قصة قيد العادات: ليلة زفاف تحولت إلى هروب من الظلم

قصة قيد العادات: ليلة زفاف تحولت إلى هروب من الظلم


قيد العادات

تنويه: هذه قصة اجتماعية خيالية تدور في بيئة ريفية، وأي تشابه مع أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض صدفة. تهدف القصة إلى مناقشة ضغط العادات والخوف الجماعي، دون أي محتوى إباحي أو وصف حميمي.

كانت ليلى واقفة خلف ستارة غرفتها في الطابق العلوي من بيت العائلة الكبير، لا لأنها تحب التلصص، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تواجه المشهد مباشرة. الستارة كانت آخر مساحة صغيرة بينها وبين الحقيقة، حاجزًا خفيفًا يسمح لها أن ترى دون أن تُرى، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أن ما يحدث في الساحة مجرد حفل بعيد لا علاقة له بها.

البيت كان مضاءً كما لم يُضاء من قبل. الأنوار المعلقة على الحبال تمتد من الشرفة إلى شجرة الجميز العتيقة، وتنعكس على وجوه المدعوين فتجعلهم يبدون أكثر ابتسامًا مما هم عليه. في الأسفل، أصوات الزغاريد تتعاقب مثل موجة لا تتوقف، والرجال يتبادلون التحيات ويضحكون ضحكة عالية، ضحكة تعرفها ليلى جيدًا: ضحكة المناسبات التي تُقال فيها الأشياء المهمة دون أن تُقال.

لم تكن ترتجف من البرد. كانت ترتجف من فكرة واحدة: أنها صارت “الحدث” نفسه، وصار جسدها وتاريخها وكل خطوة مشيتها في حياتها، موضوعًا عامًا تُوزع حوله التهاني والوعود والعيون المتربصة.

دخلت أمها الغرفة دون أن تستأذن. كانت تحمل في يدها منديلًا أبيض مطويًا بعناية، كأنه شيء مقدس لا يحق لأحد أن يسأل عنه. وقفت أمام ليلى، ونظرت إليها نظرة لم تكن قاسية بقدر ما كانت متعبة، كأنها امرأة حفظت الدور الذي يجب أن تؤديه وتخاف أن تخطئ في جملة واحدة.

قالت الأم بصوت منخفض لكنه حاسم: “يا بنتي… النهارده يوم سترنا. عيلة الراوي مستنيين يطمنوا… ومنصور ابن عمك مش سهل. ارفعي راسي وراس أبوكي.”

لم تجب ليلى. لم يكن في حلقها صوت، ولا في عقلها مساحة لكلام جديد. هي تعرف أن الاعتراض هنا لا يُسمى اعتراضًا، بل يُسمى “فضيحة”، وأن الفضائح في هذا البيت لا تحتاج دليلًا، يكفي أن تُقال.

كانت تعرف منصور منذ الطفولة. ابن عمها الذي كبر معها في البيت نفسه، لكنه لم يكن يومًا قريبًا منها كما يزعمون الآن. كان دائم المراقبة، سريع الحكم، شديد الحساسية تجاه “كلام الناس”. منذ سنوات، حين كانت أصغر وأجرأ، رفضت الفكرة حين لمحوا لها بالجواز منه، فصار الرفض في نظره إهانة لا تُنسى. لم يقلها صراحة يومها، لكنه تركها تتعلمها بالتلميح والبرود، وبنظرة طويلة لا تُفهم إلا بعد وقت.

حين دخل منصور الغرفة بعد قليل وأُغلق الباب عليهما، تغير كل شيء في الهواء. الصمت لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمت له وزن. كانت ليلى تسمع صوت أنفاسها وكأنها تتنفس في غرفة ضيقة بلا نوافذ. منصور تحرك بثبات، خلع عباءته وألقاها على الكرسي بإهمال، ثم اقترب وسحب المنديل من يدها دون أن يطلبه. سحب الشيء الوحيد الذي جعل البيت كله في الأسفل ينتظر، وكأنه يمسك بخيط يشد به الجميع.

