سقوط من الهاوية… وصعود للحقيقة

سقوط من الهاوية… وصعود للحقيقة


سقوط من الهاوية… وصعود للحقيقة

كانت الليلة شتوية على غير العادة، ليست فقط ببرودها، بل بثقلها. عمّان بدت من شرفة الشقة كمدينة صامتة، مغطاة بطبقة بيضاء من الثلج تخفي تفاصيلها، كما لو أن أحدهم قرر أن يمحو ملامحها مؤقتًا. الأضواء البعيدة كانت باهتة، والهواء يحمل صفيرًا خافتًا يتسلل من بين زجاج النوافذ، يطرق الأعصاب بلا رحمة.

ليلى كانت في شهرها السابع. لم يعد جسدها يطاوعها كما اعتادت، وكانت كل حركة محسوبة، كل خطوة تحتاج وعيًا مضاعفًا. يدها اليمنى لم تفارق بطنها، لا لأنها تخشى السقوط فقط، بل لأنها كانت تشعر، دون أن تعترف لنفسها، أن العالم من حولها لم يعد آمنًا كما كان. كأن الغريزة سبقتها، وكأن جسدها فهم الحقيقة قبل عقلها بزمن.

خلفها وقف زياد. لم يكن قريبًا، ولم يكن بعيدًا. المسافة بينهما لم تكن تُقاس بالأمتار، بل بشيء أعمق، بشهور من الصمت الملتوي، بأسئلة لم تُجب، وبنظرات تغيّرت نبرتها دون إعلان رسمي. منذ أن بدأت تسأله عن أموال اختفت بلا تفسير، وعن هاتف لا يتوقف عن الاهتزاز في جوف الليل، صار زياد شخصًا آخر؛ صوته أقل دفئًا، ابتسامته أقل صدقًا، وحضوره في البيت يشبه حضور غريب يجلس ويذهب دون أن يترك أثر محبة.

كانت ليلى تحاول أن تظل “عاقلة” كما تعلمت النساء أن يفعلن. تقنع نفسها أن كل زواج يمر بمطبات، وأن الحمل يضاعف الحساسية، وأن الرجل قد يُرهقه العمل. لكنها في الحقيقة كانت تتعب من كثرة التبرير. لأن هناك علامات لا تحتاج فلسفة، تحتاج فقط شجاعة للاعتراف: زياد صار يتجنب النظر الطويل، وصار يطفئ شاشة هاتفه لحظة اقترابها، وصار يرد بعصبية غير مبررة حين تسأله سؤالًا بسيطًا.

قال لها زياد في تلك الليلة، وهو يراقب الثلج وكأنه يتأمل شيئًا جميلًا لا علاقة لهما به: “اقتربي يا ليلى… شوفي البياض وهو بيغطي كل قذارة العالم.”

لم تكن نبرته تحمل حبًا. كان فيها صرير خافت، يشبه صرير الثلج تحت حذاء ثقيل. ومع ذلك، تحركت ليلى خطوة صغيرة، بحذر، لأن قلبها لم يعد يطيق أن يظل في منطقة الشك. كانت تعبت من التردد. تعبت من أن تكون هي الوحيدة التي تحاول إنقاذ ما يتبقى من بيتها.

اقتربت من حافة الشرفة، لا لتتأمل جمال المدينة، بل لتلتقط أنفاسًا تشعرها أنها ما تزال حية. في اللحظة ذاتها أحست بيده على ظهرها. لم تكن لمسة حنان، ولا دفعة لطيفة. كانت ضغطًا مفاجئًا قاسيًا، كأنه قرار اتخذ منذ زمن وكان ينتظر اللحظة المناسبة.

الزمن في الثواني دي ما بيبقاش طبيعي. ليلى لم تصرخ كما تتخيل الأفلام. لم تشعر أنها تسقط في البداية، بل شعرت أن العالم كله مال مرة واحدة، وأن قدميها فقدتا المعنى. كان هناك فراغ يفتح فمه تحتها، وبرد شديد يدخل إلى صدرها. وفي وسط كل ذلك، لم تسمع إلا نبضات قلبها… ثم شيئًا أدق منها: نبض صغير داخل بطنها، كأنه يسألها لماذا.

وهي تهوي، لم تفكر في زياد. المفاجأة كانت أكبر من القدرة على التفكير. في جزء من الثانية، مرت في رأسها صور لا تُفسر: فنجان شاي قديم شربته معه في بداية الزواج، ضحكته الأولى حين أخبرته بحملها، ومشهد وجهه في الأيام الأخيرة وهو بارد كحائط. ثم اختفى كل شيء.

لم يرتطم جسدها بالرصيف كما ظنت أنها ستفعل. كان هناك صوت تحطم هائل، معدن يئن وزجاج يتشقق. سقطت فوق سقف سيارة متوقفة أسفل العمارة. الضربة كانت عنيفة، لكنها لم تكن النهاية. كانت بداية جديدة… بداية تُشبه الصدمة.

وسط الضباب الذي غلف وعيها، شمّت رائحة عطر مألوفة جدًا. رائحة كانت جزءًا من حياتها قبل سنوات، قبل أن تصبح زوجة زياد وقبل أن تتعلم كيف تبتلع الأسئلة. فتحت عينيها بصعوبة، ورأت وجهًا لم تتوقع أن تراه في تلك الليلة: عمر.

عمر… خطيبها السابق. الرجل الذي رحل من حياتها بهدوء، لا بسبب خيانة، بل بسبب خوفها من المستقبل، وبسبب ضغط عائلي قال لها إن زياد “أضمن” و“أقدر” و“أنسب”. كان عمر واقفًا مذهولًا، يصرخ ويطلب المساعدة، ويداه ترتعشان وهو يحاول فتح الباب، كأن الحقيقة هاجمته مرة واحدة: ليلى سقطت من فوق.

في المستشفى، عاد كل شيء ببطء. أصوات أجهزة، رائحة مطهرات، ضوء أبيض قاسٍ لا يرحم العين. الألم كان موجودًا، لكنه لم يكن الألم الأكبر. الألم الأكبر كان في إدراكها: زياد لم يكن يريد تخويفها… كان يريد إنهاءها.

عندما دخل زياد إلى الغرفة، كان يرتدي وجه الزوج المفجوع. عيناه محمرتان، صوته مرتجف، يده تمسك يدها أمام الناس. كان يبكي أمام عائلتها ويقول: “انزلقت… كانت بتتأمل الثلج… يا رب رحمتك.”

ليلى لم تبكِ. نظرت إليه فقط. في داخلها شيء انكسر، ثم شيء آخر استقام. وحين اقترب ليقبل جبهتها تمثيلًا أمام الموجودين، لم تمنحه لحظة راحة. سحبت ياقته نحوها، حتى اقترب وجهه من وجهها، وهمست بصوت لا يسمعه أحد غيره:

“أنا سقطت فوق عربية عمر يا زياد… والعربية شغّالة… وكاميرتها شافت كل حاجة.”

تجمد زياد. لم يرد. لم يستطع. لكن ارتعاشة بسيطة في عينه كانت كافية لتخبرها أنها أصابت قلب الحقيقة.

لم ترفع ليلى صوتها. لم تصنع فضيحة على سرير المستشفى. كانت أذكى من أن تمنحه فرصة تحويلها إلى “امرأة هستيرية”. احتفظت بالهدوء كما يحتفظ شخص بآخر ورقة نجاة في جيبه.

بعد يومين، خرجت من المستشفى على كرسي متحرك، وظهرها يؤلمها، لكن عقلها كان أكثر صفاءً مما كان منذ سنوات. لم تعد تسأل: لماذا؟ صارت تسأل: كيف أثبت؟

عمر كان موجودًا، لكنه لم يقترب كثيرًا. كان يتصرف بحذر، كأنه يعرف أن وجوده نفسه قد يكون جزءًا من قصة أكبر. حين وجدت نفسها وحدها معه في ممر المستشفى، قال بصوت منخفض: “ليلى… أنا عندي تسجيل.”

لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه بعينين مرهقتين. أخرج هاتفه، وفتح مقطع فيديو من كاميرا سيارة. الصورة لم تكن جميلة بسبب الثلج، لكنها كانت واضحة بما يكفي: زياد يقف خلف ليلى… يقترب… يضغط… ثم ينظر للأسفل ببرود، قبل أن ينسحب خطوة للخلف وكأنه يتأكد من النتيجة.

ليلى لم تصرخ. لم تنهار. اكتفت بأن أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها وقالت: “تمام.” كلمة واحدة، لكنها كانت إعلان حرب.

في قسم الشرطة، دخل زياد وهو يظن أن القصة انتهت، وأن زوجته ضعيفة وخائفة وستقبل بتفسير “الانزلاق”. حاول أن يبدو متعبًا ومحزونًا. قال للضابط بنبرة مظلومة: “هي لسه تحت تأثير الصدمة… بتتهيأ لها حاجات.”

الضابط لم يرد بسرعة. فقط أشار لزياد أن يجلس. ثم فتح اللابتوب، وشغّل الفيديو. الصمت في الغرفة كان أثقل من أي كلام. وجه زياد بدأ يفقد لونه، والعرق ظهر رغم برودة المكان.

حاول زياد أن يضحك بسخرية: “ده مفبرك… عمر بيكرهني… عايز ينتقم!”

ليلى اقتربت بكرسيها ببطء، وقالت بهدوء مدمر: “عمر مش محتاج ينتقم. أنت اللي وقّعت نفسك.”

الضابط وضع أوراقًا أخرى أمام زياد: وثيقة تأمين على حياة ليلى بمبلغ كبير، أُنجزت قبل أسبوع واحد فقط من السقوط. ثم كشف حسابات يظهر تحويلات غريبة. هنا، لم يعد أمام زياد مساحة للكذب. الكذب يحتاج أرضًا يقف عليها، وهو فقد الأرض.

زياد بدأ يتوسل: “فكري في ابننا… لا تضيعي مستقبله.”

ليلى نظرت إليه طويلًا. ثم قالت بصوت ثابت: “أبوه الحقيقي مات لحظة دفعتني.”

خرجت ليلى من القسم وهي تشعر لأول مرة منذ سنوات أن الهواء يدخل صدرها بلا مقاومة. البرد كان موجودًا، لكن الحرية كانت أدفأ من أي معطف.

في الخارج، وقف عمر بجوار سيارته المحطمة. نظر إليها وقال: “خلصنا؟”

ليلى هزت رأسها: “تقريبًا.”

ثم لاحظت شيئًا: عمر ليس سعيدًا. كان متوترًا. يتهرب من النظر في عينيها. كأن هناك جملة عالقة في حلقه.

قالت له: “عمر… أنت جيت هنا ليه أصلًا؟ في نص الليل… وسط عاصفة؟”

سكت. ثم أخرج هاتفه وفتح رسالة قديمة من زياد، أرسلها قبل الحادث بساعة تقريبًا. الرسالة كانت واضحة: دعوة لعمر ليأتي أسفل العمارة بحجة أن ليلى تريد رؤيته وتريد العودة إليه.

ليلى شعرت بقشعريرة. الخطة كانت أوسع مما تخيلت. زياد لم يكن يريد قتلها فقط، كان يريد أن يزرع شبهة حولها وحول عمر… وربما يجرّه إلى ورطة لو نجحت المسرحية كما رسمها.

عمر قال بصوت منكسر: “أنا صدّقت… افتكرت إنك فعلاً ندمانة.”

ليلى لم تشتمه. لم تنهَر. لكنها شعرت بأن الحقيقة لا ترحم أحدًا. قالت بهدوء:

“أنا ممتنة إن الفيديو أنقذني… بس أنا مش راجعة لحد. لا لزياد… ولا لأي نسخة قديمة من حياتي.”

عمر حاول أن يرد، أن يبرر، أن يقول إنه لم يقصد. لكنها رفعت يدها، كأنها تغلق بابًا بهدوء:

“أنا دلوقتي محتاجة أكون بطلة قصتي… مش حد ينقذني، ولا حد يستعملني.”

استدارت ليلى، ومشت بخطوات بطيئة لكنها ثابتة نحو سيارة أجرة كانت واقفة عند الرصيف. وضعت يدها على بطنها، وشعرت بركلة خفيفة من الداخل… ركلة تقول لها إن الحياة ما زالت ممكنة.

وراءها كان هناك حطام: حطام شرفة، وحطام زواج، وحطام رجل ظن أن الثلج يغطي القذارة. لكنها كانت تعرف الآن أن البياض لا يمحو الحقيقة… الحقيقة فقط تحتاج نورًا، وتحتاج قلبًا لا يخاف أن يواجه.

في تلك اللحظة، لم تكن ليلى “امرأة نجت من السقوط” فقط. كانت امرأة صعدت للحقيقة، وقررت ألا تعيش بعدها في أي هاوية، مهما كان اسمها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان