي كسرني من جوّه…
كان بيكلم بنات.
بالليل، وأنا جسمي مرمي من التعب، كان بيتسحب بهدوء. يقفل الباب نص قفلة، ويهمس في التليفون. كنت أسمع ضحكة خفيفة مش بتتقال ليا. كنت أسمع نبرة مش بتطلع غير لما القلب بيكون مرتاح… وأنا كنت جنبُه، بس كأني مش موجودة.
سكت. ماواجهتوش. كنت بقول يمكن ده هروب مؤقت، يمكن ده ضعف وهيرجع… كنت محتاجة أصدّق إن اللي بينا أكبر من مرض.
لكن النهارده… واجهني هو. وقرر يقفل الباب نهائي.
مرت أيام تقيلة. معتز يتعامل معايا كأني قطعة أثاث في البيت. لا كلام، لا اهتمام، لا حتى مجاملة. كنت عارفة إنه بيدور على عروسة… وعارفة إنه كل يوم بيبعد خطوة أكتر.
وفي يوم دخل وقالها بلا مقدمات:
“أنا لقيت العروسة اللي هتجوزها.”
بصّيتله… ماعرفتش أطلع صوت.
كمل وهو مبتسم ابتسامة مستفزة:
“وإنتِ اللي هتطلبيها كمان.”
سكتت. كنت شايفة نفسي من برّه: واحدة مريضة، وشّها شاحب، دموعها واقفة على طرف رمشها، وبتسمع قرار هدم حياتها كأنه خبر عادي.
قال وهو بيستمتع بالصدمة:
“العروسة تبقى مروة صاحبتك.”
صرخت من وجعي:
“صاحبتي؟! ملقتش غير صاحبتي؟”
رد ببرود:
“بحبها. اعمل إيه؟ هي اللي هتسعدني… وهي اللي هتجيبلي الطفل اللي أنا عايزه. واحدة سليمة… مش واحدة بجري بيها على الدكاترة.”
قومت بتعب، قربت منه، مسكت إيده كأني ماسكة آخر خيط بيني وبين الدنيا:
“معتز… مالك؟ لا بجد مالك؟ أنا مي… حبيبتك… حصلك إيه؟”
سحب إيده بعنف، وقال:
“أنا كارهك… مش طايقك. وجودك خانقني. أنا عايز أطلقك… بس عامل حساب إنك مريضة. إنما أنا هتجوز… وده حقي.”
قلبي وقع. سألته وأنا ببكي:
“طيب عايز إيه مني؟”
قالها كأنه بيطلب شاي:
“تقنعي صاحبتك إنها توافق. أكيد هترفض عشانك… إنتِ اقنعيها.”
كنت مكسورة ومقهورة. كان نفسي أصرخ “طلقني!”… بس هروح فين؟ وأنا بالكاد قادرة أقف؟ وأنا اللي لسه بتتمنى يوم واحد من غير وجع؟
قلت بصوت خافت:
“حاضر.”
ابتسم. وشه نور حرفيًا… وده كان أشد وجع. لأن وشه ماكانش بينوّر معايا بقاله شهور.
تاني يوم، طلبت مروة. جات وهي مبتسمة، شايلة همومها في شنطتها زي أي بنت طبيعية… أول ما بصّتلي شافت في وشي حاجة خلت ابتسامتها تقع.
قلت لها بهدوء مصطنع:
“مروة… معتز عايز يتجوز.”
اتوترت. سألتني بسرعة:
“مين؟”
بلعت دموعي قبل ما أقول:
“إنتِ.”
اتسعت عينيها، قامت واقفة، صوتها عليّ:
“إنتِ مجنونة؟! عايزاني أتجوز جوزك إزاي؟!”
حاولت أشرح، لكنها قاطعتني:
“اسمعك إيه؟! عايزاني أكسر صاحبة عمري؟! أكون سبب في وجعك؟! لا يا مي… لا!”
بكيت. بكاء ماكانش مجرد دموع… كان استغاثة.
هي قربت مني، مسكت إيدي، وقالت بشفقة:
“يا حبيبتي… ربنا هيشفيكي. وأنا واثقة إنك هترجعي أحسن. بس إنتِ بتطلبي مني حاجة مستحيلة.”
لكن ضعفي كان أقوى من عقلها. رجيتها… بكلام كتير، بجُمل متقطعة، بعيون مكسورة. لحد ما صوتها اتهز، ودموعها نزلت، وقالت وهي بتنهار:
“حاضر… موافقة.”
وبعدين حضنتني جامد… كأنها بتعتذر عن حاجة هي ماعملتهاش.
مرت الأيام ومعتز بيجهز لجوازه، وأنا بتقطع من جوّه. تعبي زاد. نومي اتلخبط. نفسي بقت أضيق. كنت حاسة إن الموت واقف على الباب مستني الإشارة.
قبل الفرح بيوم، تليفوني رن. مروة… بتعيط.
قالت بصوت متقطع:
“مي… تعالي… أمي حالتها وحشة جدًا… بتقول عايزاكي… مش راضية غير عليك.”
استغربت. أم مروة ماكانتش تعبانة. بس قمت… لبست… وروحت.
البيت كان مليان صمت غريب. مروة بتبكي، ووشها أصفر.
قالت وهي ماسكة راسي بين إيديها كأنها بتدور على تفسير:
“هي بتقول عايزة تكفّر عن ذنبها… ذنب إيه يا مي؟”
دخلت.
لقيت أم مروة على السرير، وشها مسود، وعينيها بتلمع بدموع تقيلة. أول ما شافتني انفجرت بالبكاء:
“سامحيني… سامحيني… أنا بتعذب…”
قلت وأنا مرعوبة:
“أسامحك على إيه؟!”
اتنهدت كأن روحها بتتشال، وقالت جملة واحدة… فتحت باب جحيم:
“بنتي كانت بتحب جوزِك قبل ما يتجوزك…”
مروة صرخت:
“ماما!”
أنا شورت لها تسكت… لأن قلبي بدأ يلمّ الخيوط.
أمها كملت وهي بتبكي:
“شوفتها بتبكي ليلة فرحكم… وأنا… أنا عملت اللي مايتعملش… عملت سحر… بالمَرَض… وبالموت… وبكره جوزك ليكي…”
صوتي طلع مخنوق:
“إنتِ عملتي إيه؟!”
مروة كانت بتلطم وتصرخ:
“حرام عليكي… ده كفر!”
أنا قعدت على كرسي… الدنيا بتلف، والغرفة بتضيق.
قربت منها وقلت وانا بحاول أتنفس:
“القبر فين؟… لازم نفك السحر… وإلا هموت…”
رفعت إيدها كأنها هتتكلم… غمضت عينها… وماتت.
والمكان ضاع.
قعدت أبكي… مش بس على نفسي… على عمري اللي اتسرق، وعلى حب اتداس عليه، وعلى وجع اتعمل عمد. مروة كانت بتصرخ على أمها، وأنا كنت عاجزة حتى أواسيها… لأن جزء مني كان بيصرخ جوايا: “أنا هموت.”
بعد تلات أيام، لما مروة هدت شوية، جابت معتز وحكتله كل حاجة. أنا قلت لها تستر، لكن هي رفضت. كانت عايزة تنقذه… وتنقذني… وتنقذ روحها من ثقل السر.
رحنا لشيخ الجامع. سمع القصة، وهز راسه ببطء وقال:
“لازم نلاقي القبر عشان نفسد العمل.”
مروة مسحت دموعها وسألته:
“مافيش شيخ يساعدنا؟”
قال:
“فيه شيخ حسن… بيعالج بالقرآن.”
رحنا له. قعد يقرا علينا، يرقي، يوصينا. طلب مننا نثبت على الصلاة، نقرأ قرآن قبل النوم، نشرب مية مقروء عليها. ماكانش طريق سهل… كان فيه أيام بحس بخنقة، وأيام بحس بوجع بيرجع أقوى، وأيام بحس كأن حد بيشدني لورا… بس كملت.
مروة ما سابتنيش. كانت سند. كانت بتحاول تصلح اللي ماينصلحش. وأنا… رغم كل اللي اتكسر… كنت شايفة إنها ملهاش ذنب.
ومع الوقت… حصل اللي كنت فاكرة إنه مستحيل.
بدأت أفوق.
وشي رجع له لون.
نفسي بقى أوسع.
ومعتز… رجع يبصلي بنظرة تانية. نظرة فيها ندم، فيها خوف، فيها اعتذار ما اتقالش بالكلام، لكنه اتقال بالفعل.
رجع يقرب. يرجع يسألني “حاسّة بإيه؟” مش “إمتى هتخفّي؟”
رجع إنسان… ورجعت أحس إني زوجة مش حمل.
بعد سنة… كنا معزومين في فرح مروة. فرحها كان بسيط وجميل، كأنه تعويض رباني بعد العاصفة. كانت لابسة فستان أبيض، وعينيها فيها دموع خفيفة… مش دموع وجع، دموع نجاة.
أنا كنت ماسكة إيد معتز… وإيدي التانية على بطني اللي بدأت تكبر. لأول مرة بعد شهور طويلة، حسّيت إن جسمي مش عدوي… إن الحياة رجعت تشتغل جوايا.
طلعت وسلمت عليها، حضنتها، وهمست لها:
“ربنا يعوضك يا مروة.”
ابتسمت وسط الدموع.
رجعت لمعتز. بصلي وقال وهو بيضحك:
“فيه حامل قمر كده…”
ضحكت رغم كل شيء:
“أيوه… أنا.”
هز راسه وقال:
“بتعجبني ثقتك في نفسك يا حبيبتي… عشان كده بحبك.”
بصيتله… المرة دي من غير خوف، من غير وجع قديم ماسك في رقبتي.
“وأنا كمان… بحبك.”
كان في حاجات ما بتتنسيش، وحاجات بتسيب علامة… بس كان في حاجة أهم: إن ربنا يقدر يطلعك من أضيق باب… لأوسع حياة.
تمت.