نظر إليها أخيرًا وقال ببرود غريب: “فاكرة يا ليلى لما كنتي بترفضي تتجوزيني زمان؟ النهارده… انتي في مكاني. والناس بره مستنية الإشارة عشان تضرب النار.”

انفجرت دموعها من غير مقدمات. لم تكن تريد أن تبكي أمامه، لكنها كانت تتعب من التماسك. قالت بصوت مكسور: “إنت ابن عمي… ليه محسسني إني عدوة؟”

لم يجب. اتجه نحو الشرفة ونظر إلى الساحة المزدحمة، كأنه يتأكد أن كل شيء يسير كما يريدون. ثم عاد بوجه شاحب، ليس وجه رجل منتصر، بل وجه رجل يحمل في داخله شيئًا أثقل من المشهد كله.

فجأة التقط فازة زجاجية من فوق الطاولة، وكسرها بسرعة. قبل أن تفهم ليلى ما يحدث، كان قد جرح كفه عمدًا، وترك قطرات من دمه تسقط على المنديل الأبيض. صرخت ليلى صرخة مكتومة، صرخة خرجت بلا صوت حقيقي، لأن الخوف أحيانًا يمنع الحنجرة من العمل. كان منظر الدم على القماش كافيًا ليُفهم خارج الغرفة بشكل واحد فقط، وهو المعنى الذي يريدونه.

قال منصور وهو يضغط على كفه بقطعة قماش أخرى: “خلاص. المنديل ده هيطلع لهم دلوقت… ونخلص من الدوشة دي.” ثم أضاف بنبرة أقسى: “بس من اللحظة دي… ما فيش حد هيعرف إننا حاجة غير قدام الناس وبس. انتي هنا… ضيفة.”

خرج للشرفة وألقى بالمنديل. وفي ثوانٍ انفجرت الساحة بالزغاريد، وتعالى صوت إطلاق نار في الهواء كأنه إعلان نجاح صفقة. ليلى وقفت مكانها مذهولة. لم تفهم إن كان منصور ينقذها أم يعاقبها، إن كان يكرهها أم يكره شيئًا آخر أكبر منها.

مرت الساعات ثقيلة، كأن الليل صار أطول من المعتاد. لم يقترب منصور منها، لم يقل كلمة تشرح، لم يعتذر، ولم يطلب حتى أن تجلس. كان يجلس أحيانًا على طرف السرير ثم يقوم فجأة كمن تلدغه فكرة، يسير في الغرفة، ينظر إلى الحائط، إلى النافذة، إلى الباب، ثم يعود للصمت.

وعندما بدأ الفجر يزحف ببطء، وهدأت أصوات الساحة، وقفت ليلى خلف الباب تتنفس بحذر. رأته يجمع ورقة صغيرة ومفاتيح سيارته في شنطة سوداء. منصور الذي كان منذ ساعات يمثل دور “السبع” أمام الناس، صار الآن مكسور الملامح، وكأنه لا يهرب من بيت، بل يهرب من شيء يطارده من سنين.

فتح الباب على مهل، فوجدها أمامه. عيناها حمراوان من كثرة البكاء، لكن في النظرة شيء آخر: غضب. قالت بحدة حاولت أن تخفي رجفتها: “رايح فين يا ابن عمي؟ سايبني لمين؟ للناس اللي بره… اللي ممكن يعملوا فيا أي حاجة لو عرفوا إنك هربت الليلة دي؟”

تجمد منصور لحظة، ثم قال بصوت منخفض متعب: “ابعدي يا ليلى… أنا لو قعدت هنا هقتل حد… أو هقتل نفسي. الجوازة دي كانت كذبة. وأنا مش قادر أكملها.”

تمسكت بذراعه بقوة: “واللي حصل بره؟ والناس اللي زغردت؟ أنت عملت اللي عملته… وبعدين هتمشي؟”

زفر منصور، وكأن صدره ممتلئ بكلام مكبوت. ثم قال جملة وقعت عليها كصاعقة: “أنا مش هربان عشان مش عايزك. أنا هربان عشان هما بايعيني زيك. المنديل ده ما كانش عشانك… ده كان ستار على فضيحة تانية تخص أبويا وأبوكي. وأنا مش هكون كبش فدا.”

كانت ليلى تريد أن تسأله: أي فضيحة؟ أي ستار؟ لكن صوتًا في الخارج قطع التفكير كله. خطوات ثقيلة على السلم، وصوت عصا تضرب الأرض بعنف. عرف منصور الصوت فورًا. شد ليلى من يدها وأدخلها الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح. قال وهو يلهث: “دلوقت مفيش وقت. يا تيجي معايا… ونكشف المستور سوا في المحافظة، يا تفضلي هنا وتبقي الضحية اللي هيدفنوا السر فيها.”

الخبط على الباب صار أعنف. صوت والد منصور جاء من الخارج بلهجة آمرة: “افتح يا منصور… في كلمتين لازم يتقالوا دلوقت.”

ليلى نظرت إلى الباب ثم إلى منصور. لأول مرة ترى في عينيه خوفًا حقيقيًا، خوفًا لا علاقة له بالتمثيل أمام الناس. كان خوف شخص محاصر. قال منصور وهو يضغط على يدها: “قرري يا ليلى… لو فتحت الباب ده… ممكن ما تشوفيش الشمس تاني.”

لم يكن لديها رفاهية التفكير الطويل. في لحظة حسم سحبت عبايتها السوداء ولفت طرحتها بإحكام وقالت بصوت ثابت رغم الارتجاف: “قدامي. بس لو طلعت بتضحك عليا… أنا مش هاسيبك.”

فتح منصور الشباك الخلفي المطل على منور مهجور، ونزل بخفة. ساعدها تنزل وراءه. كان المكان ضيقًا ورائحته تراب قديم، لكنه كان طريقًا لا يراقبه أحد. ركضا بين البيوت القديمة والسكك الضيقة التي يعرفها منصور كأنه يمشي فيها بعينيه مغمضتين. لم تكن ليلى تعرف إلى أين تذهب، لكنها كانت تعرف فقط أنها لا تريد أن تبقى.

عند آخر القرية، قرب المعدية القديمة، كانت سيارة مركونة ونورها مطفأ. ركب منصور بسرعة، ثم ناول ليلى ورقة مطوية وهو يدير المحرك: “اقري دي… دي وصية أبوكي.”

فتحت ليلى الورقة بأصابع ترتجف. توقعت كلمات عن ميراث أو تقسيم أرض أو نصيحة أبوية متأخرة. لكنها وجدت اعترافًا. اعترافًا بأن أرض بيت عيلة الراوي ليست ملكًا لهم كما يعلنون منذ سنوات، وأن هناك حقًا ضائعًا، واسمًا مدفونًا تحت صمت طويل، وأن “البيت الكبير” مبني فوق ظلم قديم لو خرج للنور لانقلبت القرية كلها.

لم تستوعب التفاصيل كلها، لكن المعنى كان واضحًا: هناك من يخاف الحقيقة أكثر مما يخاف الله أو الناس. هناك من يقتل ويزوج ويستر ويهدد فقط ليبقى السر في مكانه.

وقبل أن تسأل منصور عن باقي القصة، أضاءت كشافات سيارة أخرى خلفهما. صرخت ليلى من الفزع، لكن منصور صاح وهو يضغط البنزين: “عرفوا طريقنا!”

انطلقت السيارة وسط طريق ترابي ضيق. كان الضباب خفيفًا، يجعل الأشياء بعيدة كأنها حلم سيئ. الكشافات الخلفية كانت تقترب، وصوت الرصاص عاد، لكن هذه المرة لم يكن رصاص فرح، كان رصاص تهديد. ليلى انحنت تلقائيًا، وشعرت أن قلبها يطرق ضلعها من الداخل.

ظل منصور يقود بجنون حتى وصلوا إلى طريق مقطوع قرب الملاحات. فجأة توقفت سيارتهم بعد أن ضاق الطريق، وحاصرتهم السيارة الأخرى. نزل رجال بسرعة، وتقدم والد منصور بنفسه، ومعه وجوه تعرفها ليلى من الساحة: رجال كانوا يضحكون منذ ساعات، وصاروا الآن يبدون كأنهم خرجوا من ظلمة واحدة.

اقترب والد منصور من الشباك وهو يتنفس بغضب: “انزل يا منصور… وانزلي يا… فاكرين هتهربوا بسرنا وتعيشوا؟”

نزل منصور ووقف أمام أبيه، لا يطلب رحمة ولا يساوم. قال بصوت ثابت: “السر ده لازم ينتهي يا بوي. الأرض دي اتبنت على ظلم. وليلى مالهاش ذنب.”

رفع الأب سلاحه. وفي اللحظة التي بدا فيها أن الأمور ستنتهي، نزلت ليلى من السيارة. لم تكن شجاعة بطبعها، لكنها كانت وصلت لمرحلة لا يعود فيها الخوف كافيًا ليجعلها تطيع. كانت تمسك ولاعة صغيرة، وفتحت غطاء تانك البنزين الذي كان يتسرب منه القليل بسبب خدش في السيارة. رفعت الولاعة وقالت بصوت هز المكان: “ولا خطوة. الورقة اللي معايا دي… نسخة منها وصلت لمحامي في المحافظة. لو جرالي حاجة… الصبح الحقيقة كلها تتقال، والبيت اللي خايفين عليه… يقع فوق راسكم.”

توقف الجميع. لم يتوقعوا أن “البنت الهادية” تتحول إلى إنسانة قادرة على التهديد. كانوا يراهنون على خوفها، وحين اكتشفوا أن الخوف لم يعد سيد الموقف، اهتزت معادلتهم كلها.

استغل منصور لحظة التردد، شد ليلى بسرعة، ركبا السيارة، وانطلقا وسط الضباب قبل أن يستعيد أحدهم قراره. خلفهما ظل والد منصور واقفًا، ليس لأنه عجز عن اللحاق، بل لأنه خاف أن يطلق الرصاص في انفجار، وخاف أكثر أن يطلق الرصاص في الحقيقة.

بعد شهور طويلة، لم تعد ليلى تلك الفتاة التي كانت تختبئ خلف ستارة. كانت تعيش في مدينة بعيدة، تعمل في محل صغير افتتحته باسمها. لم يكن المحل كبيرًا، لكنه كان لها. كل شيء فيه كانت تختاره بنفسها: ترتيب الرفوف، لون الحائط، حتى الموسيقى الخافتة التي تشغلها صباحًا. كانت تتعلم حياة جديدة، حياة لا تحتاج فيها أن تستأذن كي تتنفس.

وفي يوم، دخل منصور المحل ومعه أخبار. قال وهو يجلس متعبًا: “صدر قرار بإزالة البيت القديم… رجع الحق لأصحابه. والناس اللي كانوا بيهددوا… بقوا بيدوروا على مخرج.”

نظرت ليلى إلى أثر الجرح القديم في يده، الأثر الذي لم يختف تمامًا. تذكرت المنديل الأبيض، وكيف تحول في ليلة واحدة من أداة ضغط إلى ورقة نجاة. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “عارف يا منصور… المنديل اللي اتلطخ بدمك ليلتها… كان هو اللي غسل شرفنا الحقيقي من وسخ العادات.”

سكت منصور قليلًا، ثم قال بصوت أهدأ: “إحنا ما كانش قيدنا العادات يا ليلى… كان قيدنا الخوف.”

هزت ليلى رأسها. كانت تعرف الآن أن الخوف هو السلاسل التي لا يراها أحد، وأن أول خطوة للنجاة ليست الهروب من القرية، بل الهروب من الفكرة التي تربط الإنسان برأي الناس أكثر مما تربطه بكرامته.

في المساء، أغلقت ليلى باب محلها، ومشت في الشارع وهي تشعر للمرة الأولى أن الأرض ثابتة تحت قدميها. لم يعد هناك صوت عصا يطاردها، ولا باب يُطرق عليها بعنف، ولا ساحة تنتظر “إشارة” لتقرر قيمة إنسانة. كانت هناك فقط حياة… تُبنى ببطء، بجرح قديم، وبقرار واحد شجاع اتخذته في ثانية.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان